اخيرا وبدلا من تمزيق فاتورة القمح في اطار الشعار الذي رفعته (الايجاد) في سنواتها الاولى بالاعتماد على الذات كحائط متكأ يقيها استغلال القمح الامريكي من قبل اهله هاهي السفينة تافروس تعيد (ساعة البكور) الى الوراء حينما خرقت امريكا صفقة كان قد وقعها مكتب المعونة الامريكية بالخرطوم، عام 90 بتحويل سفينة القمح (سكر منتل) من بورتسودان الى جيبوتي مما اغضب حكومة الخرطوم لترفع شعاراتها التي تجاوب معها محمد احمد (نأكل مما نزرع ونلبس مما نصنع) اعتقادا منه ان المسألة باتت طوع من بيده الامر لكن (تافروس) التي افرغت 30 الف طن الاسبوع الماضي ببورتسودان اوصت ان الشعار كان للحماس والاستهلاك لا غير ذلك ان حكومة الخرطوم التي ظلت تلهث لتحسين علاقاتها مع واشنطن رغم ما اصابها من الجانب الامريكي ابتداء من المقاطعة الاقتصادية وضرب مصنع الشفاء عام 98 ووضع السودان في قائمة الدول الراعية للارهاب وغيرها من الحملات لتشويه صورة السوداني امام الرأي العام رغم ذلك اعتبرت الصفقة الامريكية التي استصحبت وفدا من منظمة القمح الامريكي بهدف الترويج للقمح بالسودان مع امريكا ونسيت او تناست ان اجيال الغد التي غنت (مادايرين دقيق فينا قمحنا كثير يكفينا) سوف لن تتقبل الامر كما تقبلته هي على علاته. ذلك لان مواطن الولاية الشمالية الذي كان يزرع القمح ويحصد مايكفي مونته ويزيد وجد نفسه امام مسئولية ان يسد حاجة الوطن بكامله حينما قررت الحكومة توطين القمح بولايتي نهر النيل والشمالية الا ان مشروع التوطين هذا اصطدم بالتكلفة العالية لانتاجية الفدان مما دفع بالمزارع الى القول بأنه في حل عن مشروع ادى الى ان تعرف الديون طريقها الى دنياهم ذلك رغم الآمال العريضة والطموحات التي صاحبت المشروع, وفي الجزيرة اقتطعت مساحات القطن لزراعة القمح الذي لم يتحقق الاكتفاء الذاتي منه رغم كل ذلك. والكمية التي تم افراغها في بورتسودان في طريقها للعاصمة الخرطوم انبرى عدد من الاقتصاديين والخبراء لتشريح المسألة منهم من اعتبر ان القرار الامريكي جاء نتيجة للضغوط التي مارسها رجال الاعمال والمزارعين في امريكا حيث اوضح وزير المالية السابق عبدالوهاب عثمان في استطلاع للصحافي الدولي في هذا الشأن ان الحصار المفروض على السودان منع رجال الاعمال والمزارعين من تصدير القمح وافقدهم الكثير من الاسواق في ظل المنافسة المفتوحة في الاسواق العالمية والشركات المختلفة, وطالبوا بمراجعة القرار لان الاستمرار في هذه السياسة احدث اضرار بالغة بالمصدرين الامريكيين. وقال ان ما حدث لا يعد تراجعا في السياسات موضحا ذلك بقوله لاننا كنا نقوم باستيراد القمح من من مناطق اخرى الا انه قال سنعمل خلال المرحلة المقبلة التي تشهد تصدير البترول على تنفيذ استراتيجية زراعية تقود في النهاية الى تحقيق الاكتفاء الذاتي عبر فتح الاستثمارات الاجنبية والمحلية في المجال الزراعي, مشيرا الى ان الجزيرة ليست المنطقة المناسبة لزراعة القمح الذي يتطلب مناخا معينا لانجاح زراعته. مضيفا ان الوفود الامريكية التي توافدت على السودان تأكد لها ان ما