اضطر محافظ بيروت يعقوب الصراف للتراجع عن خطأ لم يرتكبه وهفوة لم يسقط فيها, عندما نفى شائعة تقول انه اصدر قراراً منع بموجبه السهر في منطقة (وسط بيروت) بعد الساعة العاشرة من كل ليلة.وتكمن المفارقة في انه ليس من عادة المحافظ ان يرد على اية حملة او مواقف ضد اي قرار يتخذه, لكن هذه المرة اضطر للرد على معارضين (لقرار) لم يتخذه ولم يتعد كونه شائعة سرت كالنار في الهشيم نبتت ونمت بسرعة حول (مستنقع) الخلافات السياسية الدائرة حول تلك المنطقة, والمعطلة لاستكمال مشاريعها العملاقة لاعادة اعمارها بعد الحرب من قبل الشركة العقارية (سوليدير) . فالمسألة أكبر من الشكليات ودقيقة الحساسيات لان وسط العاصمة المعروف باسم (المنطقة الخضراء) كان في عز الازدهار المتنفس النهاري والليلي الوحيد للبنانيين والمصطافين والسائحين, وحتى لجنود (المارينز) الامريكيين الذين نزلوا على شاطئ بيروت عام 1958, ولم يكن بامكان ضباطهم الاهتداء الى اماكنهم الا بعد جولة على حوانيت الوسط وخاناته وعلب الليل فيه التي كانت تتميز بأنها تعمل في النهار ايضاً. انهار (الوسط) ودمر خلال 17 سنة من الحرب, لكنه لم يعد الى الحياة تماماً الآن بعد عشر سنوات من عمر السلم الاهلي بل فرخت فيه (حياة) من نوع سلبي تتمثل بالدرجة الاولى في الخلافات القائمة بين (سوليدير) من جهة, و(تجمع اصحاب الحقوق) من جهة اخرى, وهم يعتبرون ان الشركة سلبتهم حقوقهم بأساليب يصفونها بالملتوية والانتهازية تعتمد على (رأس المال المتوحش) حسب تعبير احد أركان (التجمع) ريا الداعوق. بين الروتين والمعوقات وضمن الجهتين المذكورتين صراع سياسي ممتد ومتفاقم بين حكومات الرئيس رفيق الحرير السابقة الداعمة لـ (سوليدير) وحكومة الرئيس سليم الحص الحالية التي تدعم تجمع (اصحاب الحقوق) ما ادى الى تعثر استكمال مشاريع اعادة اعمار الوسط, وابتعاد اصحاب رؤوس الاموال عن اي تشغيل استثماري فيه, وتفضيلها التوجه الى الخارج كما يؤكد مدير مبيعات الاراضي في (سوليدير) منيب حمود الذي يضيف محدداً جوانب اخرى من الاسباب المؤدية الى (تطفيش) المستثمرين فيقول: (المؤسف انه رغم الدعم الرسمي الذي تحظى به الشركة في العهد الحالي فإنه لا يتم اتخاذ اي قرار على مستوى الادارات الرسمية العامة, بدليل ان اي عملية قانونية تستغرق وقتاً, اذ ان مراحل الدرس تتم بدقة ووفقاً للقوانين السائدة, مما ينعكس سلباً على تحرك المستثمرين ويؤدي تالياً الى هربهم بينما تجهد الشركة لجذبهم في ظل الاوضاع الاقتصادية الراكدة القائمة) . ومن المتوقع بحسب حمود, ان تنسحب الحلحلة في مسألة رخص (التراخيص) المستثمرين على الحركة العامة في البلاد: (وخصوصاً ان مشروعاتهم سوف تساهم في ايجاد ما بين 30 الى 40 الف فرصة عمل جديدة) مستغرباً وضع المعوقات في وجه هذه المشروعات التي تدخل الى خزينة الدولة اموالاً مباشرة, من خلال الرسوم البلدية التي يتم استيفاؤها فوراً: (فهناك اذن مال عام مهدور, لا احد يطالب به او يسأل عنه, او حتى يجهد في سبيل تحصيله) . وعلى ضوء ذلك, لا يمكن لاحد ان يحسد (سوليدير) على الوضع الذي ترزح في ظله الثقيل منذ فترة, حتى الورشة الاعمارية الضخمة التي بدأتها في (الوسط) توقفت في منتصف الطريق, وبقيت العقارات المعروضة للبيع او للاستثمار مطروحة للبيع من دون الطلب عليها. لذلك سعت الشركة الى تسهيل امور المستثمرين المحليين, الذين يشكون من التأخير في اصدار الرخص الامر الذي