رئيس الموساد يبدي انزعاجه من ظلام المطار ، هكذا تم الاعداد لمعركة في طائرة بوينج تقل عشرة آلاف جالون من الوقود تركنا مؤلف كتابنا (ذات يوم في سبتمبر) ونحن لا نزال في القرية الأوليمبية في ميونيخ نرقب صعود المروحيتين الألمانيتين اللتين تحملان فدائيي (أيلول الأسود) ورهائنهم من الاسرائيليين نحو طائرتهم الموعودة التي تنتظر على بعد 20 كيلو مترا, غير ان الأحداث كانت على موعد مع الانطلاق قدما كما سنرى حالا. وما ان ارتفعت المروحيتان في الهواء حتى أسرع جينشر وميرك وسكرايبر وشتراوس نحو المروحية الثالثة الرابضة على أرض القرية الأوليمبية وصعدوا إليها, وتلاهم مسئولا الموساد الاسرائيلي, زيفي زامير وفيكتور كوهين, اللذان حشرا نفسيهما في المروحية على مضض من الألمان الذين كانوا لا يريدون عينا أجنبية تراقب الآتي من الأحداث في مطار فيرستنفيلد بروك. يقول سيمون ريف في معرض تفصيله للخطة الألمانية انها كانت تقضي بأن تحلق المروحيتان اللتان تحملان الرهائن والفدائيين ببطء نحو فيرستنفيلد بروك للسماح لمروحية المسئولين الألمان الثالثة التي توجهت إليه مباشرة بالوصول قبلهم بحيث يشرعون بالسيطرة على زمام الأمور قبل وصول المروحيتين الأخريين إلى أرض المطار. لكن ليس الألمان من كانوا يخططون فقط. حيث يقول جمال الجشي انه تلقى ورفاقه تعليمات صارمة من عيسى قبل أن يغادروا كونوليستراسه: (كانت أوامر القائد بعدم التورط في أي قتال إلا في حالة واحدة هي التعرض لهجوم, وإذا حصل ذلك فالأوامر تقضي بالقتال بشراسة والدفاع عن أنفسنا بكل قوة وان لا نموت بثمن رخيص) . ثورة الشك لكن الشكوك لم تغادر أذهان الفدائيين أبدا فحالما أصبحت المروحيات في الجو أحسوا بأن شيئا ما يجري في الخفاء, لقد سارت الأمور بسهولة تدعو للريبة. ويتذكر جمال قائلا لريف: (أحسسنا بأن فخا ينتظرنا وأخذنا نهيئ أنفسنا لمواجهة المجهول) . وكان الألمان يستعدون بدورهم للمعركة المنتظرة. إذ كان من المقرر أن تهبط المروحيتان قريبا من المبنى الرئيسي في القاعدة الجوية وسط فيرستنفيلد بروك, والتي كان ضباط الشرطة مشغولين طوال الساعات الأخيرة بانتقاء أفضل الأماكن للتمركز, وما أكثرها! يتضمن المبنى الرئيسي في فيرستنفيلد بروك ثلاثة كتل هي برج المراقبة الذي يتمتع برؤية بانورامية واسعة لأرض المطار, ومبنى مكاتب منخفض من طابقين يواجه جهة الشمال حيث ينتظر هبوط المروحيتان, ومبنى طوارئ لمعدات الاطفاء يتكون من طابقين أيضا بأبواب كبيرة في الأسفل لدخول سيارات الاطفاء. وأمام المبنى كان المسئولون الألمان قد أوقفوا طائرة بوينج 727 بيضاء وزرقاء استعاروها من خطوط لوفتهانزا ومحركاتها متوقفة. وأعطيت الأوامر لقائدي المروحيتين بالهبوط في المنطقة القريبة من البرج المنار بمصابيح موجهة نحوه من الأرض. ومن المفترض, حسب الاتفاق مع عيسى, أن يسمح لطاقمي المروحيتين المكونين من طيارين في كل منهما بمغادرتها فور الهبوط. وتقضي الخطة الألمانية بأن يسمح لعيسى ونائبه بمغادرة المروحيتين والتوجه مشيا نحو البوينج وصعودهما للتأكد منها ثم يعودان لرفاقهما, لكن في منتصف طريق العودة يفتح القناصة الألمان النار عليهما. أما القناصة الآخرون فمهمتهم هي التسديد على بقية الفدائيين وارداء الظاهرين منهم من خارج المروحيتين. وبالتالي فإن نجاح الخطة يعتمد على مقدرة القناصة على ارداء الفدائيين قتلى في غضون بضع ثوان فقط من اطلاق الرصاصة الأولى. مع العلم