شكلت المسألة الكورية والصراع المستمر بين شطري الجزيرة, احدى اكثر النقاط سخونة في العلاقات الدولية طوال اربعة عقود من الحرب الباردة, منذ اندلاع الحرب بين الكوريتيين عام 1950 الى انهيار الاتحاد السوفييتي والمنظومة الاشتراكية عام 1990. ورغم مرور عشر سنوات على نهاية الحرب الباردة نظريا واعلاميا على الاقل, الا ان النزاع بين شطري كوريا لم فقد عملت كوريا الشمالية على تطوير قدراتها العسكرية التي بلغت ذروتها بتجربة صواريخ بعيدة المدى تصل الى عمق اراضي معظم الدول المجاورة لها, خاصة اليابان, بالاضافة الى كوريا الجنوبية بطبيعة الحال, بل تحدثت بعض التقارير عن اتجاه بيونج يانج لامتلاك قدرة صاروخية يمكنها تحديد بعض المدن الامريكية. في المقابل مارست كوريا الجنوبية ضغوطا دبلوماسية واقتصادية عديدة على شقيقتها اللدود بمساعدة الولايات المتحدة الامريكية وبتوجيهاتها ايضا. وقد كان موقف واشنطن العدائي من كوريا الشمالية معروفا على الدوام, غير ان بقاء الاخيرة متمسكة بمنهجها الشيوعي السابق, وسعيها الحثيث لامتلاك قدرات عسكرية تتجاوز ما تراه امريكا ضروريا ومسموحا لدولة صغيرة ـ نسبيا ـ من دول العالم الثالث, قد جعل الموقف الامريكي اكثر تشنجا وعدوانية من السابق, خاصة بعد ان اصبحت الولايات المتحدة القوة العظمى الوحيدة حاليا, بينما تبدو بيونج يانج وكأنها لم تستوعب, او لم تعترف بعد, بما اصاب هرم السياسة الدولية من تحول جذري واختلال في موازين القوى. لذلك كله كان الضغط الامريكي مضاعفا على الشمال الكوري عن طريق سيئول تارة وبشكل مباشر في معظم الاحيان. لكن هذا الضغط لم يكن كله عبر الترهيب والتخويف, وانما استخدم ايضا الترغيب بوسائل مختلفة لاحتواء وتطويع اخر معاقل التمرد الشيوعي على الهيمنة الامريكية, بالاضافة الى نظام كاسترو في كوريا. فقد لوحت واشنطن بالمساعدات الاقتصادية لكوريا الشمالية, وحث الجنوب على تقديم المزيد منها ايضا كما شملت (الجزرة) الامريكية العمل على اقناع بيونج يانج بإيقاف العمل في مفاعلاتها النووية مقابل مفاعلات امريكية بديلة لانتاج الطاقة. ليس هدف امريكا بالطبع تلبية رغبات الشعب الكوري باعادة لحمته ووحدته, فلم تكن رغبات الشعوب يوما ضمن اولويات او اهتمامات واضعي السياسات والاستراتيجيات الامريكية. لكن تغير المصالح واختلاف الظروف الاقليمية والدولية هو الذي يحكم تعديل السياسات وتطوير المخططات الاستراتيجية. فامريكا الحريصة والمستعدة دائما لاستخدام كل الوسائل, لتبقى القوة العظمى الوحيدة والمتحكمة في مقاليد الهيمنة والسيطرة الدولية لا تريد ان تبقى دولة مثل كوريا الشمالية (او غيرها) عقبة, او مستنكفة عن اللحاق بركب التبعية لواشنطن والائتمار بأمرها, خاصة اذا كانت هذه الدولة, رغم ما تعانيه من فقر ومصاعب اقتصادية, تمتلك قدرة عسكرية وامكانية صناعية وتكنولوجية تتيح لها قدرا من الاستقلالية وامتلاك القرار السياسي. ناهيك عن ان هذه القدرات لا تهدد حلفاء امريكا فحسب, وانما قد تشكل تهديدا, ولو على المدى البعيد, للامريكيين انفسهم وفي عقر دارهم. هل يعني ذلك ان بيونج يانج حققت نجاحا سياسيا من خلال (المظاهرة الصاروخية) التي نفذتها خلال العامين الماضيين, بغض النظر عن مدى نجاحها عسكريا؟ قد يكون من السابق لأوانه الجزم بمدى النجاح السياسي الذي حققته كوريا الشمالية, على الاقل الى ما بعد انعقاد القمة الكورية المنتظرة ومعرفة ما يمكن ان تسفر عنه من نتائج فعلية. غير انه من الواضح ان التجارب الصاروخية اثارت الاهتمام الامريكي اكثر بالمسألة الكورية, كما اثارت قلقها ايضا حيال موازين القوى وانعكاساتها على المصالح والنفوذ الامريكي في جنوب شرق اسيا, وما قد يمثله مثل هذا التحول من مكاسب لزيادة نفوذ الصين, الحليف الاكبر لكوريا الشمالية, في المنطقة ودعم مواقف بكين على الصعيد الدولي حيث تسعى الى احتلال موقع اكثر فاعلية وتأثيرا, وحيث ينظر اليها الكثير من المحللين والمختصين على انها القوة الاكثر تأهيلا لمنافسة امريكا دوليا, ربما في المستقبل غير البعيد. وهكذا يمثل احتواء كوريا الشمالية هدفا بالغ الاهمية بالنسبة لواشنطن فهو يمكنها من المحافظة على نفوذها ومصالحها في المنطقة, بل وزيادة هذا النفوذ والمزيد من تأمين المصالح, وفي الوقت ذاته ينتزع ورقة مهمة من الصين, المنافس المحتمل, وربما المنتظر ايضا للهيمنة الامريكية. اما بيونج يانج, فإنها على ما يبدو قد بدأت تدرك عمق التحولات الاستراتيجية في ظل النظام العالمي الجديد وانها اصبحت مكشوفة سياسيا وامنيا اكثر من اي وقت سابق بعد انقشاع المظلة السوفييتية من ناحية وتزايد التقارب الامريكي الصيني من ناحية اخرى, بحيث صار النظام الكوري الشمالي عاريا من الحماية الدولية من جهة وواقعا تحت ضغط الظروف الاقتصادية والمعيشية المتفاقمة من جهة اخرى. وبالنسبة الى سيئول فرغم الحماية والمساعدات العسكرية والسياسية التي قدمتها لها امريكا طوال اربعين عاما, إلا ان قراءاتها لتسارع الاحداث والمتغيرات الدولية يبدو وانها قد اوصلتها الى ان الاعتماد على حماية الآخرين وخدمة مصالحهم, لا يمكن ان تشكل ضمانا للامن والاستقرار على المدى البعيد, خاصة مع وجود جار وشقيق لدود اكثر قوة واشد حاجة وهما عاملان (القوة والحاجة) من اهم اسباب الصراعات والحروب. لكل ما تقدم, يبدو ان قمة الرئيسين الكوريين المقررة بعد ايام ثلاثة, تمثل فرصة تاريخية هي الاولى من نوعها ليتوصل البلدان الى طريق مشترك لتخفيف حدة الصراع بينهما وحل خلافاتهما طويلة الامد.. وربما استعادة وحدتهما في المستقبل. بقلم: عبدالله اسحاق