تحمل الايام القليلة المقبلة العديد من التكهنات حول مستقبل الكوريتين, الشمالية والجنوبية على ضوء اللقاء المرتقب بين (كيم داي يوينج) رئيس كوريا الجنوبية (وكيم يونج ايل) زعيم كوريا الشمالية, في قمة هي الاولى من نوعها في التاريخ الكوري ومنذ انشطارها عقب الحرب العالمية الثانية, فهل ستكون هذه القمة بالفعل بداية لتوحد الكوريتين؟ ام انها مجرد خطوة فقط على طريق المصالحة والتعاون وتبادل العلاقات وانهاء حالة اللاحرب بالمشاكل والمعوقات الخارجية من هنا وهناك وفي مقدمتها المصالح الامريكية في كوريا الجنوبية؟ حول القمة المرتقبة, نتائجها المتوقعة.. الملابسات المحيطة بالقضية الكورية.. حاضرها ومستقبلها حاور (الملف) في هولندا الخبير السياسي (يوهان اوفردايك) المتخصص في الشئون الاسيوية بالمركز الاعلامي الهولندي. * ماهي العوامل التي تدفع القيادة السياسية في الكوريتين الى عقد مثل هذه القمة وماهي تداعيات ذلك؟ ـ يوجد عديد من الاسباب بعضها عام واخر خاص بالكوريتين: اولا: التوجه العالمي للتكتلات السياسية, وتوحد جانبي دول منشطرة وعودة دول منفصلة الى احضان اوطان ام, يدفع الكوريتين الى اعادة التفكير في هذا الانفصال الذي فرضه الاستعمار على الجزيرة الكورية, مع الوضع في الاعتبار كافة الاختلافات السياسية والايديولوجية في كل شطر من الكوريتين. ثانيا: الاوضاع الاقتصادية المتردية في كل منهما, خاصة في كوريا الشمالية التي تعاني من ازمة اقتصادية حادة, ونسبة فقر تتزايد يوما بعد يوم على الرغم من النمو الاقتصادي الذي تحققه, الا ان معدلات النمو السكاني المتزايدة وتفشي الجهل والتخلف بالقرى والمناطق الجنوبية منها يبتلع اي تقدم في النمو الاقتصادي بجانب الازمة التي منيت بها كوريا الشمالية عام 1995 بسبب الفيضانات التي هدمت قرى باكملها واحدثت بها هزة اقتصادية وكارثة غذائية لاتزال تعاني من توابعها حتى الان, رغم المساعدات الدولية التي قدمت لها لتتجاوز هذه الازمة. ثالثا: رغبة كوريا الجنوبية وان كان بصورة غير معلنة في انهاء شبه الاحتلال الامريكي لاراضيها فهناك معسكرات وكتائب امريكية وقرابة 50 الف ضابط وجندي امريكي موزعين ما بين الحدود وداخل الاراضي بكوريا الجنوبية تحت زعم حمايتها من اي اعتداءات محتملة من شقيقتها اللدودة الشمالية, وكذلك مراقبة عمليات الامن ووقف اطلاق النيران وفقا للاتفاق الذي وقع بين الجانبين عام 1953. رابعا: رغبة كل من الكوريتين في تأمين نفسها من عملية التطور النووي الذي تقوم به كل منهما وامكانية استخدام هذه القوة النووية كل ضد الاخرى حال تصاعد اي نزاع او توتر, فقد بدا واضحا ان المساعي السياسية تهدف لتخصيب المناخ وخلق نوع من التفاهم او الالتقاء في المصالح او توحيد القوى لمواجهة اي عدو خارجي او تحقيق نوع من توازن المصالح مع الاطراف الخارجية وكذلك تحقيق نوع من التوازن في القوى داخل اسيا وجنوب شرقها خاصة مع تصاعد القوى النووية الصينية وتجدر