موشى ديان يشد الرحال إلى ميونيخ بطلب من مائير ، الفدائيون يتابعون استعدادات الشرطة الألمانية للهجوم على شاشة التلفزيون تركنا مؤلفا في سرده لأحداث أوليمبياد ميونيخ قبل ربع ساعة فقط من انتهاء مهلة الساعة الثانية عشر ظهرا, التي منحها (عيسى) للسلطات الألمانية. حينها بدأ مانفريد سكرايير يمشي بعصبية في كونوليستراسة حيث المبنى الذي يسكنه الاسرائيليون, يرافقه أحمد التوني العضو المصري في اللجنة الدولية الأوليمبية. كان الاثنان في مهمة يائسة لاقناع عيسى, الذي أخذ يقلق من محاولات الخداع بتحديد المهلة عدة ساعات أخرى. حيث اقترب الاثنان نادت جرايس على (عيسى) الذي خرج لسماع ما لديها, حينما كان طوني يحمي ظهره بمسدس وقنبلتين يدويتين على حزامه واصبع على زناد الكلاشينكوف في يده. تحدث سكرايبر أولا قائلا ان من المستحيل أن يتمكن الاسرائيليون من تجميع ملفات السجناء وتحديد أماكنهم ثم اطلاقهم في هذه الفترة البسيطة, وانهم يحاولون تنفيذ مطالب الفدائيين الآن. فوافق (عيسى) على التهديد حتى الساعة الواحدة ظهرا فقط. لكن هذا لم يكن ليرضي سكرابير, الذي كان يحتاج لعدة ساعات على الأقل, ولهذا قال لعيسى انه يعرض عليه أن يتحدث مع مسئولين ألمانيين كبيرين, اتحادي وبافاري, وانه يجب على الأقل أن يستمع لما يريدان قوله. عاد سكرايبر ليحضر هذين المسئولين اللذين لم يكونا سوى وزير الداخلية الألماني هانز ويتريش جينشر ووزير الداخلية البافاري برونوميرك. يقول أولريخ فاجنر الخبير الألماني في مكافحة الارهاب في حديث لمؤلف الكتاب سيمون ريف: (كان خطأ كبيرا أن يلتقي مثل هذين المسئولين الكبيرين به. لانهما بذلك يكونان قد وصلا بالمفاوضات إلى نهاية سلسلة القيادة. المفاوضات يجب أن يقوم بها ضباط أقل رتبة, فهؤلاء قادرون في كل لحظة على القول: حسنا, لا أستطيع أن أقرر الآن, يجب أن أستشير رؤسائي. وهذا يمكن أن يستمر ويستمر بهدف كسب الوقت وهو الأكثر أهمية. خذوني معكم! على كل حال, مع اقتراب الوقت من الموعد الجديد, أحس الألمان بأن ليس لديهم خيار آخر, وهكذا اقترب جينشر من عيسى الذي بدا كالبرج إلى جانبه, وناشده اعطاءهم المزيد من الوقت. يقول جينشر لريف عن تلك اللحظات: (حينما بدا لي ان المفاوضات معهم ليست ذات جدوى, عرضت تقديم نفسي لهم رهينة. فكرت بالأمر قبل عدة ساعات من مقابلة عيسى. ناشدته اعطاءنا المزيد من الوقت. قلت له: أرجوك دعنا نتبادل الأدوار أنا والاسرائيليين. كان الألمان متلهفين لحل سلمي للموقف, ولهذا عرض كل من ولتر تروجر وهانز يوهان فوجل تقديم نفسيهما رهينتين إلى جانب جينشر, مقابل اطلاق سراح الاسرائيليين, لكن دون جدوى, حيث رفض عيسى هذا العرض. على كل حال تمكن جينشر من انتزاع مهلة حتى الساعة الثالثة بعد الظهر من عيسى, ويعترف سكرايبر, الذي كان يقف بعيدا عن المتفاوضين, بأن مفاوضاتهم كانت صعبة, ويقول (لو كنت أنا من أفاوض حينها لانتهى الأمر بمقتل اثنين آخرين من الاسرائيليين) . هذا النجاح المتواضع شجع حكومة بون. وأسرع المستشار فيلي برانت الذي كان يتولى رئاسة اجتماع مطول لوزرائه بفض الاجتماع, وطار إلى ميونيخ ليراقب الوضع عن كثب. كما طلب من وزارة الخارجية ارسال مناشدات عاجلة لرؤساء حكومات الدول العربية لفعل كل ما بوسعها لضمان اطلاق الرهائن بسلام. وفي اسرائيل طلبت جولدا مائير التي لا تثق بمقدرة قوات الأمن الألمانية من وزرائها تجهيز وحدة (سيريت ميتكال) في الجيش الاسرائيلي للمغادرة إلى ألمانيا للمشاركة في أي عملية هجوم لتحرير الرهائن. و (سيريت ميتكال) تتكون من صفوة جنود القوات الخاصة الاسرائيلية, وكان يقودها حينذاك ايهود باراك, رئيس الوزراء الاسرائيل الحالي, فيما نائبه هو موكي بيتسير. أخذ بيتسير وجنوده ينتظرون طوال اليوم وصول الأوامر بالمغادرة, لكن الساعات مرت من دون أن تأت الأوامر. إذ أن الحكومة الألمانية رفضت عرض جولدا مائير هذا, وقالت انها ستحل المشكلة بنفسها. على كل حال, فإن العديد من المسئولين الألمان ينكرون حتى الآن وجود هذا العرض الاسرائيلي, فيما يؤكد بيتسير ان: (وحدتنا كانت جاهزة في المطار, لكن الألمان رفضوا السماح لنا بالمشاركة) . كما يقول زيفي زامير رئيس (الموساد) حينها في لقائه مع ريف ان جولدا مائير قد أخبرته هو وغيره من الوزراء بأن فيلي برانت رفض أن يشارك فريق قوات خاصة اسرائيلي. بعد ذلك اتصل موشي دايان وزير الحرب الاسرائيلي بزامير قائلا انه سيغادر إلى ميونيخ لمراقبة الوضع, وانه يريد اصطحابه هو وفيكتور كوهين معه. وكوهين هذا هو ضابط في الشين بيت, أو الاستخبارات الداخلية الاسرائيلية, والذي يتكلم العربية بطلاقة وكان قد تعاون قبل أسابيع فقط مع دايان في انهاء عملية اختطاف طائرة خطوط (سابينا) البلجيكية في تل أبيب. وفعلا غادر الثلاثة إلى ميونيخ وتبين ان ذلك كان بطلب من مائير. لعبة سخيفة في الساعة الثانية بعد الظهر كان الوضع قد أخذ يزداد تأزما في ميونيخ. فالرهائن أصبحوا جائعين. وطلب الفدائيون من الألمان احضار الطعام. لكن ليس لهم, إذ قال عيسى لجرايس: (نحن لن نأكل) . إذ ان الفلسطينيين كانوا يعرفون ان الألمان يمكن أن يدسوا مخدرا في الطعام, ولهذا كانوا قد أحضروا مؤونتهم معهم. طلب الطعام أعطى المسئولين الألمان الفرصة لتنفيذ أولى خطط الانقاذ (الغبية) . ففي الساعة الثانية والثلث قدم سكرايبر وتروج مع ضابطي شرطة ألمانيين متخفيين بشكل يدعو للضحك كطباخين في زيهما الأبيض, ويحملان معهما أربعة صناديق كبيرة من الطعام. كان أحد الطباخين قائد (فرقة ضاربة) في شرطة ميونيخ, وظن سكرايبر انه قد يساهم لاحقا في أي هجوم على المبنى, وأمل ان يكون عيسى ورفيقه غير قادرين على حمل الصناديق الأربعة بأنفسهم, وبالتالي فإنهما سيطلبان مساعدة (الطباخين) وهذا ما سيمكنهما من دخول المبنى وتقدير الحالة في الداخل, ويقول سكرايبر لاحقا: لهذا السبب تعمدن توزيع الطعام على أربعة صناديق كبيرة, بحيث يحتاج الأمر لأكبر عدد ممكن من الأيدي لحملها. كانت محاولة ساذجة للخداع, والفدائيون كانوا اذكى من ابتلاعها, وبعد ان تناول سكرايبر وتروجر بعض اللبن بين الطعام لاثبات خلوه من السم أو المخدر, قام عيسى وحده وبهدوء بحمل الصناديق واحدا تلو الآخر للداخل. على كل حال مرت الدقائق وعادت الساعة لتصل الثالثة إلا ربع, ومرة أخرى كان على جينشر وسكرايبر وميرك الانطلاق في مشوارهم نحو المبنى العتيد, مشيا على الأقدام لاستجداء مهلة جديدة. حينما سمع عيسى الطلب غضب, وهدد باعدام اسرائيلي بعد خمس دقائق, فناشده ميرك ان ينتظر قليلا, ونادى محمد المستيري السفير التونسي في ألمانيا الغربية ومحمد خضيف مدير مكتب الجامعة العربية في بون . كان دورهما قد حان الآن لرجاء عيسى, قال المستيري له اعطوا الحكومة الاسرائيلية مزيدا من الوقت, أظهروا للعالم ان الفلسطينيين ليسوا هواة قتل. صمت