الرصاصة الالمانية الاولى ضد الفدائيين تخطئ الهدف ، البافاريون يقاتلون لكسب الوقت بانتظار مدرعات عطلها المرور تستمر المتابعة اللاهثة للاحداث مع مؤلفنا سيمون ريف في كتابه (ذات يوم من سبتمبر) حيث نلتقي بالوقائع التي تواترت بايقاع يستنفر الاعصاب في فيرستنفيلد بروك والتي اندلعت مع قيام ولف باعطاء أوامر اطلاق النار للقناصة الثلاثة المنبطحين الى جانبه على سطح برج المراقبة. ويقول ريف انه ما ان تفوه ولف بالامر بفتح النار حتى شقت رصاصتان صمت الليل المخيم على المطار ليسقط الفدائيان اللذان كانا يحرسان الطيارين الالمان, وهما احمد شيخ طه وعفيف حميد على الارض, على الرغم من ان احدهما فقط هو الذي استشهد على الفور, معلنين بذلك بدء عملية (الانقاذ) الالمانية. وبدأت الفوضى الفورية ايضا فقد سارع الطيارون الالمان الاربعة بالتراكض في كل الاتجاهات بحثا عن ملاذ يقيهم سيل الرصاص, اما عيسى وطوني اللذان كانا في منتصف المسافة بين المروحيتين والبوينج فاخذا يركضان نحو المروحيات, فيما اطلق القناص الثالث المنبطح الى جانب ولف رصاصة اخطأت عيسى, وحفرت الاسفلت تحت قدميه, مما جعله يزيد سرعته, ويتقافز وفق خط متعرح ليكمل المسافة على هذا النحو الغريب واعاد القناص الكرة ليصيب هذه المرة طوني في ساقه, ويسقطه على الارض. اما جمال الجشي والفدائيون الثلاثة الذين تبقوا معه فأسرعوا بالاختباء في الظلام تحت المروحيتين, ليصبح من المتعذر على القناصة رؤيتهم, وبدأوا فورا بالرد على مصدر النيران, ببنادق الكلاشينكوف التي يحملونها ويقول جمال الجشي عن تلك اللحظة (احسست لحظتها بأني في خضم معركة كبيرة, يتوجب علي ان اخوضها بكل ما لدي من عنفوان لئلا اموت بثمن بخس) . كانت نيران الفدائيين ضارية, اذ مشطوا المطار بنيرانهم, وغطوا برصاصهم المبنى الرئيسي, وكسروا المصابيح, وألهبوا البوينج وحاولوا ارداء الطيارين الالمان قتلى) . ودخل رصاصهم الغرفة التي كان أولريخ فاجز يقف فيها الى جانب جنيشر وزامير وكوهين, وحطم نموذجا صغيرا لطائرة كان رابضا فوق خزانة في الغرفة, ليسرع جينشر بالانبطاح ارضا تحت الطاولة تحاشيا للرصاص. كان الرصاص الفلسطيني عشوائيا لكنه بدأ باصابة أول اهدافه. اذ حالما انطلقت أول رصاصة من بندقية القناص على عسى, كان رائد في الشرطة الالمانية هو انطون فليجيربور في برج المراقبة وفتح نيران رشاشة على عيسى, ولم يكد يفرغ نصف مخزن رشاشه حتى كانت رصاصة فلسطينية تدخل من النافذة لتخترق رأسه وترديه صريعا في الحال. القتال باللعنات حتى تلك اللحظة لم يكن القناص رقم 2 قد اطلق اي رصاصة, وحينا رفع رأسه من خلف الحوض, انفجرت قنبلة يدوية قريبا منه, ولمح رجلا واقفا بين المروحيتين يطلق النيران على نوافذ برج المراقبة, لكن القناص لم يتمكن من اطلاق النار عليه لأن رصاصة ارتطمت بالجدار الى جانب رأسه اجبرته على الاختباء من جديد. وجرب تكرار