بأنه ليس هناك سوى خمسة قناصة لمواجهة ثمانية فدائيين في فيرستنفيلد بروك, وليس 10 أو 20, مجرد 5 فقط. القناصة رقم 3 و4 و5 من المفترض أنهم يستلقون على سطح المبنى الأوسط وبنادقهم موجهة نحو الفدائيين. أما القناص رقم 2 فقد طلب إليه التمركز في أرض المطار قريبا من مكان الهبوط ويختبئ خلف حوض نباتات يرتفع 30 سنتمترا فقط. فيما القناص رقم 1 طلب إليه الاختباء خلف شاحنة متوقفة بين البوينج والقناص 2. وفي انتظار القرار الحاسم كانت الأوامر التي أعطاها سكرايبر لقناصيه هي الاستمرار في اطلاق النار حتى التأكد من ان الفدائيين لم يعودوا قادرين على القتال. لكن القناصة الخمسة لم يكونوا سوى جزء من الخطة. فقد تبين أخيرا ان الخطة الألمانية الأصلية هي أن يوضع ضباط شرطة داخل طائرة البوينج ليقوموا بقتل أو أسر الفدائيين الاثنين اللذين سيصعدان أولا لتفقد الطائرة. فيما يقوم بقية القناصين بتصفية الفدائيين في المروحيات. يقول هانز هوهنسين, الذي كان أحد الضباط المشاركين في عملية (اشعة الشمس) الفاشلة داخل القرية الأوليمبية, انه و16 ضابطا طاروا بعد ذلك إلى فيرستنفيلد بروك وطلب إليه الاختباء داخل البوينج والهجوم على الفدائيين إذا نجحوا في الوصول إليها. لكن الضباط كانت لديهم تحفظاتهم الكثيرة على هذه الخطة. إذ ان حجم طاقم الطائرة الذين من المفترض انهم ضباط الشرطة المتخفين على هذا النحو سيثير الشكوك مقارنة بطائرة صغيرة مثل بوينج 727 وهو ما قد يدفع الفدائيين لاستخدام قنابلهم اليدوية. كذلك كان لراينهولد رايخ ضابط الشرطة المسئول عن أمن الطائرة وتنفيذ الهجوم داخلها تحفظاته أيضا. إذ بعد أن صعد للطائرة وتفقدها قال للمسئولين انه حال اندلاع قتال داخلها فلن يكون لضباطه إلا فرصة ضئيلة للغاية للبقاء على قيد الحياة. وكان من المفترض أن يتخفى اثنان من الضباط في زي قائدي الطائرة فيما يرتدي الباقي أزياء المضيفين والفنيين الخاصة بخطوط لوفتهانزا. حصل كل من هؤلاء الضباط على مسدس و17 طلقة فيما طلب رايخ ثلاثة رشاشات وقد أعطيت لرجاله ومع كل منها مخزنيين ممتلئين. ولبس الضباط بزات الطيارين والطواقم, لكن لعدم توفر ما يكفي من الملابس, فقد اضطر الضباط للبس قمصان لوفتهانزا فوق ما كانت تبدو على نحو واضح انها سراويل الشرطة الألمانية. بحر من الوقود لكن المعلومة التي فجرت الموقف بالنسبة للضباط الذين يفترض بهم نصب الكمين داخل البوينج هو ما عرفوه في اللحظات الأخيرة من ان خزانات الوقود في الطائرة ممتلئة بحوالي عشرة آلاف جالون من الوقود. وحينما لم يعد أمام المروحيتين المنتظرين سوى دقيقتين للوصول إلى فيرستنفيلد بروك تحولت الخطة الألمانية الأمنية التي تدار على أعلى المستويات إلى مجرد مسرحية هازلة على ذمة سيمون ريف الذي ما زال يروي التفاصيل لحظة بلحظة وينقل قول فريدريك ليبولد أحد أفراد طاقم المزعومين: (كنا جميعنا مع الرأي القائل ان المهمة التي ينبغي انجازها داخل الطائرة خطرة إلى أبعد الحدود, ولن تكون ذات جدوى) . ما هو الحل إذن؟ يقول رايخ: أجريت تصويتا بين أعضاء الفريق وبعد أن صوت جميع الضباط لخيار مغادرة الطائرة, غادرنا الطائرة جميعا) . وأسرع رايخ نحو جورج ولف ليخبره بالقرار. أحس الأخير بالذعر, ومعه حق, إذ ان عنصرا أساسيا في الخطة انتهى. صرخ: (ماذا أفعل الآن؟) كانت المروحيتان معلقتين فوق المطار وتناوران للهبوط. لقد تأخر الوقت كثيرا أمام اختراع أي بديل. أصبحت المواجهة الدموية محتومة. يقول زيفي زامير الذي كان رئيسا للموساد حينها. (حينما وصلنا فيرستنفيلد بروك كان مظلما جدا. لم أستطع تصديق ذلك. كنت أنتظر أن أرى أنوارا كاشفة تضيء المطار بأكمله. لذلك اعتقدت انهم تعمدوا ذلك وان عشرات القناصين والعربات المدرعة تختفي في الظلام. كان الألمان عديمي النفع, عديمي النفع نهائيا) . على كل حال فإن المسئولين الألمان الواصلين لم يخطر ببال أحدهم أبدا حتى تلك اللحظة ان يخبروني بأن الفدائيين ثمانية وليسوا خمسة. وأخيرا هبطت المروحيتان على بعد مئة متر فقط من مكان وقوف جينشر وسكرايبر وزامير وكوهين. حالما نزلت المروحية الأولى هبط منها عيسى وجمال وعدنان وفدائي آخر مع رهائنهم الخمسة ووقفوا على اسفلت المطار فيما بنادقهم مشرعة وأصابعهم على الزناد. ومن المروحية الثانية نزل طوني وصحبه الفدائيون وأربعة من الرهائن ووقفوا على أرض المطار أيضا ينظرون حولهم. يتذكر زيفي: (كنا نراقب من الطابق الثاني لكننا لم نرهم فلم تكن هناك أنوار. ما أريد قوله هو ان هذا كان أبسط الأشياء التي كان على الألمان تجهيزها: .. إذا أردت أن تقوم بعملية انقاذ فعليك إنارة المكان) . يقول جمال: (كان كل ما في الأمر يوحي بالشك والخداع. أولا الرحلة استغرقت أكثر من نصف ساعة ثم رأينا بأن المطار مغلق بالكامل على عكس ما قالوه لنا, إذ ليست فيه إلا طائرتنا) . في غضون ذلك أخذ القناصة في معاينة أهدافهم. وسرعان ما اكتشفوا المشكلة. إذ كان من المفترض وضع القناصة في أماكن تسمح لهم برؤية المساحة الداخلية للمروحيتين لتوجيه النيران نحو الفدائيين. لكن الذي حصل هو ان الطيارين الألمان هم من كانوا على الخط الأول مقابل القناصين. أما القناص 2 فكان مباشرة على خط نيران زملائه الثلاثة على سطح المبنى. وسرعان ما تحقق من انه قد يلقى مصرعه برشقة من سلاح ضابط ألماني إذا ما اندلع القتال. أيضا لم يتوقع القناصون ان المروحيتين ستهبطان على هذه المسافة القربة من البوينج وان شفرات مراوحها الضخمة يمكن أن تكون لها تلك الظلال الواسعة حتى مع انارة المطار القليلة بشكل يربكهم ويجعل من الصعب التسديد على الأهداف القريبة من المروحيتين. حالما توقفت المراوح عن الدوران أخذ طوني وعيسى يمشيان ببطء لقطع مسافة 150 مترا تفصلهما عن البوينج لتفتيشهما. أيضا نزل الطيارون الألمان من المروحيات إلى أرض المطار. وطلب الفدائيون من الطيارين الأربعة الابتعاد سيرا على الأقدام ببطء والابقاء على خوذهم البيضاء على رؤوسهم تنفيذا لوعودهم بعدم مسهم بسوء. لكن حالما بدأ الألمان الأربعة بالمشي غير الفدائيون رأيهم. يقول الطيار الألماني جانر ايبل: (لم يقولوا كلمة واحدة. كل ما فعلوه هو انهم أشاروا لنا بسلاحهم) . أما المسئولون المراقبون فعرفوا ان الفدائيين أصبح لديهم الآن 13 رهينة. أمر فتح النار صعد طوني وعيسى سلم الطائرة وأمضيا دقائق داخلها. لكن عيسى أحس بالفخ وعاد مسرعا وزميله إلى المروحيتين وهو يصرخ بعلو صوته. أما ولف الذي كان على السطح فأدرك ان الأمور ستفلت من يديه ان تأخر, وهو الذي لا يعرف ما الذي يفعله القناصان 1 و2 لانهما لم يكونا مزودين بلاسلكيات, وكل ما لديهما من أوامر هي ان يختاروا أهدافهم ويبدأوا باطلاق النار حين سماع صوت الرصاص. تردد ولف قليلا وهو بجانب القناصين 3 و4 و5 لكنه حينما أصبح عيسى وطوني العائدين ركضا إلى المروحيات من البوينج في منتصف المسافة أعطى رجاله الثلاثة الأمر بفتح النار.