أو يقوم بتعذيبه كما سمعنا من حكايات الاقطاع قبل ثورة يوليو.. كانت أمي في تصرفاتها منحازة بطبيعتها الى الناس الطيبين, وتعرف مثلا كل سيدات البلد, وأخبارهم.. أما أبي فكان تقدميا في فكره وتصرفاته.. مثلا كان يقوم بشراء الملابس وتوزيعها على الناس ليس من باب المباهاة أو النزوع الاجتماعي نحو حب الظهور وما الى ذلك.. وانما من باب المسئولية عنهم.. أقول هذا كملمح من ملامح والدي الذي تميز بتكوينه شخصية تجمع بين قائدا وطنيا فذا, ويتطابق في خطه السياسي مع ما حمله الوالد من رؤية تقدمية تجاه الأوضاع الداخلية في مصر.. والجانب التقدمي في تفكير الوالد جاء نتيجة تعليمه في جامعة السوربون بفرنسا لمدة ثلاث سنوات, وهناك تعرف عن قرب على تيارات الفكر السياسي المختلفة. وقبل أن يستكمل تعليمه اضطر الى العودة لمصر لوفاة والده (جدي).. وحمل في عودته ما تأثر به من الأفكار السياسية في فرنسا, وكما قلت وجد جانبا من هذا في ثورة يوليو.. ونقل الوالد هذا الجانب من الفكر الى أولاده وأنا واحد منهم. ذهب كل أشقائي الى المدارس العادية.. أما أنا فدخلت مدرسة المكفوفين.. وكانت الوحيدة من نوعها في القطر المصري, وتابعة لوزارة الشئون الاجتماعية.. وحين أذكر مرحلة حياتي المرتبطة بالدراسة في هذه المدرسة يأتي الحديث عما قلته في البدء بأنني ابن للطبقة الفقيرة ليس بمعني الثراء المالي, وانما المعايشة.. كانت عائلتي كما قلت اقطاعية ثرية.. لكنني في هذه المرحلة الدراسية عشت في قلب الطبقة الفقيرة.. فالمدرسة لم تكن لأبناء الفقراء وانما للأشد فقرا.. فالفقر والجهل في رأيي سببان مؤكدان للعمى.. كان زملائي في مدرسة المكفوفين تحت مستوى الصفر أي تحت الحدود الدنيا للفقر, لكن الفوارق تذوب أمام التحديات والظرف المشترك , وأمام الرغبة في الحياة, وتواصلها مع الآخرين.. ومن الطبيعي أن التجارب الانسانية ليس أمامك مفر إلا أن تعيشها مع من حولك.. واذا كان من حولك أصحاب محنة واحدة فالمؤكد أنهم سيبحثون عما يعينهم على الحياة, ومواجهة التحديات.. وتأسيسا على ذلك فان اهتمامك ينتقل اليهم, واهتماماتهم تنتقل اليك.. كل واحد يخلق عالمه الخاص الذي يشاركه الآخرون فيه.. مثلا.. أتكلم مع أصدقائي عن حصاني الذي أعطاه والدي لي, وقيادتي السريعة له الأمر الذي أدى الى وقوعي من عليه!.. كنت أحكي هذا, ويسمعه زملائي باهتمام بالغ وكأنه حقيقة, وكأن كل وا حد منهم عاش نفس الحكاية.. كنت أتحدث عن حكاية غريبة مثل هذه بحماس ورغبة, وعلى نفس الدرجة من الحماس والرغبة نستمع الى زميل يحكي عن مرضه, أو مرض والده, دون القدرة على العلاج لعدم وجود فلوس.. أقصد إن أقول.. أن الاهتمامات كانت مشتركة, رغم أنها تقف على طرفي النقيض في بعض الأحوال أو معظمها.. ومع ذلك كل واحد فينا أصبح جزء من قصص زملائه. هذا المناخ الذي أعتبره ابن