تنعقد يوم 12 يونيو الجاري قمة رئيسي الشطرين الشمالي والجنوبي من شبه الجزيرة الكورية بعد شهور طويلة من تهدئة التوتر المسلح على جانبي خط التماس الحدودي بينهما قرب خط العرض 38 درجة. والى الآن لا يمكن التهوين من مخاطر الصراع منخفض الشدة الذي يدور حاليا بين كوريا الشمالية التي تجاوز تعداد قواتها المسلحة مليون جندي منذ عام 1989 وحتى 1998, وبين كوريا الجنوبية وهي قوة عسكرية لها قدراتها الذاتية وتحالفاتها جندي عام 1998, فإنها قد اعتمدت لتعويض نقص الكم على تطوير الكيف والرقي بتكنولوجيا اسلحة ومعدات القتال. ولقد كانت بداية التهدئة في 13 سبتمبر 1999 حين وافق كيم جونج ايل زعيم كوريا الشمالية على التجميد المؤقت لتجارب الصواريخ الباليستية طويلة المدى بعد مفاوضات تمت مع الولايات المتحدة في العاصمة الالمانية برلين بهدف تعزيز الاستقرار شرقي آسيا وفي المحيط الهادي ومراجعة العقوبات الاقتصادية المفروضة على النظام الحاكم في بيونج يانج. وقد تأثر الموقف الكوري الشمالي برغبة الصين في تخفيف حدة التوتر في شبه جزيرة كوريا لتركز على مشكلة تايوان, وبما اعلنته كل من كوريا الجنوبية واليابان عن استعدادها لتخفيف العقوبات الاقتصادية التي تعاني منها بشدة كوريا الشمالية وبخاصة بعد التراجع الاقتصادي المستمر في هذه الدولة التي تطبق اعلى درجات المركزية في اقتصادها على المستوى العالمي فقد انهارت علاقاتها الاقتصادية منذ عام 1991 مع الاتحاد السوفييتي (السابق) ودول المعسكر الشرقي, واضطربت موارد الطاقة وتوقفت الاستثمارات الجديدة وتوالت مشاكل قطع غيار المصانع وتعطلت بعض الصناعات المغذية وتفاقمت مشاكل التضخم والبطالة وبلغ معدل نمو الناتج المحلي الاجمالي عام 1998 سالب خمسة في المئة (ـ 5%) بالرغم من ان الهيكل الاقتصادي لكوريا الشمالية يعتمد على الصناعة بنسبة (60%) والزراعة بنسبة (25%) ويخصص (15%) للخدمات والانتاج الصناعي هو اهم ادوات زيادة معدل نمو الدخل القومي بشرط نجاح سياسة التصدير, والعناية بنوعية الانتاج وقياسات الجودة والقضاء على الركود الاقتصادي وقد بدأت كوريا الشمالية على استحياء تطبيق نوع من الانفتاح الاقتصادي, واصبح اهم شركائها التجاريين على وجه الترتيب ومنذ منتصف التسعينيات اليابان وكوريا الجنوبية والصين والمانيا وروسيا في مجال الصادرات, ثم الصين اولا في مجال الواردات تليها اليابان فروسيا ثم كوريا الجنوبية والمانيا. وتلقت كوريا الشمالية عام 1997 مساعدات اقتصادية متنوعة من الولايات المتحدة واليابان وكوريا الجنوبية والاتحاد الاوروبي بلغت نحو (250) مليون دولار. وفي عام 1998 اكتفت حكومة سيئول في جنوب شبه الجزيرة الكورية بتقديم مساعدة اقتصادية محدودة الى الشطر الشمالي لم تتجاوز (31.8) مليون دولار فقط, وهددت بوقف مشروعها الاستثماري السياحي الذي تقدر تكلفته بمليار دولار, وبإيقاف المعونات الزراعية وبخاصة الاسمدة والتقاوي المحسنة بتطبيقات الهندسة الوراثية اذا لم توقف بيونج يانج تجاربها الصاروخية وتقلل من حجم قواتها البرية المتمركزة قرب النطاق منزوع السلاح في شبه الجزيرة وبخاصة لان سيئول تقع على مسافة (35) كيلومترا من خط الحدود المشتركة مع كوريا الشمالية ويصل عدد سكانها الى (13) مليون نسمة يمثلون (28%) من سكان الدولة عام 1998 مما يعني ان سيئول عاصمة مهددة ومعرضة استراتيجيا وعسكريا. واليوم تتحرر