شهدت بلدة سوبور, التي تعتمد على زراعة التفاح, وتقع على مسافة 40 كيلومتراً شمال سريناجار الكثير من أحداث العنف والفوضى خلال العقد من الزمان الذي استغرقته الانتفاضة المسلمة في كشمير حتى الان. لكن في 25 مايو الماضي، كانت شوارع البلدة هادئة على غير العادة ومهجورة بالكامل الا من قبل رجال الشرطة الذين يتجولون وهم يعتمرون خوذهم. كانت جثث ست رجال من أبناء المنطقة قد أحضرت للتو من قبورها قرب خط المراقبة الذي يقسم كشمير الى منطقتين, احداهما تديرها الهند والاخرى تسيطر عليها باكستان. لقد قتل هؤلاء أثناء محاولتهم التسلل الى باكستان للحصول على تدريباتهم العسكرية, حسبما قالته السلطات الهندية. اما الاهالي فيقولون انهم قتلوا على يد مجرمين. وتظاهرات الاهالي قبل يوم هي التي دفعت نحو فرض حظر على التجول غير معلن. وغير بعيد على الطريق نحو سريناجار جلس سيد علي شاه جيلاني مع بعض رفاقه داخل مخفر للشرطة, بعد ان اعترضوه وهو في طريقه لاستشارة عائلات الشباب القتلى. وكانت الحكومة الهندية قد أثارت الدهشة مؤخرا بعرضها اجراء محادثات مع حزب مؤتمر الحريات الذي يشكل مظلة للجماعات الكشميرية المسلمة والذي يترأسه جيلاني. على كل حال لم يكن جيلاني في مزاج يسمح بالحديث. وسأل: (هل هذا جو للحوار؟) ويضيف بأن عرض الحكومة بإجراء المحادثات يهدف (لخداع المجتمع الدولي) وقد اطلقت الحكومة الهندية مؤخرا سراح عدة من قادة حريات من السجن تحت ما يعتقد على نطاق واسع بانه ضغوط من الرئيس الأمريكي بيل كلينتون الذي زار الهند والباكستان في مارس الماضي. ويقول دبلوماسي غربي في العاصمة الهندية: (انه تحول كبير من جانب دلهي ان تعرض الحوار اصلا) . وعلى الرغم من أن العرض لايزال ينتظر صياغته رسميا, فان الكشميريين يفكرون به. والحوار اذا ما بدأ سيكون الخطوة الاولى على درب طويلة جدا. والسلام يجب ان يأخذ بعين الاعتبار اقليات كشمير بمن فيهم هندوس جامو وبوذيو لاداخ, اضافة لمسلمي وادي كشمير الذين يمثلهم حزب حريات على نحو واسع. ويتطلب الامر ايضا موافقة باكستان التي توفر للمجاهدين الكشميريين القواعد وربما المال الذي يعتمدون عليه. ويجب للسلام ان يسوي ايضا ليس فقط من يحكم كشمير ولكن كيف ايضا. اذ الفساد المنتشر في أوساط الحكومتين المحلية والمركزية يلهب حركة المطالبة باستغلال كشمير ويعززها, ولن يكتب لذلك السلام ان يستمر اذا ما أتى بالنوع السيء نفسه من الحكومات. أيضا هناك نوع من الموعد النهائي لهذه العملية, فاذا ما قاطع حزب حريات انتخابات الجمعية الحكومية المقررة عام 2002, فان المبادرة الحالية ستفشل. وتقف عقبتان رسميتان امام انطلاق المحادثات. اولا اصرار الحكومة الهندية على ضرورة حصول هذه المحادثات في (اطار الدستور) وهو الدستور الذي لا تقبله اي مجموعة داخل حزب حريات. اما الثانية فهي ان حريات يؤكد على وجوب مشاركة باكستان في هذه المحادثات والتي تسيطر تقريبا على ثلث ولاية كشمير وتعتبر ان باقي الولاية هو من حقها. فيما تعتبر الهند كشمير جزء لا يتجزأ من اتحادها وأنها لن تتفاوض مع باكستان على السيادة عليها. هذه الصعوبات يمكن التغلب عليها, فالحكومة الهندية يمكن ان تعتبر دستورها مقدساً, دون ان تصر على حريات ان يفعل ذلك, كما يمكن للهند ان تتجنب الحديث للباكستان ولحريات في وقت واحد ومكان واحد. لكن المشاكل الاكبر فهي تداخل السياسة والعقائد. اذ الحكومة الهندية تخضع لسيطرة حزب بهارتيا جانات الذي لا يمارس الا اقل قدر من التسامح مع المطالب الخاصة بالاقليات غير متشجع