مرحلة هامة في تشكي ل شخصيتي.. لم نكن نعرف الى أين سينتهي بنا.. فلم يكن هناك خطة مؤكدة من الدولة لاستكمال تعليم المكفوفين.. بمعنى أن كل واحد منا كان يعيش هذه المرحلة, ولا يعرف ماذا سيفعل فيما بعد.. ولم يبدأ التفكير الجدي في استكمال تعليمنا إلا بعد قيام ثورة يوليو 1952 وبالتحديد حين زار جمال عبدالناصر مدرستنا, ونحن أطفال.. وكان كتاب فلسفة الثورة الذي وضعه عبدالناصر سيتم طبعه بالبديل حتى يستطيع المكفوفون قراءته.. وكتب عبدالناصر يومها مقدمة خاصة لهذه الطبعة.. قال فيها: (ان الثورة لاتعرف معنى العجز, وكل ميسر لما خلق له) .. كانت هذه العبارة موجهة الينا كما كانت موجهة الى كل انسان يحمل اعاقة, تحثه على التحدي والانطلاق.. كان هذا على ما أذكر في عام 1955 وكان لي شرف مصافحة عبدالناصر, حيث قامت المدرسة باختيار عدد من الأطفال أصحاب المواهب, و(الحلوين) في الوقت نفسه للسلام على عبدالناصر.. وكنت أنا واحدا من هؤلاء.. كان هذا شرفا كبيرا لي أذكره دائما بكل فخر وتقدير واعتزاز, فالى جانب أن الرجل الذي صافحته جاء بالفعل في موعده مع القدر في تار يخ مصر, كما قال هو: (ان هذا الجيل من شعب مصر جاء في موعده مع القدر) .. أقول الى جانب كل هذا , فان للمكفوفين من جيلي الذين كانوا في هذه المرحلة في بدء حياتهم الدراسية حظ كبير, وشعور بالفضل تجاه عبدالناصر وثورة يوليو, لاتاحة الفرصة لهم في التعليم بشكل موسع, وضمان في الرعاية والاهتمام.. هذا بخلاف الشعور العام بقدر من المساواة والاحترام.. والى أن تعلمنا وانتهينا من هذه المرحلة انتظرنا المرحلة التالية في حياتنا, ولأني كنت مغرما بالموسيقى والعزف المبكر على آلة البيانو تخصصت دراسيا فيها, قبل الانتقال الى مرحلة الجامعة.. وأذكر أن الموسيقار الكبير كمال الطويل قال لوالدي وأنا في خامسة ابتد ائي, وبعد استماعه لي في العزف على البيانو (ابنك ده كأنه متخرج من معهد الموسيقى حتى المتخرج ين لايستطي عوا الوقوف أمامه) .. التعليم المكثف للموسيقى خلق تيارا تنافسيا في المدرسة: في سهراتنا.. نتفق على اجراء مسابقة حول حفظ توزيع علي اسماعيل لأغنية كذا أو كذا.. ونتفق في ليلة أخرى على مسابقة في عزف العود.. أو عزف مطلع على البيانو لأغنية ما.. وعلى شخص آخر أن يقوم باستكمال الب اقي دون أن يذكر أحد اسم الأغنية.. هذا المناخ التنافسي كان كفيلا بتنمية المواهب, وصقلها.. وفي الخلفية من هذا كما قلت قدر من الاطمئنان الاجتماعي يوفره المناخ السياسي السائد مع الثورة.. أضف الى ذلك ما يتعلق بي أنا شخصيا حيث الأب الذي يشجعني على إظهار قدراتي, وتعظيم ارادتي, والتأكيد لي على أن قوة الشخصية وعظمتها تكمن فيما يستطيع أن يقدمه الانسان لوطنه.. أما أمي فكانت هي المخزن الكبير الذي يمدني بحكايات وحكايات أفادتني كثيرا. يرويها: عمار الشريعي