عيسى لبرهة ثم وافق على تمديد المهلة حتى الساعة الخامسة بعد الظهر, لكنه لم يكن واهما, إذ انه عرف بأن الألمان يخادعون ويقول تروجر (أخذ الفدائيون يصبحون أكثر عصبية فهم يعرفون بالتأكيد ان الوقت ليس في صالحهم, وكانوا متأكدين أيضا من ان طلب التمديد ما هو إلا محاولة من الجانب الآخر ليصبح أكثر استعدادا للهجوم. يقول ريف عن تلك اللحظات الثقيلة ان قائد جماعة فدائيي (ايلول الأسود) أصبح يعي انه ليس لدى الاسرائيليين النية في اطلاق سراح المعتقلين الفلسطينيين, ويعلق المؤلف على موقف الحكومة الاسرائيلية بأنه كان لا يقل صلابة عن موقف الفدائيين, الألمان يماطلون وعيسى يعرف ان لمقدرة رجاله على البقاء يقظين حدودا تقف عندها. دور السفارة إذن ما هو الحل؟ يقول ريف نقلا عن أبو إياد أحد قادة منظمة (أيلول الأسود) ان (احدى السفارات العربية ) في بون تقدمت بحل يتضمن اتفاقا سريا, ويقوم الحل على أساس ان يطلق سراح الرهائن الاسرائيليين مقابل الحصول على رهائن ألمان متطوعين يطيرون مع الفدائيين إلى بلد عربي, وبعد شهرين أو ثلاثة تطلق اسرائيل من المعتقلات حوالي 50 معتقلا فلسطينيا, ويقول أبو اياد ان عدة دول أخرى كانت مستعدة لأن تكون ضامنة لتنفيذ الاتفاق. لكن من غير المعروف حتى الآن إلى أي مدى تقدم الاقتراح, كما ان كل المسئولين الذين كانت لهم علاقة به ينكرون أي علم لهم به الآن, من ناحيته يصفه أبو اياد بأنه اقتراح (مثير) إذ انه يرضي الفلسطينيين فيما يحتفظ بماء الوجه لجولدا مائير. على كل حال, فإن هذا الاقتراح فاجأ عيسى, على الرغم من انه ناقش كل السيناريوهات المحتملة قبل الشروع في الهجوم, ويقول أبو اياد ان عيسى حاول معرفة ما إذا كان الاقتراح مقبولا لدى قادة (أيلول الأسود) ولهذا طلب رقم هاتف في تونس ليتحدث مع شخص اسمه الحركي (طلال) . ويذكر أبو اياد في مذكراته: (لسود الحظ فإن طلال المطلوب قد تم احتجازه لفترة في مطار تونس لفشله في الحصول على تأشيرة دخول قبل قدومه للمطار, وبمصادفة قل ان يشهد الدهر مثيلها كان الشخص الآخر الذي رد على الهاتف اسمه الحقيقي طلال, وهذا ما أحدث سوء تفاهم لا يمكن تصديق وقوعه بين عيسى في ميونيخ وطلال غير المقصود في تونس) . وطبعا فإن طلال غير المقصود لم يكن قادرا على فهم كلام عيسى المليء بالرموز وكلمات السر, كان عيسى يعرف ان الهاتف الذي يستخدمه يخضع لمراقبة الألمان, لكنه حاول الاتصال بالرقم من جديد ليجد ان (طلالا) لا يعرفه يرد عليه, حينها اسقط في يد عيسى, وخرج للدبلوماسي العربي قائلا ان عرضه لم يحظ بالقبول. ويتذكر جمال الجشي الذي كان أحد الفدائيين المشاركين في هجوم ميونيخ محاولات التوسط ويقول: (السفارات العربية كانت تتوسط, واحداها اخبرتنا ان اسرائيل ترفض الافراج عن المعتقلين, وأنهم بدلا من ذلك يعرضون 9 ملايين دولار وخروجا آمنا مقابل الافراج عن الرهائن, رفض العرض لأن هدف مهمتنا هو القتال في سبيل حقوقنا والتوعية بقضيتنا, وليس التكسب) . اقتربت المحصلة, وعاد جينشر وسكرايبر وتروجر وميرك نحو عيسى, وطلب الألمان مزيدا من الوقت, لكن عيسى انفجر غاضبا, كان يعرف انهم لا يقولون إلا الاكاذيب, صرخ في وجههم وهو يغرس سبابته في صدورهم: (لن تنجحوا في خداعنا! انتم تحاولون اللعب بنا) . قاطعه جينشر قائلا: ( ان ألمانيا تفعل كل ما بوسعها, كل طلباتكم التي نستطيع تلبيتها قد لبيناها, ونحن مستعدون لسماع أي