يثار عنه محض افتراء وكذب وخلص الى ان الحكومات العاقلة هي التي تنظر لمصالحها. عبدالرحيم حمدي وزير المالية الاسبق ومدير عام بنك الاستثمار اوضح ان الامر عادي وطبيعي من جانب امريكا التي فرضت الحصار وتنازلت عنه الان بمبادرة منها لانه اضر بمصالح المزارعين قائلا ان الدولة حيثما توسعت في زراعة القمح بسبب الضغوط الامريكية كانت سياسة استيراد القمح مستمرة ولم تتوقف وكان اعتماد على الذات للتخلص من الضغوط الامريكية. واشار حمدي الى ان الدولة لم تتدخل في استيراد القمح الا عام 91 لما سببه الجفاف والتصحر من نقص وتم لذلك تكليف بنك الشمال وبنك النيلين باستيراد الكميات المطلوبة مبينا ان هذا لا يعني فشلا في سياسة الدولة وانما تم السماح للاستثمار التجاري حيث احدثت سياسة التحرير نجاحات كبيرة بتجديد البنيات الاساسية لقطاع المطاحن والحوافز الاستثمارية التي مكنت من تأهيل هذا القطاع مما ادى الى وفرة كبيرة في الدقيق دلت على نجاح التحرير وقال حمدي ان هناك جهة لم يسمها تعاقدت على استيراد حوالي 3 ملايين طن قمح من امريكا لتغطية الاحتياجات خلال الثلاث سنوات المقبلة. بدوره اعتبر الخبير الاقتصادي د.بابكر التوم ان استيراد القمح من امريكا لايتعارض مع ثوابتنا ولا يعني انهزاما لسياستنا واستراتيجينمت مشيرا الى ان الاستيراد يتم من الاسواق التي توفر شروطا ومزايا وتسهيلات افضل وان تلك هي متطلبات الانفتاح الاقتصادي والمنافسة العالمية. وقال ان رفع الحصار خطوة ايجابية في اطار سعي الدولة لكسر الحصار وابعاده لتحقيق اهدافها ومصالحها واضاف اننا وجدنا ان زراعة القمح التي تمت في الجزيرة كانت بلا جدوى اقتصادية وكانت بسبب الضغوط الامريكية التي فرضت على السودان مبينا انه من الافضل ان تتوسع وتزيد المساحات الزراعية بطريقة اقتصادية مشيرا الى ان استيراد سلعة القمح لم يتوقف وكان يتم عن طريق اسواق اخرى والان امريكا تقدم تسهيلات ومزايا افضل. من جهته الخبير الاقتصادي عمر طه ابو سمرة دافع عن الصفقة منطلقا من ان السودان غير مؤهل لزراعة القمح موضحا ان سياسة الاستيراد لم تنقطع وان قرار زراعة القمح بالسودان خاطىء لما تتطلبه زراعته من مناخ معين كما هو الحاصل في اوروبا وكندا التي نجحت فيها زراعة القمح لتوفر المناخ المناسب. واضاف ابو سمرة حينما طرحنا شعار نأكل مما نزرع كان ذلك بسبب المواقف السياسية بيد انه قال ان منطقة حوض السليت بالشمالية يمكن ان تنجح فيها زراعة القمح مستدركا ان الامر يتطلب وجود استثمارات ضخمة وامكانيات عالية قائلا في هذا المجال ان مصر من انسب الدول التي تدخل معنا في هذا المجال وخلص الى ان توفر المطاحن الحديثة بالسودان الان حقق نتائج ايجابية واحدث وفرة كبيرة في الدقيق قائلا ان استيراد القمح لم يتوقف وظللنا نستورد كميات تكفي الاحتياجات الفعلية الكلية والاستهلاك المحلي. ويتبقى السؤال هل تعني هذه الصفقة مقدمة لرفع اليد عن مشروع توطين القمح بالسودان خاصة وان هناك جهات تعاقدت على استيراد ملايين الاطنان منه للثلاث سنوات المقبلة ام انها (تصبيرة) لحين اشعار اخر؟