اعاق عملية البناء مع ما ترتب عن ذلك من اضرار مادية, فيما الجمود الذي يصيب المشروعات يخيف المستثمر المحلي او الاجنبي على حد سواء, خاصة وان هذا الاخير لا يقدم على ضخ امواله حين يدرك انه سيقع في دائرة الجمود. واذ تقر (سوليدير) بأهمية صدور المراسيم الخاصة بدفع عجلة نشاطها, الا ان العبرة الاولى والاخيرة بالنسبة لها تكمن في التطبيق, خاصة وانه لم يبرز اي تطور ايجابي على ذلك الصعيد حتى الآن, وذلك نتيجة البطء الخانق الذي تفرزه الدورة الروتينية, مما دفع المستثمرين الى التحرك قبل نصف عام تقريباً, رافعين شكواهم الى اعلى المراجع الرسمية في الدولة لكن الى اي نتيجة وصلوا؟ المستثمرون يدعمون.. ولكن؟ النتيجة غير مشجعة ابداً حتى الآن, رغم انها كانت منتظرة بعكس ما جاءت به منذ فترة ليست بقصيرة. ففي اواخر العام الماضي بدأ (تجمع المستثمرين) تحركه على اكثر من خط, تمهيداً للافراج عن الرخص المنتظرة في سبيل البدء بورشة البناء في وسط بيروت فكانت اللقاءات مع كل من رئيس الجمهورية ورئيسي مجلسي النواب والوزراء, بعد سلسلة اجتماعات مع وزير الاشغال العامة والنقل نجيب ميقاتي, وحصل هؤلاء على تجاوب الرسميين ولمسوا اهتماماً لديهم, وسعياً جدياً الى تسريع اصدار هذه المراسيم وحلحلة العالق منها. الا ان الدعم الرسمي الذي تبلور من خلال اللقاءات المباشرة, او حتى من خلال جولة رئيس الجمهورية اميل لحود في وسط بيروت في ديسمبر الماضي, اصطدم كما يقول المستثمرون انفسهم بروتين اداري لا يزال يشكل (الاخطبوط) الذي يشد الخناق على الادارة الرسمية, ويعوق صدور المعاملات المطلوبة من دوائرها المتعددة. وبرزت ايضاً على خط آخر مشكلة (الاجتهاد) في تفسير القوانين الامر الذي اعاق حتى الآن خروج المعاملات من الدوائر في الموعد المحدد وانعكس تالياً على وضعهم كمستثمرين فباتوا عالقين ما بين القانون والادارة. ويبدو ان بارقة امل بدأت تلوح في افق هذا التحرك كما يقول الناطق باسمهم عصام مكارم: (اذ ان التجمع كان قد اقترح على رئيس الجمهورية تأليف لجنة خاصة لملاحقة المشكلات الادارية في مسألة الرخص وتسهيل الحصول عليها, وقد حظي المشروع بمباركته كما حظي بموافقة رئيس الحكومة الذي ابدى كل تجاوب حياله لدرجة انه اقترح تمثيله شخصياً في اللجنة التي ستضم ايضاً ممثلين عن التجمع في شركة (سوليدير) وآخرين عن الادارات الرسمية المعنية مثل بلدية بيروت ومحافظة العاصمة والتنظيم المدني) . من هنا يتساءل المستثمرون كما يقول مكارم, مضيفاً انهم: (يستندون في تفاؤلهم الى حجم مشروعاتهم في الوسط والتي تتجاوز قيمتها الاجمالية الملياري دولار امريكي, وهي تشمل اضخم الفنادق والمكاتب والابنية التجارية والسكنية مما سيحول بيروت مستقبلاً في رأيهم الى الوسط التجاري والمالي والسياحي والسكني للعاصمة وللبنانيين المنتشرين في العالم كما للاشقاء العرب) . اصحاب الحقوق و(التفخيخ) لكن ذلك التفاؤل ينقلب رأساً على عقب لدى (تجمع اصحاب الحقوق) الذين يعتبرون ان (سوليدير) تعدت على املاكهم, وسلبت حقوقهم في مشروع اعمار الوسط وهم يصفونه (بالمشروع المشبوه والمفخخ) . * (البيان) : التقت النقيب السابق لمهندسي بيروت المهندس عاصم سلام, فسألناه: كانت (سوليدير) تؤكد ولا تزال انها امنت حماية مصالح اصحاب الحقوق فيما تجمعكم يقول عكس ذلك فلماذا؟ ـ يجيب سلام بقوله: لقد قام تسويق مشروع الشركة العقارية (سوليدير) على انه خدمة للمالكين والمستثمرين من اهالي بيروت واستعملت لذلك ابشع انواع الابتزاز والاغراء لتسويقه منها ما هو مادي اذ عرض المشروع وكأنه منجم ذهب لأصحاب الحقوق يعفيهم من تعقيدات علاقتهم مع بعضهم البعض ومنها ما هو منحرف ارتكز على اثارة المخاوف وتغذيتها سواء المذهبية منها او الطائفية عامة بين اهاليها واثخن بذلك الجروح الدامية التي خلفتها الحرب الاهلية. فالشراكة القسرية التي ادخلتهم فيها الدولة مع رأس المال المتوحش عرضتهم للتخمين المجحف لاملاكهم وحقوقهم بهدف تخفيض نسبة مساهمتهم في الشركة ورمتهم في احضان الممولين المسيطرين على امور الشركة والمضاربات العقارية والتلاعب بأسهم البورصة دون تحمل الدولة مسئولياتها في حمايتهم مما قد يصيبهم, وما الوضع المالي الحالي المؤسف لسعر السهم الا دليل واضح على ذلك) . * لكن (سوليدير) اكدت مراراً وتكراراً وربطت ذلك بالمشاريع التي انجزتها حتى الآن, انها تعمل تحت سقف حماية ملكية اهالي بيروت ما هو ردكم؟ ـ كان هم الدولة الاكبر بعد اتفاق الطائف اعادة المهجرين الى ديارهم وتأمين المناخ الصالح لهم وذلك بهدف اعادة اللحمة والترابط بين فئات المجتمع اللبناني وتشجيع التعايش المشترك, والتي بدونها لن يكون للوطن ركائز صحيحة. ان هذه الدولة نفسها وعن تصور وتصميم قامت بتشريع نصوص عن طريق القانون رقم 117, بحيث حرمت حوالي 130 الف صاحب حق في وسط بيروت من الرجوع اليه, واجبرتهم على اللجوء الى مناطق غالباً ما كانت خارج العاصمة وغريبة عنهم, فألغت بذلك تواصلهم مع مدينتهم وبيئتهم وحقهم الانساني بالبقاء فيها. * هل يعني ذلك ان شعار مشروع (سوليدير) القائل: (بيروت مدينة عريقة للمستقبل) لم يكن عملياً وصادقاً؟ ـ لقد رافقت مشروع اعادة اعمار الوسط التجاري حملة مكثفة وباهظة الكلفة مرتكزة على كونه مشروعاً لاعمار وبناء مدينة عريقة للمستقبل ان مفهومنا لدور وسط بيروت كما كان عليه يستند الى الدور الذي لعبه هذا الوسط في تغذية التواصل الحضاري بين فئات المجتمع المدني لبيروت بجميع طوائفه واضحى وجوده بجميع فئاته الاجتماعية والطائفية, مهما تواضع شأنها في سلم الثروات والمراتب همزة الوصل بين اجزاء المدينة ومركزاً للقاء يوحدها ويجمع ابناءها في نسيج معقد تسوده روح التسامح والعيش المشترك واللقاء الكريم. ان المنحى التدميري الذي اعتمد من قبل الشركة العقارية (سوليدير) من الناحية الاجتماعية او التراثية قد أزال الدور الهام الذي كان (للوسط) في توحيد شطري العاصمة واضحت بيروت الآن منفصلة الى شرقية وغربية تجاوز بعضها غير انها لا تتجانس ولا تنسجم وستبقى هكذا ما دام (الوسط) يعالج بالعقلية القائمة والمسيطرة حالياً. * اخيراً, الى اين يتجه مشروع اعمار وسط بيروت برأيك وفق ما يجري تنفيذه حالياً وما آلت اليه الامور فيه؟ ـ لقد قام مشروع اعمار وسط بيروت على تكليف القطاع الخاص بكامل المسئولية وتغييب دور الدولة كلياً عن توجيه ومراقبة هذا المشروع الحساس وكأن لا دور لها فيه لا في حماية من اجبرتهم على الدخول في الشراكة القسرية ولا في تحمل المسئوليات الوطنية والحضارية والتاريخية الملتصقة بتوجيه اعادة اعماره. وقد تصرف المسئولون عن ادارة وتنفيذ المشروع وكأنه ملك خاص لهم يقع في منطقة نائية متناسين دور الدولة والمصلحة العامة التي املت عليها اعماره فيسخرون نفوذها لتأمين مصالحهم وهم بحاجة اليها كما يتجاهلون المصلحة العامة عندما تتضارب مع مصالحهم المالية الخاصة.