مطالب أخرى) . توقف عيسى للحظة, لقد تغيرت الحال, تذكر ان أحد الرهائن طلب ان يتم ترحيلهم إلى بلد عربي, قال له عيسى الذي أعجبته الفكرة ان المطلوب هو ان تقوم المجموعة بأكملها بالسفر إلى القاهرة, ليتم حل الموضوع هناك, وطلب من الوزير الألماني طائرتين في غضون ساعتين. تتذكر جرايس ان عيسى عرض على الألمان تقديم نفسه ونائبه رهائن في السجون الألمانية بعد ضمان سفر الرهائن والفدائيين لاعطاء تأكيدات باحترامه للاتفاق, وتقول كان عيسى يبذل جهده لتجنب إراقة الدم. أصبح الأمر وكأن كل طرف يتوسل للآخر عدم اجباره على قرار لا يريد اتخاذه, يقول سكرايبر: (فعلنا كل ما بوسعنا, عرضنا المال, عرضنا أي وسيلة ممكنة لتبادل الرهائن, عرضنا عليهم مغادرة ألمانيا سالمين مقابل ترك الرهائن, عرض الألمان أنفسهم رهائن لضمان سلامتهم, ومن بين هؤلاء جينشر وسكرايبر تروجر و 10 مسئولين ألمان في اللجنة المنظمة للألعاب, حتى بيتر برانت ابن المستشار الألماني لكن لا جدوى) . نريد الرحيل كان الألمان متفقين على شيء واحد فقط, هو عدم السماح بمغادرة الرهائن الاسرائيليين للأراضي الألمانية. طلب جينشر من عيسى ان يسمح له بالتأكيد ان كانت المغادرة هي رغبة الرهائن. وأضاف انه يرغب في رؤية مكان احتجازهم شخصيا وان يتحدث اليهم, كان سكرايبر يرغب بالذهاب معه, لكن عيسى ما كان ليسمح لأي رجل شرطة بالدخول. أخيرا وافق عيسى على دخول جينشر وترجر, وفي الساعة الخامسة وخمس دقائق مشى الاثنان نحو المبنى الاسرائيلي, وبعد قليل وجدا نفسيهما في الغرفة التي قيد بها الاسرائيليون وفي وسطها جثة يوسف رومانو. بعد سؤالهم عن حالهم, استفسر جينشر منهم ان كانوا يريدون فعلا مغادرة ألمانيا مع الفدائيين, مع ضمان سلامتهم, ورد الاسرائيليون بالإيجاب فورا ليخرج بعد دقائق مكفهر الوجه مما رأى. في تلك الأثناء كانت الشرطة الألمانية قد رسمت خطة للهجوم واسمتها عملية (أشعة الشمس) وهي تعتمد على ان يتسلل ضباط ألمان ببزاتهم الرياضية من أنفاق التهوية التي تنزل من السطح لداخل المبنى. وأخذ هؤلاء يجرون استعداداتهم على السطح ففتحوا أغطية الأنفاق واتموا كامل الاستعدادات بدقة, ولم يبق أمامهم سوى سماع كلمة السر لساعة الصفر (أشعة الشمس) لكنهم نسوا شيئا واحدا مهما جدا, وهو ان عشرات الصحافيين وكاميرات التلفزيون كانت تحيط بالمبنى, بل ان أحد الضباط يتذكر ان زوجته قد شاهدته على شاشة التلفزيون وهو يجثم على احدى فتحات التهوية بانتظار اعطاء أوامر الهجوم. وهذا ما كان يفعله عيسى داخل المبنى أيضا, فقد شاهد استعدادات الشرطة الألمانية للهجوم على شاشة التلفزيون, فركض نازلا الدرج نحو باب المبنى, وصرخ بأعلى صوته بالمسئولين خارجا قائلا: ان لم تنسحب قوات الشرطة على الفور فسيقوم شخصيا بقتل رهينتين حالا. وسقطت عملية (أشعة الشمس) في مهدها, وأخذ المستشار برانت يستعد لرمي آخر سهم في جعبته, حينما حاول الاتصال بالرئيس المصري أنور السادات في القاهرة ليتوسط في صفقة لتحرير الرهائن, لكن السادات رفض حتى الرد على مكالمة برانت الهاتفية وحوله إلى رئيس وزرائه دكتور عزيز صدقي. ويقول برانت لاحقا: (سألت صدقي ان كان بمقدور الطائرة التي طلبها الفلسطينيون ان تحط في القاهرة, وان كان بمقدور المصريين التعامل مع الأمر من دون اراقة للدماء, لكن صدقي لم تعجبه الفكرة, لقد فهمت ان القاهرة لا تريد ان يكون لها أي علاقة بالموضوع) .