كوريا الشمالية تدريجيا من سياسة العزلة, ومأساة الانكفاء على الذات, ولا تكتفي بتطبيع علاقاتها مع اليابان, ثم مع ايطاليا في العامين الاخيرين بل اعلنت في 31 مايو الماضي عن استعدادها لاقامة علاقات دبلوماسية كاملة مع دول الاتحاد الاوروبي. وعلى الجانب الآخر, وبعد سنوات طويلة من كفاءة النمو الاقتصادي في كوريا الجنوبية الى الحد الذي بلغ فيه دخل الفرد فيها (13) ضعف دخل نظيره في الشطر الشمالي عام 1996, بدأت المعاناة من الازمة الاقتصادية الآسيوية عام 1997, وتزايدت حدة المصاعب المالية والتنظيمية في مؤسسات الدولة وتراجعت القيود المنظمة للاستيراد ونظم الرقابة الصناعية وتصدير العمالة وتزايدت حدة الديون الخارجية وقد قامت الولايات المتحدة بدور رئيسي في اقناع صندوق النقد الدولي بتخصيص تمويل قدره (57) مليار دولار لانقاذ كوريا الجنوبية, مما حقق بدايات الاستقرار المالي عام 1999, وحفز حكومة سيئول الى الدعوة لتحسين العلاقات مع بيونج يانج املا في خفض الانفاق العسكري, الذي رصدت له كوريا الجنوبية (21.9) مليار دولار لبند واحد هو تحديث التسليح الى جانب ميزانية الدفاع السنوية التي بلغت (9.9) مليارات دولار في العام المالي 98/99 وحده بنسبة بلغت (3.2%) من الناتج المحلي الاجمالي. ومن جهة ثانية فإن الامن والاستقرار ضروريان لاقتصاد كوريا الجنوبية الذي يعتمد على الخدمات بنسبة (51%) تليها الصناعة (43%) ثم الزراعة (6% ) من الهيكل الاقتصادي. ابعاد المشكلة الكورية للمشكلة ابعاد وطنية واقليمية ودولية وقد تداخلت معا الى حد كبير ففي نهاية الحرب العالمية الثانية اتفقت واشنطن على استسلام القوات اليابانية في كوريا جنوب خط العرض 38 درجة للقوات الامريكية وشمال هذا الخط للسوفييت وفي اغسطس عام 1945 ارتبطت كوريا الجنوبية مع الولايات المتحدة بمعاهدة حماية وقامت دولة كوريا الجنوبية ككيان سياسي في اغسطس 1948 وتلتها كوريا الشمالية بشهر واحد. وفي عام 1950 غزا الشماليون الشطر الجنوبي وتدخلت القوات الامريكية وقوات الامم المتحدة للدفاع عن الجنوب وحارب الصينيون الى جانب الشمال . وبعد ابرام اتفاقية الهدنة عام 1953 استقر الوجود العسكري الامريكي في كوريا الجنوبية وكان في حدود اربعين الف جندي في الثمانينيات والتسعينيات الى جانب مستودعات الاسلحة النووية الامريكية (25 ـ 30 مستودعا). وتصر سيئول على دعم روابطها الامنية بالولايات المتحدة وعلى بقاء القوات الامريكية في جنوب شبه الجزيرة الى حين تتحقق الوحدة الكورية او الاتحاد الفيدرالي او الكونفيدرالي بالوسائل والطرق السلمية وفق اسس محددة تشمل التعددية الحزبية والتحول الى الديمقراطية واتباع نظام الاقتصاد الحر, والانفتاح على دول الجوار, والغرب معا. وتطلب كوريا الجنوبية الدعم الامريكي لمواجهة الردع الصاروخي من جانب الشطر الشمالي, وتحدي التسليح النووي لديه برغم ان الانفاق الدفاعي لكوريا الشمالية لا يزيد على 7 مليارات دولار سنويا, لكنها تتفوق على الجنوبية في قاعدة الانتاج الحربي الوطني, وانخفاض الانفاق على الجندي ونقل تكنولوجيا التسليح. ولم يبدأ التقارب العملي بين شطري كوريا الا في عام 1985 حين جرت بينهما محادثات اقتصادية لم تسفر عن نتائج ايجابية ومضت سنوات قبل استئناف لقاءات البلدين عامي 1990, 1991 لتسفر عن توقيع اتفاق عدم اعتداء بينهما في ديسمبر 1991 ثم اصدار الاعلان