تصوب الأنظار الى بيونج يانج عاصمة كوريا الديمقراطية حيث ينتظر أن تعقد قمة الكوريتين بين الرئيس كيم يونج ايل رئيس كوريا الديمقراطية والرئيس كيم واي يونج رئيس كوريا الجنوبية, استشرافا لحدث تاريخي لم يتكرر منذ نهاية الحرب الكورية قبل نصف قرن سوى مرة واحدة عندما عقدت القمة التاريخية الأولى بين الرئيسين روه تاي وو والزعيم كيم ايل سونج في سبتمبر 1990. كانت القمة السابقة قد وفرت اتفاقا شاملا بعد ثمانية جلسات مكثفة, اعترفت فيه بيونج - يانج بكوريا الجنوبية التي لم تكن يربطها بها أكثر من اتفاق الهدنة في ,1953 وانضمت الدولتان على أثر توقيع الاتفاق الى هيئة الأمم المتحدة في سبتمبر 91 والتزمتا باحترام النظام السياسي والاجتماعي في كل منهما وأقرتا الامتناع عن استخدام القوة في تسوية المنازعات مع الالتزام بترسيم حدود ,53 واتفقتا على الحد من التسلح وازالة أسلحة الدمار الشامل في شبه الجزيرة وكذلك على دعم العلاقات التجارية والاقتصادية وحرية التنقل التي اقر من أجلها فتح المجالين الجوي والبري. لكن العالم يتساءل الآن بصو رة قلقة بعد أن سيطر التوتر على أجواء شرق آسيا, هل ستشرق شمس الوحدة في شبه الجزيرة الكورية؟ وهل ستنجح قمة الألفية الثالثة في احراز اتفاق قابل للحياة والاستمرار وقادر بالفعل على تجنب مصير الاتفاق السابق الذي الحق به اعلان نووي في أوائل 1992 ثم سرعان ما جرى العصف بهما عندما أعلنت بيونج يانج انسحابها من معاهدة الانتشار النووية في 1993 ورفض الاتفاق احتجاجا على مناورات (روح الفريق) بين كوريا الجنوبية والولايات المتحدة الأمريكية؟ وتجدر الاشارة هنا الى أن (روح الفريق) أيضا كانت قد أتت على نتائج مباحثات هامة كانت قد أجريت في عام 1986 بين (روه تاي وكيم ايل سونج) احتجاجا أيضا من كوريا الشمالية على هذه المناورات العسكرية الدورية بين سيئول والولايات المتحدة, وأن أول محادثات متعلقة بوحدة شبه الجزيرة عام 72 والتي تواكبت مع تنامي سياسات التعايش السلمي بين معسكري الحرب الباردة, حرصت كوريا الشمالية على أن ينص جوهرها على تحقيق الوحدة بالجهود السلمية ودون تدخل أجنبي. التواجد الاجنبي فلقد شكل التواجد العسكري الأمريكي والذي يتجاوز 000.37 جندي وأكثر من 43 مستودعا للأسلحة النووية ويشمله اتفاقا للحماية والصداقة مع كوريا الجنوبية, نقطة توتر خاصة لها حساسيتها الشديدة في اهتمام بيونج - يانج بالقضية القومية الكورية, حيث كان يتم النظر دائما الى أن هذا التواجد العسكري الأمريكي في حد ذاته يتيح لكوريا الجنوبية امكانية فرض شروط مرفوضة من جانب الشمال فيما يخص قضية الوحدة, ويساهم بصورة مؤكدة في تباعد منظورين متباينين لها, ففي حين يطرح الجنوب تصورا للوحدة عبر آليات الديمقراطية والانتخابات العامة الحرة, تراها بيونج يانج في دولة واحدة ونظامين اجتماعيين مستقلين, ولقد حرصت أن يتضمن الاتفاق الشامل في 1990 النص على جوهر هذا المفهوم. ولقد سارت كوريا الشمالية ومنذ عقود على طريق بلورة برنامج نووي يتيح لها معادلة التواجد العسكري الأمريكي على أراضي شبه الجزيرة في الجنوب, ويمكنها بالتالي من ادارة الحوار حول الوحدة المنشودة في ظل موازين قوى مختلفة تعتدل أكثر فأكثر كلما توفرت للبرنامج النووي في كوريا الشمالية أسباب القوة والاستمرار. وصار معروفا الآن أن بيونج - يانج دشنت برنامجها النووي بالحصول على تكنولوجيا الحصول على البلوتونيوم مبكرا ومنذ الستينيات من الاتحاد السوفييتي السابق وأنها طورت عددا من المفاعلات النووية بالاضافة الى