يجمع المراقبون الدوليون على تأكيد ان انسحاب اسرائيل العشوائي والفجائي من جنوب لبنان ليس مجرد حدث مهم بالنسبة لها بقدر ما هو نقطة انعطاف في تاريخها, فقد انسحبت اسرائيل سابقا من اراض محتلة سواء تطبيقا لاتفاقيات سلام او استجابة لضغوط دولية, لكن الانسحاب هذه المرة أتى نتيجة لاقتناع الاسرائيليين بحالة الانهاك التي يعيشونها وانه لن يكون هناك حلول عسكرية للمشكلات التي يواجهونها في الجنوب, وهذا الانسحاب, بالنسبة لكيان اعتبر الحل العسكري منذ نشأته افضل الحلول واكثرها ملاءمة له, يمثل اكثر من مجرد تحول في السياسة. ويشير هؤلاء المراقبون الى انه في ضوء هذا الفهم فان الانسحاب الاسرائيلي من جنوب لبنان كان شيئا مختلفا, فشأن كل الدول التي تسعى للهيمنة على محيطها, احست اسرائيل بأنها وصلت الى حدود مقدرتها العسكرية, وبدأت تبحث عن تكتيكات اخف ثقلا. منذ نشأتها واسرائيل في حالة صراع مع محيطها, وتتصرف وفق اسوأ السيناريوهات المحتملة, وهو تعرضها لهجوم مفاجئ ومتزامن من قبل الدول العربية المحيطة بها, وهو الهجوم الذي حصلت نسخة منه في حرب اكتوبر 1973 حينما نسقت سوريا ومصر هجوما مباغتا حتى ولم يتمكن ذلك الهجوم من تشكيل خطر حقيقي على صميم وجود اسرائيل, الا انه افرز خطوطا اساسية للسياسة الاسرائيلية العسكرية لاحقا ازاء سيناريوهاتها العسكرية المتوقعة, والتي تتضمن عدة نقاط. * أولا مصر وسوريا وحتى الاردن يمكن اذا ما واتتها الظروف وكانت لديها الرغبة ان تنسق هجوما متزامنا. * ثانيا ان دولا عربية اخرى يمكن ان يكون لديها الاستعداد ان ترسل بقوات للمشاركة في القتال. * ثالثا بمقدور هذه الدول ان تمتلك اسلحة متقدمة وان تشكل قيادة متكاملة لجيوشها. * رابعا ان الدعم السياسي والعسكري الاجنبي مهما كان مضمونا, كالدعم الامريكي, لا يمكن الاعتماد عليه باعتباره الخيار الاول. * خامسا ان الاستخبارات الاسرائيلية يمكن ان تغفل في ظروف ما عن النوايا العربية. هذا هو السيناريو الاسرائيلي الاسوأ او السيناريو الكابوس, لكن هذا السيناريو لم يحدث فطوال تاريخ اسرائيل لم يكن هذا كله سيناريو عمليا, واسرائيل كانت دائما اقوى مما تعترف به, كما ان اعداءها كانوا اضعف منها, ويتشككون بعضهم في البعض الاخر بدرجة او بأخرى. ومنذ حوالي ربع قرن توجد اتفاقية سلام بين اسرائيل ومصر, وهو السلام الذي وان كان بعيدا عن الدفء, الا انه بالاضافة لسيناء العازلة وغير المسلحة يجعل من السيناريو الاسوأ مستحيلا, لأنه يمنح اسرائيل فرصة تلقي الانذار قبل حدوث تحرك جدي يمكن ان يؤثر بشكل حقيقي على أمنها. ومع ذلك فان ذلك السيناريو شكل الاستراتيجية العسكرية الاسرائيلية وقوامها: * أولا: التأكيد على أولوية العمل العسكري. * ثانيا: نقل المعركة دوما الى ارض العدو. * ثالثا: التركيز على استراتيجية الضربة الاستباقية لابقاء العدو في حالة من فقدان التوازن. وهذا التفكير هو الذي قاد اسرائيل لغزو لبنان. على الاقل في بعض جوانبه. حتى الغزو الاسرائيلي للبنان, كان الشمال بمثابة العدو الوحيد الذي لم