على هامش مشاركته في ندوة (آفاق منظمة الفرانكفونية) التي نظمها معهد العالم العربي في باريس التقت (البيان) الدكتور عصمت عبدالمجيد أمين عام الجامعة العربية في لقاء شامل حول كافة القضايا ابتداء بالانسحاب الاسرائيلي من جنوب لبنان وعقباته التي أكد خلالها عبدالمجيد، ان ملكية لبنان لمزارع شبعا محسومة ولابد من عودتها للسيادة اللبنانية, محذرا من محاولات فصل المسارين السوري واللبناني, فيما جدد دعوته للمصارحة العربية قبل المصالحة لرأب الصدع الذي تسبب فيه الغزو العراقي للكويت, وإن كان أشار أمين عام الجامعة العربية الى ان قمة في هذا الاطار تغدو في رأيه من رابع المستحيلات. وفيما يلي نص الحوار: * أمين عام جامعة الدول العربية, د. عصمت عبدالمجيد, اليوم أنتم في باريس والعالم العربي في فرحة كبيرة, الجميع فرح بانسحاب اسرائيل من لبنان, من جنوبه وبقاعه الغربي, ولكن السؤال ماذا بعد الانسحاب, خصوصا وأن لبنان يئن من اسرائيل التي قصفت أخيرا مناطق حيوية في لبنان, ما المطلوب من العرب؟ ـ لا شك ان الجانب العربي يشارك لبنان وشعبه في فرحته وانتصاره والشواهد كلها تؤكد احقية الموقف اللبناني وصلابته ومصداقيته تجاه العدوان الاسرائيلي المستمر والعجرفة الاسرائيلية وكل ما لمسناه ونعلمه عن الاساليب الاسرائيلية في تناول هذه الموضوعات. اذا رجعنا الى تاريخ القرار الدولي 425, فهو صدر في العام 1978, ونفذ بعد اثنين وعشرين عاما.. لهذا في نظري الزمن ليس مهما طالما نحن اصحاب حق, ويمكن ان يكون بعض الاشخاص قد فقدوا الامل.. اطلاقا.. اطلاقا... المقاومة اللبنانية الباسلة وشعب لبنان العظيم والقيادة اللبنانية, كل هذا دفع الاسرائيلي لكي ينسحب, وان يضع حدا للخسائر, ورأينا اليوم ان الفرحة عمت ليس فقط لبنان, بل عمت العالم العربي. الجامعة العربية اجتمعت في الحادي عشر من مارس الماضي في بيروت, اثر العمليات التي اشرت اليها, وقد يقول قائل, ماذا قدمت الجامعة العربية؟ بالطبع القضية ابعد من الجامعة العربية, هي شعور العرب وقوة الدفع التي ظهرت, وكانت النتيجة هذا النصر واسرائيل انسحبت وكلها خزي وذل, وهذا ما تستحقه, نعم لبنان دفع الثمن غاليا والدول العربية تسانده وقد بدأت هذه الامور تتبلور عبر مواقف ومساعدات عينية مالية, والجامعة العربية تبذل مع القيادات العربية جهودا لتعزيز هذه التوجهات الى ان نصل الى تعويض بعض الاضرار التي حدثت.. ولكن هناك درس مستفاد وهو ان اسرائيل اليوم شعرت وقالت هذا موقف عربي صلب. * الدكتور سليم الحص, رئيس الحكومة اللبنانية وجه دعوة مباشرة وصريحة للدول العربية للمشاركة في بناء جنوب لبنان, هل يمكن ان تعقد الجامعة أي جلسة إن في لبنان أو في الدول العربية لدعم هذه المطالبة؟ ـ أولا حصلت اتصالات مكثفة بعد انتهاء جلسة الحادي عشر من مارس الماضي, وشكلت لجنة متابعة, وانا على قدر معلوماتي هناك بعض المساعدات بدأت, وهي كما ذكرت بعضها نقدي أو عينية أو فنية, أنا سمعت وزير خارجية لدولة صديقة للبنان ذكر انهم سيرسلون شحنة اسمنت.. الدعم الفني جاء كإرسال فنيي الكهرباء المصريين الذين انتقلوا الى بعض محطات الكهرباء وبعضها بدأ يعمل ثانية, اضافة الى بعض الدول الخليجية التي قدمت اموالا, انما لابد وان يستمر هذا, ثم ماذا بعد هذا؟ الصراع طويل, الصعوبات كثيرة جدا, انما أريد القول اننا لا نريد ان نفقد الثقة بأنفسنا, واذا كان علينا ان نأخذ العبر من لبنان, اسرائيل انهزمت وهذا يبقى في حد ذاته مكسبا للموقف العربي, والرواية لم تتم فصولها, تبقى القضية مع سوريا والمسار الفلسطيني. * أنتم ترأستم اللجنة المصرية ابان التحكيم الدولي المتعلق بمسألة (طابا) : مزارع شبعا هل يمكن ان تأخذ هذا المجرى, وبماذا تنصح الفريق اللبناني؟ ـ طابا كليومتر مربع, والاسرائيلي ادعى ان بعض علامات الحدود كانت تدخل في منطقة فلسطين تحت الانتداب, طبعا كانت معركة بالنسبة لنا, لأن القضية قضية مبدأ, ودخلنا في تحكيم دولي بقبول الاطراف واستمرت القضايا اربع ساعات وعادت طابا الى مصر. اما السؤال عن مزارع شبعا, الواضح من بعض ما اطلعت عليه انها جزء من لبنان وجزء يجب ان تنسحب منه اسرائيل, انما الذي حصل سنة 1967, وهذه معلومات استقيتها من بعض اللقاءات والمقابلات كانت تحت رقابة هيئة (اندوف) بينما منطقة الجنوب تحت رقابة (يونيفيل) فالأمم المتحدة هي التي قامت بهذه التفرقة, وبالتالي شبعا تقع تحت نطاق عمل (الاندوف) الأمم المتحدة كانت تطالب بمعرفة ما هو وضع شبعا من الناحية القانونية, وحسب معلوماتي التي اطلعت عليها, ذكر من الجانب السوري انها ارض لبنانية وعلى اسرائيل ان تنسحب منها, ويبدو انها حسمت, واذا لم يكن اليوم ففي المستقبل, المهم ان هويتها اتضحت. * هناك ملفات اخرى, لبنان بفرحة ولكن ماذا عن دور الجامعة العربية, اذ بعد اجتماعكم الأخير في بيروت صدرت اصوات اسرائيلية, ولا سيما قبل ايام, تتهمكم بالتشدد, لماذا هذا الموقف الاسرائيلي؟ ـ التشدد, نحن اصحاب حق وهم معتدون, وهذا أمر اعتدنا عليه من اسرائيل, ودوما صوتها مرتفع ولكن هذا لا يترجم الى ضرورة التزامها بالقرارات الدولية, لذا نحن متمسكون بمواقفنا واجتماعنا في بيروت كانت له انعكاسات جيدة, التقت كل الدول العربية حول لبنان, وما تتهمنا به اسرائيل طبيعي وهذا وسام على صدرنا, وأنا أحيي المقاومة اللبنانية, أحيي الانتفاضة الفلسطينية, ونعتبر انهم اصحاب حق ولابد ان صاحب الحق ينتصر في النهاية. * تتكلمون عن صوت عال لاسرائيل, الى متى سيستمر هذا (الخفوت) أي الانخفاض بالصوت العربي, ألم يحن الوقت لرفع الصوت وجمع الشمل العربي, بغية رأب التصدعات العربية؟ ـ في الحقيقة ساعة اللزوم يجب ان نرفع الصوت, وساعة اللزوم يجب ان نخفض الصوت, وانا عندما ادعو الى تخفيض الصوت, فهذا لا يعني ضعفاً أو استكانة اطلاقا, قد يكون جزءا من التعامل في قضية, لأنني استعمل كلمة التعامل وليس المواجهة, لأنه قد يكون في ذلك مصلحة لي, وأستطيع ان ارى اين مصلحتي وما هو ضدي, انما اذا دخلت بداية في المواجهة قد يكون ذلك تسرعا, وقد اكون مخطئا في هذا التوجه, انما أنا أؤمن دوما بأسلوب التعامل والتفكير والحكمة في تناول الموضوعات. * هناك قضية محورية على صعيد التضامن العربي, أي مسألة معاناة الشعب العراقي, خصوصا وان أصواتا عديدة تطالب بوضع حد لهذه المعاناة, وقبل أسابيع عقد مؤتمر في مجلس الأمة الكويتي لدرس العلاقة المستقبلية بين العراق والكويت, الى أين وصلت الجامعة العربية في مساعيها؟ ـ الندوة التي عقدت في الكويت خرجت فيها اصوات نادت, أو بالأحرى تناولت وسألت ما مستقبل العلاقة الكويتية ـ العراقية, وهذا سؤال مطروح في ضمير وفكر كل عربي, وأنا لا أريد ان استذكر الظروف القاسية التي مرت بها الأمة العربية, والتي ما زلنا نعيش تداعياتها منذ اواسط العام 1990, انما هناك اصوات بدأت تقول: وإلى متى؟ طبعا هذه اصوات, اعتبر انها طبيعية ومشروعة, لأن العالم العربي يعاني من تداعيات حرب الخليج, عندما غزا العراق الكويت. اليوم هناك معاناة للشعب العراقي نتعاطف معه, ويجب وضع حد لهذه المعاناة, في الوقت نفسه هناك قرارات دولية صدرت قبلها العراق وينفذها, وللأسف احيانا لم تنصف بعض منظمات الأمم المتحدة العراق مثل (انسكوم وغيرها) هناك محاولات اخرى بذلت من قبل جهات دولية وأيضا لم توصل الى أية نتيجة.. مسألة الشعب العراقي كمسألة المفقودين الكويتيين, هي مسائل انسانية. * هل استطعتم انجاز أي تقدم؟ ـ جاء لزيارتي وزير خارجية قطر, الذي شارك فيها, وكانت له مواقف وأفكار لتنقية الاجواء العربية, وقد لاقت من قبلها ومن اعترض عليها, انما انا اعتقد انها كانت محاولة مخلصة من شخصية عربية للنظر في مستقبل العلاقات العراقية ـ الكويتية... هذا أمر مشروع وطبيعي جدا, ونحن في الجامعة العربية نتفهم ذلك, ولكن نذكر بأننا تقدمنا في 13 مارس 1993 بفكرة المصالحة, وهي يجب ان تكون مبنية على المصارحة.. ان لم نتصارح فلن نتصالح.. والله وحتى اللحظة هذا.. في كل لحظة أو اجتماع أو قمة المصالحة العربية هي الحاضر والغائب دوما في كل اجتماع, لا مفر منها.. وساعات أرى انها من رابع المستحيلات. * ولكن الشعب العراقي يدفع الثمن, وهناك تقرير فرنسي صدر عن لجنة برلمانية وأخرى طبية يقول إن الشعب يئن, والحكومة قد تبقى سنوات وسنوات, والقصف مستمر والغارات مستمرة وهي لن تزيل هذا (النظام) ؟ ـ أنا أدنت الغارات الامريكية والبريطانية على العراق, في البيان الذي صدر في اليوم التالي للغارات, وتأزمت المسألة والرئيس حسني مبارك, كرئيس للقمة العربية كلفني باسم القمة العربية, ان اسافر للعراق والتقي بالرئيس صدام حسين, وهذا موضوع طويل.. انما ان أنادي بوضع حد لمعاناة الشعب العراقي, وحل مشكلة الاسرى الكويتيين. حتى لو تركنا موضوع المصالحة والمصارحة, في الوقت الحاضر, انما هذا لا يمنع من ان نتعرض لهذه المعاناة التي كلنا شاركنا فيها والتي يجب وضع حد لها. * من العراق الى الصحراء الغربية, هذا ملف عربي, هل تتعاطى الجامعة مع هذا الملف؟ ـ اطلاقا... اطلاقا ونأمل ان تنجح الامم المتحدة في ما تسعى اليه ونأمل ان يحقق المبعوث جيمس بيكر, وهو شخصية امريكية مرموقة النتائج المنتظرة.. ثقتي به كبيرة جدا. * هناك مبادرات وقرارات عربية منذ سنوات تتناول الدور السوري في لبنان, ونسمع حاليا اصواتا امريكية, على اعلى المستويات تطالب أو تلقي الضوء من جديد على هذا الدور في لبنان, ولا سيما بعد انسحاب اسرائيل, كيف ترى هذه المطالب؟ ـ انا اعتقد ان العلاقات السورية ـ اللبنانية يجب ان تترك لهما اولا. ثانيا, الجغرافية والتاريخ جعلا الوضع بينهما شبه علاقة عضوية, في الوقت نفسه محاولات كثيرة وعلى رأسها اخيرا, محاولة نتانياهو (لبنان أولا) وانا كان لي تعليق على هذه المحاولة, انه يحاول الوقيعة بين سوريا ولبنان. انا اقولها بكل امانة يجب ان نتفاداها ونعمل على القضاء على أية محاولة للوقيعة بينهما, لأن مصلحتهما مرتبطة. * هناك خطة لنشر قوات دولية في جنوب لبنان, هل يمكن ان تشارك قوات عربية فيها, على غرار كوسوفو مثلا؟ ـ هذا قرار سيادي ولا شك, ويعود لكل دولة عربية, ونحن لا نستطيع ان نطالب بهذا الموضوع, فلكل دولة قرارها شرط ان يتم بالتوافق مع الجهات المعنية وفي اطار الامم المتحدة. * من خلال اتصالاتكم مع الدول الغربية, ولا سيما الاوروبية هل اصبحتم ترون ان الاوروبيين اصبحوا قادرين على تفهم القضايا العربية اكثر من السابق, ولماذا يعود هذا البطء في ايصال قضايانا اليهم؟ ـ اعتقد ان هناك جهودا جادة في الدول الاوروبية, وبالذات فرنسا, وانا من خلال مشاركتي في الندوة التي نظمها معهد العالم العربي في باريس, ولأول مرة تعقد مثل هذه الندوة, بين جامعة الدول العربية ومنظمة الفرانكفونية, والتي كانت مخصصة للنواحي الثقافية, انما يمكن ان تمتد الى النواحي غير الثقافية, نواح سياسية واقتصادية وغيرها.. انا اعتقد ان الجانب الاوروبي له دور.. اوروبا اكثر جهة تساعد الفلسطينيين وأنا لا استبعد الدور الامريكي ولكنه مكمل لهذا الدور.. وأشرت الى ان الدور الفرنسي مرحب به عربيا, خصوصا وانها سترأس المجموعة الاوروبية في اول يوليو, وهناك مصالح وصداقات بين فرنسا والدول العربية. باريس ـ البيان ، حوار: طوني شامية