للمحادثات وينتظر منه ان يتخذ مواقف اقوى من اي نوع من الحكم الذاتي يمكن للكشميريين قبوله بدلا من الانفصال. اما حزب حريات فيتضمن اكثر من 20 مجموعة داخله والتي قد لا تتفق حول القواعد الاساسية من مثل التي تتعلق بمصير كشمير وهل ستستقل ام تصبح جزءا من باكستان وهل يجب ان تكون دينية ام علمانية. من جانبهم يرى المراقبون الخارجيون في الفشل بإيجاد بديل لجيلاني الذي تنتهي فترة رئاسته للحزب في ابريل دليلا على الخلافات داخله. كما ان اكثر الجماعات عداء للحكم الهندي تقع خارج مظلة حريات. ويتضمن هؤلاء مجموعة المجاهدين التي تتمركز في الباكستان وهي (جيش محمد) الذي يوفر معظم المقاتلين في حرب الاستقلال والتي قتل فيها حتى الان بين 25 الفا و70 الفا (حسب المصادر). وباكستان ذاتها ليس لديها ما يكفي من الأسباب لتشعر بالرضا نتيجة حدوث افضل بين الهند والكشميريين. اذ ترفض الهند التباحث مع باكستان منذ سيطرت قوات باكستانية لفترة محدودة على جزء من الارض داخل الجانب الهندي من خط المراقبة العام الماضي. واذا ما حققت المحادثات بين الهند وحريات بعض التقدم فان ذلك سيكون على حساب الطموحات الباكستانية بالسيطرة على كشمير. الى ذلك فان الحكومة الباكستانية التي يسيطر عليها العسكر قد لا يكون لديها ما يكفي من النفوذ على جماعات المجاهدين لتحقيق السلام بقدر ما لديها من النفوذ للاعتراض عليه. ومع ذلك فان المشاركين المحتملين يظل لديهم ما يكسبوه من الحوار. اذن فباكستان وهي الخاسر المحتمل الاكبر تواجه ضغطا دوليا لعدم الوقوف في الطريق. فيما الهند قد تتحين فرصة لدق اسفين بين حريات والباكستان وأسافين بين المجموعات التي تشكل الحزب. اما قادة حريات فيجب ان يقيموا فرعا من التوازن بين مخاطر ان يتم تجاهلهم وفرصة ان يعترف بهم ممثلين عن مسلمي وادي كشمير ولتقديم بعض الخدمات الطيبة لهم. (السلام بشرف) هي العبارة التي تسمع كثيرا من القادة الكشميريين المعتدلين. لكن هذه الصيغة ليست موجودة اليوم على كل حال. فحرب الاستقلال تستمر بكل زخمها وتتضمن الهجوم بالقنابل على قوات الامن وغيرها من الأهداف الحكومية. وفي 15 مايو الماضي لقي وزير الطاقة في الولاية واربعة من مرافقيه مصرعهم في حادث تفجير قنبلة. وقل ان يمر يوم في سريناجار العاصمة الصيفية للولاية من دون حادث انفجار. كما ان حملة الهند لاحتواء العنف لا تجعلها تكسب اي صديق. ويقول القادة الكشميريون ان اعداد حوادث القتل في المعتقلات, اي اغتيال من يشتبه في انهم مجاهدون اثناء وجودهم قيد الاعتقال, قد ارتفعت, وهو الادعاء الذي تدعمه جماعة حقوق الانسان في دلهي. اما الحكومة فتقول ان هذه الاتهامات يلفقها المجاهدون لاهداف سياسية. ربما كان ذلك صحيحاً, لكن بدون السماح بإجراء تحقيقات مستقلة ومعاقبة المذنبين فان احدا لن يصدق الحكومة الهندية. ومن جانبه لا يتوقع والد الفتى القتيل رياض احمد كابو (15 عاماً) في سوبور (العدل) ليأخذ مجراه بالنسبة لولده. وتعليقات قائد رفيع في الشرطة لن تغير رأيه هذا. وهو يعتقد ان التحقيقات ستأخذ يومين من الاجراءات الشكلية وتتضمن فتح ملف ثم اغلاقه وانتهى الامر. ان المحادثات مع حزب حريات لن تنظف النظام القضائي ولن ترضي طموحات باكستان ولن تطمئن اقليات كشمير او تحول المجاهدين الى مواطنين موالين للدولة الهندية. ربما خفضت مستوى العنف الحالي بين قوات الامن والشعب الذي من المفترض انها تحميه. مع ذلك فان مسلمي كشمير قد يشعرون بأن حكومة الهند تصغي لهم على الاقل. عن (ايكونوميست) ، ترجمة: جلال الخليل