المفاعل الأصلي المقام في (أبون - بين) حيث أنشأت مفاعلا يمكنه انتاج 60 كجم من البلوتونيوم وآخر مماثلا في (تيموني). كما أنها طورت برنامجا صاروخيا بالستيا موازيا اعتمدت فيه على تطوير تقنيات صواريخ سكود السوفييتية حيث انتجت سكود بي الذي يبلغ مداه 300 كم ثم سكود سي بمدى 500 كم في منتصف الثمانينيات, وفي 1993 توصلت بيونج يانج الى اطلاق الصاروخ رودونج 1 بمدى 1000 كم. ويمكن للمرء أن يلاحظ بسهولة أن تكثيف عملية التفاوض من أجل الوحدة في مطلع التسعينيات قد ارتبط قبل كل شيء بقوة الدفع الديمقراطية والقومية التي أطلقها انهيار المنظومة (الاشتراكية) في أوروبا والاتحاد السوفييتي وأنه كان يستهدف قطع الطريق على تطوير البرنامج النووي الذي كان مؤكدا اعتماده في بيونج يانج. ويبدو أن الحصاد الفعلي والنتيجة السافرة لهذا الاتفاق الشامل واعلانه النووي في 92 لم يجدا تحققهما بأي شكل لدى الكوريين الشماليين سوى في تكثيف عمليات التفتيش النووي من جانب خبراء الأمم المتحدة, الأمر الذي جسد لدى بيونج يانج شكلا من أشكال الخديعة يستهدف في أحسن الأحوال وحدة قومية على الطريقة الألمانية يجري خلالها اجتياح البرنامج النووي بديلا لسور برلين! ويؤكد استنتاجنا حرص بيونج يانج أن يكون عام 93 الذي جرى فيه رفض الاتفاق ورفض التفتيش النووي الذي تم طرد خبرائه, عاما لاطلاق الصاروخ رودنج 1 الذي ضاعف من المدى الصاروخي المتاح للشماليين والكافي لتغطية أراضي كوريا الجنوبية وفي نفس العام أيضا تمكنت بيونج يانج من انتاج 10-15 كجم من البلوتونيوم الصالح للاستخدام النووي. ومع تكثيف الضغوط الأمريكية خلال الأعوام ,93 94 على كوريا الشمالية والتي أعلنت خلالها واشنطن فرض العقوبات الاقتصادية من جانبها واستخدمت الأمم المتحدة التي أعلنت في 94 أنها تدرس فرض عقوبات اقتصادية أشمل على كوريا الشمالية, اضطر الزعيم كيم ايل سونج لتوقيع اتفاق مع الو لايات المتحدة يقضي بتجميد البرنامج النووي مقابل مفاعلين نوويين يعملان بالماء الخفيف للاستخدامات السلمية مع وعد الولايات المتحدة بالمساعدة الاقتصادية, ويبدو أن الأخيرة لم تكن تقدر آنئذ مستوى الديناميكية التي صار عليها البرنامج الصاروخي الباليستي الكوري الشمالي, كما يبدو الآن أن الاتفاق كان شكليا تماما. مظاهرة صاروخية واذا كان الزعيم الكوري الشمالي قد توفي في يوليو 94 فان بلاده استمرت في نشاطها النووي والصاروخي, بل أن السنوات اللاحقة عرفت شكلا مكثفا منهما واستفزازيا بصورة واضحة ومصحوبا بتوتير قصدي لأجواء العلاقات مع كوريا الجنوبية, حيث تم ما يمكن أن نسميه بالمظاهرة الصاروخية ضد الولايات المتحدة تحديدا, تضمنت تطوير المنجز التكنولوجي للصاروخ رودنج 1 بالاعلان منذ 97 عن استعداد بيونج - يانج لاطلاق الصاروخ رودنج 2 بمدى 4500 كم, كما جرى التوسع في صفقات مبيعات الصواريخ وتكنولوجيا الصواريخ في منطقة الشرق الأوسط بكل حساسيتها لدى الولايات المتحدة خصوصا وأن كوريا الشمالية بعد العام 95 كانت في مسيس الحاجة لعوائد الصفقات نظرا للمجاعة التي فاقم الفيضان والجفاف من خلالها أوضاعا اقتصادية متردية في الأصل. وفيما يخص سيئول فإن كوريا الشمالية حرصت على مدار 96 على الاختراق المتتالي لحدود خط الهدنة التي جرى ترسيمه منذ ,1953 حيث شهدت القرية التي تشكل بوابة العبور بين شطري شبه الجزيرة اقتحاما متواصلا ومتجاوزا للأعداد المتفق عليها (35 جنديا) وأيضا لمستويات التسليح. وفي هذا السياق جاء حادث الغواصة الشمالية التي سيطر عليها الكوريون الجنوبيون