المحاولة, لكنه وجد رجلا يسرع بالركض نحوه, ولم ينقذ ذلك الرجل من رصاصة يطلقها عليه الا الخوذة البيضاء التي كان يعتمرها, والتي لاحظها القناص قبل ان يضبط الزناد, ليعرف انه طيار ألماني. اصيب جمال الجشي برصاصة في يده جعلت الكلاشينكوف يطير منها, وكانت رصاصة طائشة, وهذا ما يؤكده اولريخ فاجز, الذي يقول: (كان الالمان يطلقون النار عشوائيا على أي شيء يتحرك. ولم يكونوا يرون أي اهداف, بل كانوا يسددون على المروحيتين ومحيطهما. ويوافق هانز هو هنسين على ان المعركة كانت اعتباطية, ويقول: (لم يكن احد يعرف من اين تأتي النيران ولا الى اين تتوجه) , ولم يدرك المسئولون الالمان إلا في الساعة العاشرة و50 دقيقة وبعد اندلاع المعركة انهم بحاجة لدعم من عربات مدرعة, في الوقت الذي كانت عدة عربات مدرعة تنتظر في القرية الاولميبية, حينما اتتها اوامر الاسراع نحو مطار فيرستنفيلد بروك. حتى ما نفريد سكرايبر, وهو قائد شرطة ميونيخ, اسقط في يده, ورأى ان الوضع اصبح خارجا عن نطاق السيطرة. ويدعي سكرايبر الان انه: (اراد ان يقتل القناصة عيسى امام رفاقه, في بداية العملية, بشكل يدفعهم للاستسلام فورا. لكن عيسى لم يقتل, وبدلا من ان يخر صريعاً امام زملائه الفدايين بشكل يفقدهم العزيمة, زحف نحو المروحيتين, وبدأ يمسح ارض المطار بنيران رشاشه. ويعترف سكرايبر بأن المسئولين الذين يراقبون المعركة أصيبوا (بالشلل التام) . والوحيد الذي فعل شيئا ما هو وزير الرئاسة شتراوس الذي قام على الأقل بالصراخ وتوجيه اللعنات للفدائيين. قناصة بلا مناظير يبدأ ريف, بعد ذلك, بسرد الأخطاء القاتلة التي وقع فيها المسئولون الألمان أثناء تحضيرهم لعملية الانقاذ في المطار بشكل يعطي الانطباع بأن هؤلاء المسئولين لم يكونوا أبدا على مستوى يؤهلهم لقيادة مثل هذه العملية المعقدة. وأول ما يشير إليه ريف هو ان القناصة لم يزودوا أبدا بأجهزة لاسلكي, مع ان القناصة الذين كانوا على أرض المطار لم يفصلهم أكثر من مئة متر عن قائدهم. هذا مع ان المئات من الحراس المدنيين في القرية الاوليمبية كانوا كلهم مزودين بأجهزة لاسلكي. ويذكر ريف ان القناص رقم 2 على سبيل المثال طلب جهاز لاسلكي, وهو لا يزال في القرية الأوليمبية قبل اعادته إلى مطار فيرستنفيلد بروك, وأعاد تكرار طلبه هذا حين وصل إلى المطار, لكن المسئولين قالوا له ان هذه الأجهزة غير متوفرة لهم. أيضا لم تكن أسلحة القناصة مناسبة لهذه المهمة, فقد كانت بنادقهم ذات سبطانات بطول 50 سنتمترا, فيما كان الواجب تزويدهم ببنادق لا يقل طول مواسيرها عن 70 سنتمترا لضمان دقة الاصابة للأهداف التي يتوقع بالتأكيد أن تكون بعيدة عنهم. يدعي البعض كذلك ان بنادق القناصة لم تكن مزودة بأجهزة تسديد بصرية, على الرغم من ان الأوامر بتوفير هذه المناظير أصدرت منذ الساعة الخامسة وأربعين دقيقة فجرا, كما ان أحدا من الضباط لم يكن لديه جهاز رؤية ليلية