الاشارة هنا لتردد المعلومات حول تفوق القوة النووية بكوريا الشمالية على الرغم من الدعم والمساندة الامريكية في التقنية والتقدم النووي لكوريا الجنوبية, ولكن امريكا تقدم الدعم النووي لكوريا الجنوبية بصورة غير معلنة تماما وتحيط تلك العمليات بالحذر ونوع من التوازن. وكل هذه الاسباب السابقة تعد عوامل اساسية في دفع الجانبين الى بدء حوار جاد حول مستقبل الكوريتين سواء بوحدة كاملة او في شكل فيدرالية. * ماهي التوجهات الشعبية داخل الكوريتين تجاه التقارب الذي يلوح في الافق وما هو رأي المعارضة؟ ـ يجب ان اؤكد بداية ان حدوث عملية توحيد بين الكوريتين امر ليس باليسير, وذلك ايضا لعدة اسباب: * وجود ارث ايديولوجي وثقافي شيوعي بكوريا الشمالية متبق منذ عهد الاتحاد السوفييتي والذي لم يبدأ تأثيره في التراجع الا بعد انهيار الاتحاد السوفييتي في بداية التسعينيات, وهذا الارث يختلف تماما مع الارث الايديولوجي بكوريا الجنوبية والذي لاتزال لامريكا بصماتها الواضحة فيه حتى الان. * الهياكل السياسية بكل من الكوريتين لا يمكن التوفيق بينها في كيان واحد تحت رئيس دولة واحدة او زعيم واحد, وحتى لو كانت رغبة الكوريتين حقيقية في التوحد فالطريق لايزال طويلا للخروج بتوليفة سياسية تحفظ لكل طرف حقوقه وحقوق شعبه وتساعد في نفس الوقت على عملية الاندماج. * الدور الامريكي المزدوج في هذه القضية, فامريكا من ناحية تريد تلجيم القوى النووية في كوريا الشمالية ومناطحتها بكوريا الجنوبية, وفي الوقت نفسه لاتريد امريكا ان تخلي موقعها في كوريا الجنوبية والذي يمثل لها اهمية استراتيجية من حيث قوة تواجدها في المنطقة الاسيوية لذلك فليس حقيقة من مصلحة امريكا ان يتم هذا الاتحاد حتى وان بدت جهودها في الواجهة تسير عكس ذلك. وقد لزم ذكر هذا الجانب من المعوقات الذي قد يحول دون اي رغبة حقيقية في توحد الكوريتين, ورغم ذلك قد تكون التوجهات الشعبية عامة اميل الى تحقيق حلم الوحدة, خاصة ان الشعوب وحدها هي التي دفعت دائما ثمن هذا الصراع بين شقي الجزيرة الكورية, سواء كان الصراع من مستعمر خارجي للاستحواذ على الجزيرة او صراعا داخليا بين شقيهما. فقد كانت كوريا ضحية لمطامع الاستعمار وضحية لشوكة الخلافات التي تركها الاستعمار فقد ظلت قرابة 35 عاما تحت الاحتلال الياباني, والذي انتهى بهزيمة اليابان على ايدي قوات الحلفاء, وكان رحيل اليابان عن الجزيرة الكورية بداية عهد تقسيمها عام 1945 لشمال وجنوب, فقد استولى الاتحاد السوفييتي على الشمال وامريكا على الجنوب, ثم ظل الصراع فيما بعد مشتعلا بين الشمال تحت الراية الشيوعية وبين الجنوب تحت الراية الامريكية, وقد لعبت الصين دورا كبيرا في اذكاء هذا الصراع من خلال رغبتها في رحيل الامريكان عن كوريا الجنوبية, ووقوفها مع كوريا الشمالية تحت راية الاتحاد السوفييتي, حتى اشتعلت الحرب بين الكوريتين بتدخل صيني عام 1950 واستمرت هذه الحرب 3 سنوات وتكبدت خلالها الكوريتان ملايين