وقتلوا قائدها ورفضوا اعادتها لأنها ذهبت للتجسس, إلا بعد اعتذار بيونج يانج تحت ضغط سافر من الولايات المتحدة. وبالاضافة الى ذلك فلقد سرب الشماليون وثائق تفضح وتكشف عن مذبحة رهيبة قام بها الجنود الأمريكيو ن في أعوام الحرب الكورية مطلع الخمسينيات وباشراف الجنرال ماك آرثر قائد القوات المسلحة الأمريكية راح ضحيتها أكثر من 500 مواطن كوري, وهدفت بيونج يانج من خلال هذا التسريب توتير الأجواء المناوئة للتواجد العسكري الأمريكي على أراضي كوريا الجنوبية ودعم الحركة السياسية الرافضة له في سيئول. ولقد أدت هذه الممارسات الشمالية مجتمعة الى خلق أجواء من التوتر غير المسبوق منذ الحرب الكورية على مدار الاعوام ,95 ,96 97 حتى بدأت مباحثات جديدة مع مجيء الرئيس الحالي (كيم داي جونغ) في كوريا الجنوبية ولم تسفر جولاتها التي تعددت عن تقدم يذكر نظرا لاصرار بيونج يانج على تضمين مسألة انسحاب القوات الأمريكية من كوريا الجنوبية في جدول المباحثات. ومع ادراك كوريا الشمالية أن ضغوطها لم تأت بالثمار المرجوة حتى هذه اللحظة فلقد طورت من مظاهرتها الصاروخية باطلاق الصاروخ الباليسيتي رودنج 2 في أغسطس 98 بمدى 4500 كم والذي كانت قد أعلنت عنه منذ ,97 وأعلنت عن استعدادها لاطلاق رودنج 3 بمدى 6000 كم . وكان رودنج 2 قد اخترق الأجواء اليابانية عابرا فوق جزيرة مانشو اليابانية ومسقطا بعض أجزائه فوق أراضي اليابان واتسع مداه ليشمل آلاسكا وهاواي في الولايات المتحدة ذاتها. وعلى مدار العام ,99 شمل الهلع كوريا الجنوبية واليابان, حيث طالبت كوريا الجنوبية واشنطن بالسماح لها بزيادة مدى برنامجها الصاروخي الى 500 كم بدلا من 180 كم كما هو متفق عليه منذ ,1979 وعملت بسرعة على شراء طائرة بدون طيار لتدمير الرادارات وكذا صواريخ هاباي (جو - أرض) من اسرائيل. أما اليابان فيبدو أن اطلاق رودنج 2 سيشكل في التاريخ المعاصر لها توقيتا لاعادة تشكيل ترسانتها العسكرية لأول مرة منذ الحرب العظمى, فلقد دشنت عددا من المشاريع الاستراتيجية العاجلة احدها خاص باطلاق أقمار صناعية للتجسس كلف 7.1 مليا ر دولار واعتمدت على تجهيز الأقمار بنفسها مستبعدة الاقتراح الأمريكي بشرائها جاهزة من واشنطن, وكذا تم توفير اعتمادات لشراء طائرات لاعادة التزود بالوقود في الجو بتكلفة 600 مليون دولار, والأهم كان الاستجابة الفورية للاقتراح الأمريكي الذي انطلق معتمدا على أجواء الفزع الكوري الجنوبي والياباني والذي تضمن العمل من أجل تطوير نظام دفاعي صاروخي يعتمد على فكرة حرب النجوم وتقنياتها. ولقد وفرت طوكيو 10 ملايين دولار من أجل تدشين أبحاث نشر هذا المشروع الخطير والذي يحقق سيطرة استراتيجية للولايات المتحدة على الأجواء الآسيوية تسعى الآن وبصورة ملحة من أجل حيازتها وتحقيقها أيضا على كامل الأراضي الأوروبية . تراجع أمريكي ومن جهة أخرى, فإن الولايات المتحدة لم تكن بعيدة عن الفزع من هذه الممارسة الصاروخية غير المسبوقة والتي تسمح بتهديد هيبة العسكرية الأمريكية وتفتح الباب أمام مستويات جديدة من الجرأة في مواجهتها, سواء من خصومها ومناوئي سياساتها على المستوى العالمي أو حتى من جانب كوريا الشمالية التي صارت مع هذا الاطلاق خامس أقوى الجيوش العالمية بعد الولايات المتحدة وروسيا والصين والهند, حيث يبلغ عدد جيشها 000.128.1 جندي ويبلغ انفاقها العسكري 26%. فسرعان ما أعلنت واشنطن في سبتمبر 99 أنها ستخفف العقوبات الاقتصادية ضد كوريا الشمالية بما يسمح بحرية التجارة وتحويل النقد واستئناف الرحلات التجارية