تنقل اسرائيل ساحة المواجهة الى داخل اراضيه. وحينها كانت المواجهة الاخطر هي مع الفلسطينيين ولخوضها فان الحل الامثل, حسب العقلية الاسرائيلية, تعريفها من وجهة نظر عسكرية, ثم تجهيز الرد العسكري الذي لابد ان يكون داخل اراضي العدو, والذي يتضمن ايضا ضربات وقائية في عمق اراضي العدو, وظل هذا التفكير هو المسيطر على عمليات اسرائيل في لبنان, الى ان انسحبت منه أخيرا. لكن هذا الفكر لم يكن مجديا في لبنان الاكثر تعقيدا, والذي حوله الوجود الفلسطيني لأكثر من مجرد جيب يسيطر عليه المسيحيون الموارنة اقتطعه الاستعمار الفرنسي من سوريا ليكون مجتمعا مزعزعا ومجزءا, كما ان وجود القوات السورية في لبنان يزيد من تعقيد وضعه وصعوبة السيطرة عليه من جانب الاسرائيليين. ومع مرور الوقت تعمقت مشكلة الاسرائيليين في لبنان, وقرارها بايجاد منطقة امنية في الجنوب كان يتطلب تورطها في مهمة السيطرة على شعب معاد في منطقة كثيفة السكان وذات طبيعة جغرافية خاصة. وحاولت اسرائيل حل المشكلة بتحويل المنطقة العازلة الى دولة عازلة من المسيحيين اللبنانيين والميليشيات المتعاملة معها وهو جيش لبنان الجنوبي. لكن هذه الدولة اصبحت هي بحاجة لمن يحميها وليست بالتي تحمي اسرائيل الامر الذي تسبب بنزيف من الخسائر البشرية لاسرائيل في حرب عصابات منخفضة الايقاع. في اسرائيل يجادل البعض بأن غزو لبنان كان ناجحا, لان اسرائيل لو لم تدافع عن المنطقة العازلة لكان عليها ان تدافع عن حدودها الشمالية. وهناك وجهة نظر اخرى تقول ان وجودها في جنوب لبنان قد عرضها لخسائر كبيرة في الارواح, اما الجدل الاخير فيقول بأن المشكلة الجوهرية مع حزب الله هي مشكلة سياسية, وليست عسكرية. فمصالح حزب الله واهتماماته هي في لبنان وليست في اسرائيل. واذا ما خرجت اسرائيل من المعادلة السياسية لحزب الله, فانه حينها سيتوجب على القوى اللبنانية والسورية ان تكون الطرف الذي يتعامل معه. ويبدو ان هذا الطرح هو الذي ساد في اسرائيل أخيرا. وما أراده ايهود باراك بانسحابه من الجنوب ليس تنفيذ قرار للأمم المتحدة بقدر ما هو اخراج حزب الله من صورة السيناريو الاسرائيلي الاسوأ, حتى يتمكن من التعامل معه على انه خطر ثانوي والقاء مهمة التعامل معه على السياسات اللبنانية والسورية. لقد أعادت اسرائيل اجراء حساباتها في الربح والخسارة ووجدت ان الامر لا يستحق ذلك الضغط اليومي الذي تتعرض له. اما بالنسبة لسوريا فهي حسب التصور الاسرائيلي وعلى المدى البعيد ليست قادرة على تشكيل خطر على اسرائيل انطلاقا من لبنان. فهل يكون الانسحاب من جنوب لبنان بداية لتغير في العقلية الاسرائيلية يشهد ادراكا بان الحل العسكري لن يكون مجديا دوما, وتبدأ باتباع سياسة اكثر واقعية مع جيرانها؟ بالتأكيد لا يزال القطاع الاكبر من الاسرائيليين يرفضون او يجدون انه من الصعب قبول تفكير جديد كهذا, وبالتأكيد ان الحكومة الحالية حتى لو كانت مقتنعة تماما بهذا التفكير لن تجرؤ على المضي بعيدا فيه, خصوصا فيما يتعلق بأقرب استحقاقات السلام, الا وهو الضفة الغربية.