المشترك الخاص بإخلاء شبه الجزيرة الكورية من الاسلحة النووية وهو مجرد حبر على ورق بغير تطبيق حتى الآن, وفي يناير 1992 قبلت كوريا الشمالية التفتيش الدولي على اغلب منشآتها النووية, ثم وقعت مع الولايات المتحدة في 21 اكتوبر 1994 اتفاقا نوويا لوقف تشغيل مفاعلات الجرافيت ذات القدرات (5) ميجاوات ووحدة معالجة البلوتونيوم ـ 239 مقابل الحصول على عدد 2 مفاعل ماء خفيف لا ينتجان الوقود النووي المحترق من نوع البلوتونيوم, واتفق على وقف برنامج بحوث الاسلحة النووية في كوريا الشمالية مقابل منحة (5) مليارات دولار لبناء المفاعلين الجديدين وكمساعدات في مجالي الطاقة والغذاء على ان تتحمل كوريا الجنوبية (3.5) مليارات دولار من هذا المبلغ وتدفع اليابان مليارا واحدا والامريكان نصف مليار فقط. وكان مقررا ان يتم تنفيد هذا الاتفاق قبل نهاية عام 2003 ولكن مشكلة الوفاء بالتزامات التمويل كاملة من ناحية واستمرار كوريا الشمالية في برنامجها الصاروخي وقيود الادارة الامريكية على صادرات المعدات والمواد النووية لحكومة بيونج يانج واتهامات الكونجرس لها باستمرارها في تركيز نظير اليورانيوم ـ 235 لاغراض عسكرية وتصدير صواريخ سكود لدول الشرق الاوسط وتعاونها مع مصر لتطوير مدى وسرعة هذه الصواريخ قد ادت الى اعاقة تنفيذ الاتفاق النووي, وانتظام التفتيش الدولي على المنشآت النووية في كوريا الشمالية. وقد تعاطفت اليابان مع واشنطن في ضغوطها الاقتصادية والاعلامية على كوريا الشمالية, وزادت الامر تعقيدا بموافقتها الولايات المتحدة على بناء شبكة دفاع صاروخي في الاراضي اليابانية وهو الامر الذي لا ترضى عنه الصين كما ان اليابان تنفذ حاليا برنامجا متقدما للوقاية الكيميائية والبيولوجية في القوات المسلحة والقطاع المدني, وتطور قدراتها البحرية بما يتجاوز مهام الدفاع عن السواحل والمياه الاقليمية اليابانية. ان كوريا الشمالية بقدراتها الصاروخية, وقوات العمليات الخاصة التي تناهز مئة الف جندي, ومدفعيتها ذاتية الحركة طويلة المدى وقدراتها الكيميائية تثير قلق اليابان من مخاطر تجدد التهديد الكوري لأمنها وبخاصة بسبب بطء التقارب الصيني الياباني. برامج الصواريخ ارض/ ارض انتجت كوريا الشمالية الصواريخ سكود ـ أ (بمدى 278 كيلومترا) وسكود ـ ب (ومداها 298 كيلومترا) وسكود سي (496 كيلومترا) التي تطلق من قواذف متحركة ثم الصاروخ نودونج الذي وصل مداه الى (1280) كيلومترا ثم جاءت القفزة التكنولوجية بالتجربة الناجحة للصاروخ تايبو دونج ـ 1 (في 31 اغسطس 1998 بمدى من (1488) كيلومترا الى (1984) كيلومترا. ثم استطاعت كوريا الشمالية ان تجري تجارب محرك الصاروخ الجديد تايبو دونج ـ 2 الذي يصل مداه الى اربعة آلاف كيلومتر وبذلك يمكن ان يهدد هاواي او الاسكا في الولايات المتحدة, لكن بيونج يانج لم تجر تجربة كاملة لهذا الصاروخ عبر المحيط الهادي خشية العقوبات الاقتصادية المنتظرة من جانب الولايات المتحدة واليابان وكوريا الجنوبية, وتوقف التحويلات المالية من العمال الكوريين الوافدين إلى اليابان, ووقف تصدير التكنولوجيا ذات الاستخدام المزدوج (المدني والعسكري). وقد ارتبط الموقف الأمريكي من الصواريخ الكورية بالمصالح الأمنية الأمريكية التي حددتها واشنطن في سبتمبر 1996 ومنها بقاء الولايات المتحدة كقوة عظمى تنفرد بقيادة العالم, وتحتوي كلا من الصين, وروسيا الاتحادية, والقوى