يعمل احمد سرحان في وظيفة حكومية ويدير متجرا في العاصمة اليمنية بل انه أقلع عن عادة مضغ القات لكنه رغم ذلك يجد صعوبة في اعالة زوجته واطفاله الاربعة. وقال سرحان (32 عاما) في متجره الصغير الذي يقع على ناصية سوق قديمة في صنعاء (انني اعمل واكل. راتبي غير كاف. انني مضطر الى العمل كل الوقت) . وهو مثل كثير من اليمنيين يتذكر بحسرة الايام التي سبقت بداية الاصلاح الاقتصادي في عام 1995 التي حازت اشادة من صندوق النقد الدولي والبنك الدولي. في تلك الايام كان العمل في وظيفة حكومية يدر ما يعادل عدة مئات من الدولارات الامريكية. والآن بعد سداد الايجار والدخل الاضافي لا يتبقى سوى 88 دولارا شهريا. واليمن من افقر دول العالم وبالنسبة لكثيرين تسببت الاصلاحات في تفاقم المشاكل. ويبلغ متوسط الدخل السنوي للفرد في اليمن 280 دولارا في حين يعيش نحو 30% من السكان البالغ عددهم 17.5 مليون نسمة تحت خط الفقر. وعندما سئل جياني بريتسي ممثل البنك الدولي المقيم في صنعاء عن الوضع الذي سيصبح عليه اداء اليمن لو لم يطبق الاصلاحات رد بقوله (اعتقد ان الامور كانت ستزداد سوءا.) . وربما يلقي اليمنيون باللوم على الاصلاحات لكن الاقتصاديين والمسئولين يقولون ان البلاد كانت تعاني قبل بدء البرنامج. في ذلك الوقت كان اليمن يعاني من فصل 1.2 مليون من مواطنيه من أعمالهم في دول عربية خليجية اثناء ازمة الخليج في الفترة بين عامي 1990 و1991 . وعانت خزينة الدولة من الحرب الاهلية في عام 1994 بين الشمال والجنوب بعد اربع سنوات من الوحدة. وأدى التضخم المتزايد والعجز الضخم في الميزانية وتعدد اسعار صرف العملات الى ابعاد المستثمرين حتى المحليين منهم. والان اصبح الريال اليمني قابلا للتحويل تماما وتمت السيطرة على التضخم وخفض الى 4% وفقا لاحصائيات الحكومة وتم احتواء عجز الميزانية. وقال بريتسي بشان خطط الحكومة للتحرر الاقتصادي (مازال هناك الكثير الذي يتعين عمله لكنهم في الاساس حققوا معجزات) . ومن بين الخطوات الرئيسية التالية رفع الدعم عن وقود الديزل وهو قضية حساسة سياسيا في بلد يعتمد بشدة على العربات ومضخات المياه التي تعمل بوقود الديزل في المناطق الريفية. وفي عام 1998 ادى رفع الدعم عن البنزين وانواع اخرى من الدعم الى اندلاع اعمال شغب. وقال بريتسي ان الاقتصاد الذي يعتمد بشدة على النفط لم يتأثر كثيرا في عام 1998 عندما انخفضت اسعار الخام الى عشرة دولارات للبرميل في علامة على استقرار مؤشرات الاقتصاد الكلي نتيجة للاصلاحات. وقال بريتسي (رغم الصدمة الخارجية الهائلة تمكنوا بطريقة أو بأخرى من المحافظة على بيئة اقتصادية مستقرة) مضيفا ان الاقتصاد يلقى دعما الان من ارتفاع أسعار النفط. وتحسنت الصورة الاقتصادية لكن بريتسي قال ان النمو لم يواكب الزيادة السريعة في عدد السكان في اليمن بنسبة تصل الى 3.5%.. ويقدر البنك الدولي النمو الحقيقي في عام 1999 عند 3.6% ويتوقع ان يصبح 3.9% هذا العام رغم ان احصائيات الحكومة تقدره بنسبة 5.8% و7%. ولم يجتذب الاستقرار الاقتصادي مستثمرين خارج قطاع الطاقة الرئيسي. ويعتمد اليمن على انتاج 440 الف برميل من النفط يوميا ويخطط لتطوير احتياطياته من الغاز. وقال احمد محمد صوفان وزير التنمية والتخطيط لرويترز (الاستثمارات الاجنبية المباشرة في القطاعات الاخرى لم تزد بحق كما كنا نتمنى) . وقال ان الحكومة تركز الآن على اصلاح الادارة بما في ذلك محاربة الفساد الذي يقول محللون انه مثل الوباء لان المسئولين لا يحصلون على رواتب تكفي لاعالة اسرهم. ومن الاستثمارات الاجنبية القليلة خارج قطاع الطاقة استثمارات شركة بروكتر اند جامبل الامريكية العملاقة التي تصنع منتجات منزلية في مصنع في تعز جنوبي العاصمة. لكن اقتصاديين يقولون ان الشركة اضطرت الى خوض معركة قضائية حماية الاسماء التجارية لمنتجاتها ضد منتجين محليين قاموا بمحاكاة مسحوق الغسيل ومنتجات اخرى باستخدام اسماء مختلفة قليلا على العبوة مستغلين نسبة الامية المرتفعة في اليمن. ويتركز قدر كبير من امال اليمن في اجتذاب استثمارات اجنبية جديدة على ميناء عدن الجنوبي الذي كان محورا ملاحيا مزدهرا ومنطقة حرة قريبة. ويقول اقتصاديون ان المنطقة ستكون بمثابة اختبار لالتزام الحكومة بتشجيع الاستثمار. وتهدف الاصلاحات ايضا الى معالجة قضايا البيئة مثل استخدام المياه في دولة جبلية تمثل الزراعة فيها قطاع عمل رئيسيا. وقال بريتسي (يوجد نقص حاد في المياه في اليمن وهو الامر الذي يجعل من الصعب العيش في مناطق معينة من البلاد) مضيفا انه وفقا لمعدلات الاستهلاك الحالية فان صنعاء يمكن ان تواجه نقصا كبيرا في المياه خلال خمس أو عشر سنوات. غير ان الكثيرين من اليمنيين يشكون من انهم لم يشعروا بفائدة هذه الاصلاحات. وقال محللون ان بعضا من افقر السكان نجوا لان مجتمع اليمن القبلي له وسائله التقليدية في اعادة توزيع الدخل. غير ان القبلية لها اثارها على الاقتصاد. فقد اضعف تكرار خطف اجانب على أيدي افراد قبائل يشعرون بالاستياء ويطالبون بتحسين الخدمات في مناطقهم جهود اليمن في اجتذاب السياح. ويقول محللون ان تقاليد مثل مضغ القات التي يمارسها كثير من الرجال والنساء كل مساء يمكن ان تحول الدخول نحو شراء هذا المخدر بدلا من استخدامات منتجة اخرى. وتشير بعض التقديرات المستقلة الى ان اليمنيين ينفقون 20% من ايراداتهم على هذه العادة. رويترز