بعد تعهد بيونج يانج بالامتناع عن الاستمرار في اختبار الصواريخ البالستية بعيدة المدى. وهذا التطور الجديد في الاستجابة الأمريكية لضغوط المظاهرة الصاروخية الكورية الشمالية, هو الذي يدشن الآن من وجهة نظرنا هذه المرحلة الجديدة في أجواء العلاقات بين الكوريتين, بل في أجواء علاقات بيونج يانج بالعالم بأسره, حيث قدمت الأخيرة منذ شهور قليلة طلب انضمام لمنظمة الآسيان حظي طبعا بترحيب الجميع, واقامت علاقات طبيعية مع ايطاليا (إحدى الدول الصناعية السبع) ومع استراليا وتتباحث مع الفلبين ودول أخرى من أجل علاقات طبيعية. وتشير هذه التطورات الأخيرة الى طبيعة المياه التي جرت بالفعل في بيونج يانج وكيف أن مرحلة جديدة في علاقة كوريا الشمالية بالسوق الرأسمالي العالمي وبالشطر الجنوبي يتم تدشينها على قدم وساق وبمباركة صينية وروسية. لقد نجحت الاستجابة الأمريكية للضغط الكوري في تقصير زمن المظاهرة الصاروخية الكورية الشمالية باعتبارها الوسيلة التي ارتأت بيونج يانج اعتمادها على مدار نصف العقد المنصرم من أجل توقي تهديدات جدية للمصالح الاستراتيجية الأمريكية في الباسفيك. ويكشف هذا التطور عن طبيعة الهدف الحقيقي لكوريا الشمالية الذي يتضح أنه لايكمن في التخلص من التواجد العسكري الأمريكي فوق الأراضي الكورية الجنوبية بقدر ما يتحدد في شل فاعلية هذا التواجد وتأثيره على مجريات التحاق بيونج يانج وانفتاحها على السوق العالمي من ناحية ومجريات صيرورة الوحدة الكورية من ناحية أخرى, وبالصورة التي تستبعد المصير الألماني الذي أطاح بالنخبة الحاكمة في برلين وأذابها في زخمه الديمقراطي فالنخبة الحزبية العسكرية الحاكمة في كوريا الشمالية باسم حزب العمال لن تفرط في وجودها البتة. لقد تمايزت (الاشتراكية) في كوريا الشمالية عن رفاقها مبكرا وعرفت توترها المبكر مع (التحريضية السوفييتية) كما عرفت كيف تصنع تخوما واضحة مع ما أصبح مشهورا بالخط الماوي في بكين, والآن فإنها تحقق انفتاحها على الغرب الرأسمالي بطريقة متميزة أيضا. فأمام استحالة تكرار الطريقة الصينية التي بدأت مبكرا ودشنها بينج منذ عمر طويل باسم تطوير قوى الانتاج والتي تعتمد على ورقة رابحة اسمها السوق الصيني الواسع, وأمام استحالة تكرار التجربة السوفييتية الجورباتشوفية بعد كل العار والمصائب التي جلبتها على رؤوس أصحابها, فإن بيونج يانج تجرب مع الولايات المتحدة طريقة أخرى, هي فرد عضلات البرنامج الصاروخي والنووي. والقمة الراهنة نعتقد أنها ستدشن بالفعل صيرورة مختلفة على طريق توثيق أواصر العلاقات سواء مع سيئول أو العالم الرأسمالي, رغم عدم استبعاد بعض التوتر الذي سيعرف طريقه للتصاعد مع ضغوط أمريكية مؤكدة من أجل ازالات صاروخية وتفتيش نووي بأشكال جديدة أهدأ هذه المرة وأقل صخبا وحرصا وتحسبا واغراء اقتصاديا لبيونج يانج التي سيهمها بشدة محاصرة الآثار الانفجارية المحتملة للأزمة الاقتصادية ونعتقد أن نموذج هونج كونج - الصين سيدفع بسيئول للتواطؤ على النموذج الشمالي المقترح للوحدة القومية: دولة واحدة ونظامان, اذا كان ذلك سيوفر حلا فوريا لقضية لم شمل العائلات الذي سيساهم بدوره في تهدئة الأجواء السياسية في عاصمة لاينقصها الاضطراب الاجتماعي, ويمكن أن يساهم أيضا في استعادة حزب الألفية الجديدة حزب الرئيس كيم واي يونج لأغلبيته البرلمانية, وسيسهم بالتأكيد في شروق شمس الوحدة في شبه الجزيرة الكورية التي أطلقت كوريا الجنوبية على توجهها من أجل وحدتها سياسة (الشمس المشرقة) . بقلم: عدلي الهواري كاتب وباحث مصري