القتلى وحتى بعد ان تدخلت الامم المتحدة لانهاء هذه الازمة وايقاف الاعتداء العسكري وانسحبت قوات كوريا الشمالية من الجنوب, بقيت النار تحت الرماد بعد التوقيع على اتفاقية وقف اطلاق النيران واستمرات بينهما حرب تصدير الارهاب من تفجيرات لاماكن تجمعات بكوريا الجنوبية لتفجير طائرة قامت بها مجموعة انتحارية من كوريا الشمالية وهكذا لم تنجح تماما اتفاقية وقف اطلاق النيران في بث الشعور بالامان لدى نفوس اي من شعبي الطرفين. ومن هنا كان الشعب هو الذي دفع دائما ثمن الصراع بين البلدين لذلك فالرغبة لدى الشعب ستكون حقيقية في الاتحادخاصة اذا ما ذكرنا ان عملية فصل شطري كوريا قد فرقت الاف العائلات الكورية بين شمال وجنوب, واصبح بعض افراد العائلة الواحدة تحت حكومتين مختلفتين تتقاتلان والتوحيد سيعيد لم شمل هذه العائلات بعد فراق طويل. ولكن يجب النظر الى وجود اصوات سياسية معارضة لعملية الاتحاد, وهي الاصوات المشككة الان في جدية تلك العملية, والمشككة ايضا في نتائجها الايجابية حال حدوثها, فالمعارضة في كوريا الجنوبية ترى ان الهوة واسعة بين الجنوب والشمال, وان الوحدة ستعكس اثارا سلبية على شعب الجنوب الذي يعيش حالة اقتصادية افضل من الشمال, كما يؤكدون مسبقا فشل القمة المحتملة حيث سبقها العديد من المحاولات والتي تصفها المعارضة (بالارهاصات) لتقريب وجهات نظر الجانبين والسعي الى تطبيع العلاقات, ولكنها منيت في معظمها بالفشل وآخرها عملية المفاوضات عام 1997 تحت وساطة الصين وامريكا. لكن رئيس كوريا الجنوبية (كيم داي يونج) والذي كان زعيما للمعارضة يبدو انه مصر على تحقيق وعوده التي بذلها لشعبه عقب توليه رئاسة البلاد, حيث اكد انه سيفتح الطريق للتفاهم مع كوريا الشمالية لينهي حالة اللاامن ويحقق الاستقرار لشعبه غير ان الوعود شيء والواقع الكوري شيء اخر ويمكن الاشارة الى ان القوى السياسية داخل كوريا الجنوبية لا تتفق في كل توجهاتها مع عملية التصالح والتطبيع وتخصيب المناخ للاتحاد حتى داخل البرلمان نفسه توجد معارضة لموقف الرئيس (كيم داي يونج) ولعل ماحدث مؤخرا من اجبار (بارك تاري جونج) رئيس الوزراء السابق على الاستقالة منذ اسبوعين وتعيين (لي هان دونج) رئيس الحزب الديمقراطي الليبرالي في هذا الوقت بالذات, من اسباب تصاعد الاصوات الرافضة لفتح الايدي للشمال, فرئيس الوزراء الجديد كان حزبه شريكا سابقا في الائتلاف الحاكم وهو يعتبر دعما وسندا للرئيس كيم داي في توجهاته داخل برلمان يتسم بوجود كفة راجحة لميزان المعارضة. فالتوجه للشمال كان من اهم اسباب استقالة رئيس الوزراء الاسبق, على الرغم من اعلان ان سبب استقالته هو تورطه في قضية تهرب ضرائبي, ولكن للاستقالة ايضا اسبابها السياسية, وهذا يوضح الى اي مدى يمكن ان تواجه عملية السير الى المصالحة معوقات داخلية على المستوى الكوري, وخارجية على مستوى الدول التي ترتبط بمصالح مع أي من الجانبين. اجرى الحوار في لاهاي: د.سعيد السبكي