بالاشعة تحت الحمراء, وهي الأجهزة الضرورية جدا في عملية تتم ليلا. ليس هذا كله فحسب, بل ان أحدا من القناصة لم توفر له بزة واقية من الرصاص أو خوذة معدنية, الأمر الذي كان من شأنه أن يعزز من ثقة القناصة بأنفسهم ويتيح لهم أن يصبحوا أكثر جرأة في تنفيذ الهجوم. ويضاف إلى ذلك أيضا أخطاء تكتيكية فالقناصة الذين يحملون أرقام 3 و4 و5 على سطح برج المراقبة لم يعرفوا أبدا مكان تمركز القناصين رقمي 1 و2 بشكل عرضهما لخط القتل بما يعرف بالنيران الصديقة. لكن الخطأ الأكبر الذي ارتكبته شرطة ميونيخ والحكومة البافارية كان هو عدد القناصين, إذ كيف يمكن مواجهة ثمانية مهاجمين بخمسة قناصين فقط؟ وفي برج المراقبة أمضى زامير وفيكتور كوهين الدقائق الأولى من زمن المعركة من دون أن ينبسوا ببنت شفة. لكن زيفي زامير سأل جينشر وشتراوس بغضب بعد ذلك عما يحدث. ويتذكر زامير: (كرروا علي العبارة نفسها التي سمعتها طويلا: لا نستطيع التدخل, هذا شأن بافاري داخلي) . اعطوني ميكروفونا! اتخذ البافاريون قرارهم, ذلك انهم سينتظرون حتى تصل العربات المدرعة للمطار. وقال أحد المسئولين لزامير ان العربات ستمكن الألمان من الاقتراب نحو الفدائيين, وأخذ عناصر الشرطة يفتحون ثغرات في سور المطار للسماح للعربات بالدخول حين الوصول. لكن هذا لم يقنع زامير, بل طلب من الألمان اعطاءه ميكروفونا والسماح له بالصعود على سطح برج المراقبة للتفاوض مع الفدائيين. رفض الألمان, في البداية, لكنهم وافقوا بعد ذلك شريطة أن يتحدث زامير أو كوهين بالعربية. عثر الألمان على ميكروفون أعطوه لزامير وكوهين اللذين أسرعا نحو السطح. صرخ كوهين عبر الميكروفون بالعربية: (أوقفوا اطلاق النار! الطائرة جاهزة لتقلكم كما طلبتم ان تابعتم فستقتلون. أوقفوا اطلاق النار!) . كان الوقت قد أصبح متأخرا جدا على التفاوض, إذ سرعان ما وصل كوهين وزامير رد الفدائيين برشقة من الرصاص نحو مصدر الصوت على السطح ليسرع الاسرائيليان بالاختباء. وعلى أرض المطار كان طياران ألمانيان يزحفان ببطء للنجاة بنفسيهما, فيما الثالث يتظاهر بالموت, ويدعو الله ألا تصيبه رصاصة طائشة. أما الرابع فكان يستلقي خلف جدار الحوض الذي يرتفع 30 سنتمترا بجانب القناص رقم 2. أصبح الوضع متأزما, ومتشابكا, وبد انه لن يحله إلا وصول المدرعات. لكن أين هي المدرعات؟ أفادت آخر الأنباء ان المدرعات كانت محشورة وسط زحام حركة السير الهائلة الذي تسببت به ألوف السيارات الخارجة من ميونيج التي يريد أصحابها الذهاب إلى فيرستنفيلد بروك لمتابعة ما يحدث هناك. وهكذا استمرت حالة التوتر بين الجانبين, يقطعها بين الحين والآخر رصاصة يطلقها قناص, إذا لمح شيئا يتحرك, ليزد عليها زخات رصاص من بنادق الفدائيين نحو مصدر اطلاق النار وتتابع ذلك لأكثر من ساعة بانتظار المدرعات. واستمر التخبط الألماني, إذ حتى الساعة الحادية عشر وأربع وثلاثين دقيقة حين