الاقليمية المشاغبة وفي مقدمتها كوريا الشمالية وإيران والعراق وكوبا, وتحافظ على أمن المحيط الهادي وشرق آسيا بالتعاون والتحالف مع اليابان وتايوان وكوريا الجنوبية. وتبنى الأمريكان برنامجهم الشهير للدفاع الصاروخي القومي الذي قدر البنتاجون تكاليفه حتى عام 2015 بنحو (44.2) مليار دولار, وزاد تقديرها في الكونجرس (مكتب الميزانية) إلى (50.4) مليار دولار. وعلى الجانب الآخر تخشى كوريا الجنوبية نمو القدرة الصاروخية للشطر الشمالي, والجهود الفائقة التي يبذلها لاعداد القوات المسلحة والدولة للدفاع حتى ان عدد الانفاق, والكهوف التي تم تجهيزها لاخفاء الطائرات وقواذف الصواريخ ووحدات الدفاع الجوي تجاوز أحد عشر ألف نفقٍ وكهفٍ. وتعتمد سيئول على الولايات المتحدة في توفير (80%) من احتياجاتها الدفاعية إلى جانب واردات عسكرية أخرى من ألمانيا واسرائيل وروسيا في مجالات البحرية, والفضاء, والصناعات الحربية. وكانت وكالة الطيران والفضاء الروسية قد عرضت على كوريا الجنوبية في مايو 1999 اطلاق أقمار صناعية لصالحها تعمل في مجالات الاستطلاع والاتصالات والملاحة الجوية. ويشمل التحديث الحالي للقوات المسلحة لكوريا الجنوبية بناء ثلاث غواصات دولفين 209/1200 في ألمانيا, ومدمرات ايجيس حديثة, وشراء مقاتلات ف-16 سي, ودي أمريكية, وهليكوبتر أباتشي أمريكية, وتايجر فرنسية, وطائرات موجهة بلا طيار فرنسية واسرائيلية, وصواريخ أرض-جو باتريوت-3 أمريكية, وجو-أرض اسرائيلية من طراز بوب آي. ولقد طلبت سيئول من واشنطن أن تساعدها في انتاج صواريخ تكتيكية ذات مدى (300) كيلو متر بدلا من المدى الحالي في كوريا الجنوبية الذي لا يتجاوز (180) كيلو مترا, وهو الأمر الذي يسمح به نظام السيطرة على تكنولوجيا الصواريخ المبرم عام 1987 والذي ينطبق على الصواريخ الطوافة (المعروفة باسم كروز) والباليستية. واعتبرت سيئول هذا المطلب أحد أساليب مواجهة الردع الصاروخي والكيميائي الذي تملكه كوريا الشمالية, ولا تزال واشنطن تدرس المطلب الكوري الجنوبي, وستتخذ قرارها فيه بعد قمة منتصف يونيو الجاري, وطمأنة اليابان التي تخشى تصاعد القوة العسكرية لكوريا الجنوبية مع انهما حليفتان لواشنطن. وقد اكتفى الأمريكان في منتصف مايو الماضي بابرام عقد تكلفته مليار دولار لامداد سيئول بأنواع جديدة من المدفعية الصاروخية, والصواريخ التكتيكية لتقليل تفوق كوريا الشمالية على الجنوب في مجال المدفعية بنسبة (2:1) حاليا. التطورات المستقبلية تخلت كوريا الشمالية عن فكرة تحرير (الجنوب الكوري) , وتخلت كوريا الجنوبية عن خطة ضم (الشمال الكوري) , وبدأت سيئول في اعادة تشغيل بعض مصانع الشمال التي توقفت بسبب نقص قطع الغيار, وصعوبات تطوير خطوط الانتاج, والتمهيد لبدء نوع من التكامل الاقتصادي بين الشطرين. وسعت كوريا الجنوبية في السنوات الأخيرة إلى التقارب مع روسيا والصين اللتين تدعمان بيونج يانج, وكان ذلك تمهيدا عمليا لانضمام الصين إلى محادثات شطري كوريا والولايات المتحدة التي بدأت في أغسطس 1997, ويتوالى انعقادها لبحث قضايا الوجود الأمريكي العسكري في كوريا الجنوبية, والبرامج النووية والصاروخية لكوريا الشمالية, ودعمها لدول شرق أوسطية متهمة برعاية الارهاب, واصرارها على الحكم الشمولي وسيطرة القطاع العام على أهم أدوات الانتاج. وتعتبر الصين الوجود العسكري الأمريكي في اليابان وكوريا الجنوبية