اتسم الاسبوعان الماضيان بالصعوبة بالنسبة لعمليات حفظ السلام التي تقوم بها الأمم المتحدة, ويرجع ذلك في المقام الاول لتعرض مهمة القوات الدولية للصعوبات في سيراليون. ولكن يمكن الذهاب الى القول بأن الامر كما بدا على صفحات الجرائد يعد اسوأ مما هو على ارض الواقع, وبلغت الامور الى حد ان خبراء من اتجاهات سياسية متباينة دعوا الى التخلي عن عملية حفظ السلام في سيراليون كلية غير ان مثل هذا النعي للمهمة يبدو سابقا لأوانه. وبينما لن يتظاهر أي منا في الامم المتحدة بأننا جعلنا كل شيء على ما يرام في سيراليون, فإن الكثير من النقد الذي يوجه لنا بعيد عن الانصاف وغير بناء, وعلى الرغم من ان التوتر يظل محتدما فإن كل المحتجزين تم اطلاق سراحهم, وتمسكت بعثة الامم المتحدة بموقعها, وهي بقيامها بهذا زادت من احتمالات التوصل الى حل سياسي عادل للصراع بدلا من حل عسكري له. وقد اظهر رجال قوة حفظ السلام التابعة للامم المتحدة في سيراليون, والمعروفة اختصارا باسم (يونامسيل) شجاعة والتزاما عظيمين وحتى عندما احتجز الرهائن فإن الام المتحدة لم تبحث في الانسحاب ولم تدرس الدول التي تنتمي اليها هذه القوة التخلي عن مسئولياتها بل ان بنجلاديش والهند والاردن بعثت بتعزيزات جيدة التجهيز, والمزيد من القوات من دول اخرى في طريقها الى هناك ومن خلال رفض التراجع بعث مجلس الامن اشارة قوية الى ان اعمال العنف التي توجه الى قوة حفظ السلام لن تردعه. وقد تركزت التغطية الاعلامية عن جدارة على عملية احتجاز الرهائن ولكن افتراض ان الامم المتحدة مضت الى هذه العملية بجهل اقرب الى العمى او من دون ادراك للمخاطر المندرجة فيها هو اقتراض غير صحيح, فتفويض القوة الدولية المرسلة الى سيراليون في ظل الفصل السابع من ميثاق الامم المتحدة يتضمن استخدام القوة لضمان الامن والحرية للافراد التابعين للامم المتحدة ولحماية المدنيين ولتوفير الامن في المقار الحكومية الرئيسية ولمواقع نزع السلاح ولتسهيل تقديم المساعدة الانسانية ولكنها يمكنها القيام بهذا كله فقط (في حدود قدراتها) وهنا تكمن المعضلة. وكما هي الحال مع سلافونيا الشرقية حيث كان لدينا من الاسباب ما يدفعنا الى الشك في حسن نوايا الاطراف المعنية فقد ادركنا ان الامم المتحدة بحاجة الى وجود قوي وموثوق به في سيراليون لردع المنتهكين المحتملين لاتفاقية ليومي. ومن سوء الطالع ان احد اطراف الاتفاقية لم يلتزم بما تعهد به بينما كانت قوة حفظ السلام في سيراليون لا تزال تتحشد وقبل ان تتوافر للامم المتحدة قوات ومعدات مناسبة على الارض. والدرس الرئيسي لا يدور حول عدم ملاءمة قوة حفظ السلام وانما حول اهمية القيام بعملية حفظ السلام بالطريقة الصحيحة. وبينما ربما تغيرت بيئة حفظ السلام منذ مرحلة الحرب الباردة فإن المتطلبات الاساسية للنجاح لم تتغير. وليس هناك بديل للامكانيات الكافية وللتفويض القوي وللدعم اللوجستي الضروري لضمان الانتشار في التوقيت الملائم. ولكن عملية حفظ السلام, بل وعملية حفظ السلام القوية والصارمة ليست هي فرض السلام, انها ليست حربا, وكقائمين بحفظ السلام فإن بمقدرونا فحسب ان نؤدي واجبنا اذا تعاونت الاطراف المعنية معنا. اما اذا لم تقم هذه الاطراف بالوفاء بما توصلت اليه من اتفاقات فإنها ينبغي ان تحمل المسئولية عن النتائج المترتبة على ذلك لا ان تلقي هذه المسئولية على القائمين بحفظ السلام الذين يسعون الى الحفاظ عليه وتخفيف معاناة المدنيين الابرياء. واذا وفت الاطراف المعنية بالتزاماتها حتى لو كان ذلك لأنها اجبرت عليه اجبارا بفعل قوة حفظ سلام قوية, فإن القائمين بحفظ السلام يمكنهم المساعدة في ايجاد الظروف الضرورية للتصالح واعادة البناء ويمكن لوجودهم ان يردع العنف وان يطور الشعور بالامن ويسهل الحوار السياسي بين المتصارعين السابقين. وبمقدورهم ان يوفروا الاستقرار في المدى القصير للتعامل مع الاسباب بعيدة المدى للصراع والتي غالبا ما ترتبط بالحكم السيىء وبالانتهاكات لحقوق الانسان او بالمظالم الاقتصادية والامر الذي من المهم ادراكه هو انهم قد فعلوا هذا على وجه الدقة على امتداد العالم, وقد حظي القائمون بحفظ السلام التابعون للامم المتحدة بالنجاح في 52 عملية على امتداد خمسة عقود من الزمان, بما في ذلك النجاح مؤخرا في اماكن مثل ناميبيا وكمبوديا والسلفادور وموزمبيق. ويمثل نشر قوات حفظ السلام التزاما من المجتمع الدولي بالقيام بمساعدة الدول التي مزقتها الحرب, مثل سيراليون على الوقوف مجددا على قدميها وهو يقتضي التزاما طويل المدى ولا يعرف التراجع واعلان الفشل عند دوي اول صوت مدفع لا يساعد على تقوية مثل هذا الالتزام ودعمه. لقد نجح الحفاظ على السلام في مناطق اخرى في افريقيا, ولكنه ليس بمثابة الرد على كل صراع, وهذا هو السر في ان الامين العام للامم المتحدة قام بتشكيل لجنة مستقلة لتحديد الكيفية والظروف التي من خلالها تقوم بعمليات حفظ السلام وسيراليون تذكرنا بأننا لا ينبغي بالضرورة ان نفترض حسن النية في الاطراف المعنية وبينما نأمل على الدوام ان يتحقق الافضل, فإننا يتعين علينا في بعض الاحيان ان نخطط ونعد للأسوأ. بقلم: شاشي ثرور ، مساعد كوفي عنان ، خدمة (لوس انجلوس تايمز) خاص لـ (البيان)