وصلت (مجموعة هجوم خاصة.. من ضباط الشرطة ذات التسليح الكثيف وأنزلتها مروحية على بعد كيلو مترين اثنين من ساحة المعركة, وجهت الأوامر إليها بحماية المسئولين في برج المراقبة حين وصولها الميدان. أخيرا, في الساعة الثانية عشر إلا خمس دقائق وصلت أربع مدرعات للمطار وبدأت تناور لاتخاذ مواقعها الساعة الثانية عشر ودقيقة واحدة. لكن هذا دفع الفدائيين لليقين بأنها النهاية, مما جعل أحدهم يصعد إلى إحدى المروحيتين, ويفتح نيران بندقيته رشا على الاسرائيليين الأربعة داخلها قبل أن يقفز منها ويرمي خلفه داخلها بقنبلة يدوية. وفورا خرج عيسى من الظلام تحت المروحية الأخرى, وفتح النار على المبنى. لكن القناصة على سطح برج المراقبة تمكنوا منه ومن رفيقه طوني هذه المرة, وقتلوهما في الحال. في تلك اللحظة انفجرت القنبلة التي رماها الفدائي داخل المروحية, لتلتهب بمن فيها وتتحول إلى كتلة ضخمة من النيران. وفيما اندفعت ألسنة اللهب على سطح الاسفلت جراء اشتعال الوقود المتطاير نتيجة الانفجار, انسل عدنان الجشي من تحت المروحية الأخرى, وصعد إليها ليفتح نيران بندقيته رشا أيضا على الاسرائيليين الخمسة داخلها. يقول سكرايبر: (كانت الأحداث تمضي بسرعة البرق خارج السيطرة. ومثلما كانت بداية المعركة قبل ساعتين فوضوية, كذلك كانت الدقائق الأخيرة من عمرها. حاول خالد جواد, الشاب الفلسطيني, عاشق كرة القدم, ان يقوم بآخر ما تبقى لديه من جهد, فاندفع من تحت المروحية السليمة, وقفز بعيدا نحو الحوض الذي يختبى خلفه القناص ,2 لكن هذا القناص كان أسرع منه وبادره ببضعة طلقات من على بعد أمتار. ويقول القناص الذي أرداه لريف: (رميته بثلاث رصاصات, وهو يسقط نتيجة الرصاصة الأولى, سمعته وهو يئن, ويشهق, فيما كان يعاني سكرات الموت) . استمرت المعركة, وأخذ الألمان يطلقون الرصاص على أماكن ظهور لهب رصاص الفدائيين حتى الساعة الثانية عشر والنصف, حينما توقف اطلاق النار, بعد معركة استمرت أكثر من ساعتين. أرسل الألمان هوهنسين نحو أرض المعركة للتأكد مما إذا كان هناك ناجون بين الفدائيين أو الاسرائيليين. وفي غمار تلك الفوضى أخذ ضباط الشرطة يحصون الجثث, واكتشفوا ان ثلاثة فدائيين لا يعرف مكان لوجودهم. ويقول سكرايبر: (لم أشاهد المهاجمين وهم يهربون. انطلقت الدبابات المدرعة تبحث عن الهاربين يتلوها رجال الشرطة ومعهم الكلاب البوليسية وعثروا على اثنين من الفدائيين كان أحدهما يتظاهر بالموت فيما قبض على الآخر, وهو يركض نحو أسوار المطار. لم ينج من المعركة من الفدائيين إلا ثلاثة, هم جمال الجشي وعه عدنان ومحمد الصفدي. فيما نجا الطيارون الألمان الاربعة, بعد أن أصيب أحدهم والقناص رقم 2 اللذان كانا يختبأن خلف الحوض برصاص احدى العربات المدرعة, حين ظن قائدها انهما فدائيان. لكن أحدا من الاسرائيليين لم ينج. وهكذا استحقت عملية الانقاذ الألمانية درجة الفشل بكل جدارة.