وتايوان أحد أهم أسباب الصراعات الاقليمية والدولية في شرق آسيا, بينما تتهم واشنطن الصين بالسعي للسيطرة على بحر الصين الجنوبي, والشرقي, ومضيق ملقا, وتعجل ضم تايوان. ورغم المجاعة التي عانت منها كوريا الشمالية عام 1999, وبخاصة 15% من سكانها الذين يبلغون اليوم أكثر من 22 مليون نسمة, وتزايد نسبة البطالة إلى (14%) من قوة العمل, فلم تخفف واشنطن من عقوباتها الاقتصادية ضد بيونج يانج متعللة باستمرار البرامج النووية والصاروخية لها وصادراتها من السلاح إلى ايران وسوريا وليبيا. وقد ربطت كوريا الشمالية بين الحد من قدراتها العسكرية وابرام اتفاقية سلام وتعاون بين شطري كوريا تنسحب بعدها القوات الأمريكية من كوريا الجنوبية ويتم تنشيط مباحثات اتحاد الشعب الكوري الذي يضم (72) مليون نسمة, ويبدأ قيام علاقات وثيقة بينه وبين جيرانه في شرق آسيا. لكن لامريكا أسبقيات مختلفة, فهي تريد أن يقوم تكامل اقتصادي بين شطري كوريا على أن تبقى كوريا الاتحادية مستقبلا دولة حليفة لها, وتستفيد من موقعها الاستراتيجي بين الصين واليابان, وتحتفظ بقواعدها النووية, والجوية والبحرية في شبه الجزيرة الكورية, وهو الأمر الذي يحتاج إلى (8-10) سنوات مقبلة حسب درجة تطلع شعب كوريا الشمالية إلى اللحاق بمستوى معيشة الشعب في الجنوب مما يذكرنا وبصورة أشد وضوحا بحالة شطري ألمانيا في نهاية الحرب الباردة الثانية, ويراهن الأمريكيون على ان بيونج يانج لن تتحمل طويلا استمرار الانفاق العسكري العالي إذا حرمت من تصدير تقنية الدفاع والصواريخ وبخاصة إلى دول الشرق الأوسط, لكن الأمر يتوقف أيضا على الصين, ومدى دعمها الاقتصادي والعسكري لكوريا الشمالية الذي يتوقف على تطوير العلاقات الصينية الأمريكية, والامتيازات التجارية التي تعطيها واشنطن لبكين, واحتمالات تفاقم مشكلة تايوان, ثم نمو القوة البحرية لكوريا الجنوبية في بحر الصين الشرقي. أما روسيا المنهكة اقتصاديا, المضطربة أمنيا, الواهنة في القوقاز, والمستسلمة للضغوط اليهودية على حكومتها فلا تستطيع حاليا التأثير في أحداث وتطور المشكلة الكورية. وتبقى اليابان التي تريد ادماج كوريا الشمالية في المجتمع الدولي, فهي من ناحية تخشى الصدام مع بيونج يانج منذ حادث اطلاق الصاروخ الشهير عام 1998 الذي عبر سماء اليابان قبل سقوطه في المحيط, ومن ناحية أخرى تطالب كوريا الجنوبية بمنطقة (ليان كورت) الصخرية (تاكيشيما/ توكدو) المتنازع عليها, وتربط اليابان بين موافقتها على وحدة أو اتحاد كوريا وبين الخفض الكبير في القوة العسكرية للدولة الموحدة أو الاتحادية تحت اشراف دولي. وهكذا فإن الخريطة السياسية لمنطقة شرق آسيا لم تستقر بعد, ولن تعرف الاستقرار قبل عام 2010 في الأغلب الأعم, والولايات المتحدة تبحث عن عدو يبرر بناء نظام دفاعها الصاروخي الاعتراضي, وهي تريد مزيدا من علاقات التحالف مع شرق آسيا والمحيط الهادي, وتكاد تجمع كل القوى الكبرى صاحبة المصالح الحيوية في المنطقة على الاستمرار في ادارة المشكلة الكورية دون البحث عن حل قريب وعملي لها, فتوازن المصالح والأهداف والقوى لم يستقر بعد, وغاية المنى لشعب كوريا بشطريها ان يهدأ الصراع منخفض الشدة بين سيئول وبيونج يانج, وتبدأ مسيرة التكامل الاجتماعي والاقتصادي في شبه الجزيرة الكورية. بقلم: لواء أ.ح. صلاح الدين سليم محمد الاستاذ الزائر بأكاديمية ناصر العسكرية العليا