(كنت اود ان يكون قادة المعارضة معنا ونحن نستمع الى الدكتور مصطفى عثمان اسماعيل وزير خارجية السودان وهو يرد على وجهات نظر المعارضة بنداً بندا, لان حضور المعارضة كان سيختصر مسافة طويلة في الطريق الى الوفاق) . بهذا نطق الدكتور مصطفى الفقي مساعد وزير خارجية مصر للشئون العربية ورئيس اللجنة الفنية للمبادرة المصرية ـ الليبية للوفاق بين الحكومة والمعارضة, واضاف بعد المباحثات التي اجراها مع المسئولين في الخرطوم (اننا على اتصال دائم مع الحكومة الشرعية في السودان وان وجهات نظرها مقنعة وايجابية) . واضاف ايضاً في مؤتمر صحافي عقده قبل مغادرته الى القاهرة (لسنا سعاة بريد ولا حملة رسائل متبادلة) وذلك رداً على سؤال عن الوثائق التي حملتها اللجنة من المعارضة الى الحكومة حول الوفاق والمصالحة) . هذه الردود تصب كلها في اتجاه يرجح كفة الحكومة السودانية من وجهة نظر لجنة المبادرة المشتركة التي لم تصدر عنها كلمة اشادة واحدة وهي تتلقى منذ اسابيع في القاهرة الموقف التفاوضي للمعارضة مما يجعلها تشكك في نوايا اللجنة وانحيازها الى جانب الحكومة التي وصفها الدكتور الفقي بالشرعية بينما يرى الكثير من خصومها غير ذلك, والا لماذا الحوار والوفاق ولماذا المؤتمر الشامل ولمس غير مراقب في الخرطوم في قول الفقي بأن وجهة نظر الحكومة مقنعة وايجابية وهي تلميحات تشير الى ان الضغط سينصب على المعارضة من جانب الوسطاء لقبول وجهات النظر تلك اما نفيه عن اللجنة صفة (ساعي بريد) فيشير الى انها لن تدخل في رحلات مكوكية بين الطرفين. ويكمن هنا خطر اتهام المعارضة بالتعنت او عدم الجدية وبالتالي تجاوزها مما يعطي (الحكومة الشرعية) حق الوصول الى وفاق وطني استناداً الى قناعاتها او الدخول في تحالفات ثنائية مع بعض اطراف المعارضة. ويسود الاعتقاد في الخرطوم بأن مصر لعبت اوراقها الخاصة خلال مباحثات لجنة المبادرة المشتركة, وهو ما عبر عنه صراحة الدكتور موسى مادبو القيادي الناشط في تجمع المعارضة بالداخل والناطق باسم حزب الامة الذي يتزعمه الصادق المهدي رئيس الوزراء السابق لـ (البيان) بأن الجانب المصري اعطى اولوية لمناقشة الملفات التي تهم مصر مع الحكومة ومنها العلاقات التجارية والامنية واعادة الممتلكات المصادرة. وفعلاً اعلن الدكتور الفقي ان كل الملفات الحساسة تم فتحها خلال المفاوضات التي جرت بين الجانبين المصري والسوداني خلال اجتماعات اللجنة المشتركة بين البلدين التي تزامنت مع اتصالات لجنة المبادرة في العاصمة السودانية, واضاف الفقي ان الملف الامني يتقدم بشكل مطمئن للغاية اما بالنسبة للمديونية المصرية على السودان فقد تم تكوين لجنة البنكين المركزيين في البلدين كحصرها, كما تقرر فتح قنوات الاتصال للقطاع الخاص الاقتصادي بين البلدين وتسهيل حركة رؤوس الاموال الى جانب اقرار منح تأشيرات الدخول بدون تعقيدات لرجال الاعمال والدبلوماسيين في هذه المرحلة. والحقيقة التي يجب ان تدركها المعارضة بعد هذا الوضوح في ملفات العلاقات المصرية ـ السودانية الذي بدأ يتقدم على الصلات الطيبة للقاهرة مع المعارضة, ان المصالح بين الدول والحكومات لا تحكمها بنادق او خنادق المعارضين مهما علا شأنهم ولكن تتحكم فيها القرارات الرئاسية والجمهورية والدبلوماسية وعلى المعارضة ان تدرك ايضاً ان ليبيا الشريك الثاني في المبادرة لم تعد تلك الدولة التي تعبئ المعارضين ضد حكوماتهم كما فعلت مع المعارضة السودانية عام 1976 حيث اوصلت مقاتليها عبر الصحراء الى منزل نميري في الخرطوم. وتشكل الكلمات والتعبيرات التي اطلقها الدكتور الفقي في الخرطوم ومنها ان بلاده ستسعى لادخال السودان في مجلس الأمن من خلال علاقاتها الطيبة مع امريكا واوروبا والدول العربية والافريقية, تشكل سياسة جديدة تجاه الخرطوم تأخذ معها في الاعتبار اقصاء الترابي الذي كان يشبه السودان بـ (المدينة) ومصر بـ (مكة) . وبزوال هذا الخطر العقائدي لم تعد هناك حاجة للقاهرة لاثارة الخرطوم بخطر المعارضة, ومن هنا بدأت رحلة البحث عن مصالحها التي كانت ضائعة وسط مكايدات الدكتور الترابي. ولكن تظل هناك عقبة امام القاهرة لتطبيع علاقاتها بالكامل مع الخرطوم حتى اذا تجاوزت المعارضة تلك العقبة تتمثل في جون قرنق زعيم المتمردين الذي تضعه ايضاً مصر في خانة مصالحها اذا تهددها خطر انفصال جنوب السودان شريان المياه الرئيسي الى احواض قوتها ونمائها, ولكن مصر التي تستطيع ان تصل بالسودان الى عضوية مجلس الامن بامكانها بذات العلاقات التي ستوظفها لهذا الامر ان تحد من خطورة قرنق, غير ان هذا ربما يتطلب من الخرطوم علاقات اوثق وابعد من (التكامل) وتدخل فيها اتفاقية دفاع مشترك كانت القاهرة مرتاحة بها عندما عقدتها مع نميري, وثارت مصر عندما نقضها الصادق المهدي بعد ان افسح له المشير سوار الدهب العودة الى كراسي الديمقراطية, ولهذا عندما استقرت دبابة الفريق البشير في قصر الرئاسة بالخرطوم عبرت مصر عن سعادتها واجرى الرئيس مبارك اتصالات فورية لاقناع دول كبيرة بالاعتراف بالنظام الجديد في السودان, وفي غمرة هذا الفرح وصل الترابي الى السلطة. الخرطوم ـ يوسف الشنبلي