أثار قرار الرئيس الاندونيسي عبدالرحمن وحيد بانتداب المفكر الاستراتيجي الأمريكي, هنري كيسنجر مستشارا سياسيا له, علامات استعجاب كثيرة, وسخر الكثيرون من اتجاه الرئيس الاندونيسي إلى الاستنجاد بالقوى الفكرية الأجنبية, لابتكار الحلول للمشكلة الاندونيسية, مع أن نفس تلك القوى تتهمها دوائر أندونيسية أخرى بأنها من جذور البلاء, وأس الداء. وسخر محللون آخرون من إعادة وحيد لانتاج تجربة بوريس يلتسين في انتداب أساتذة جامعة هارفارد لتخطيط السياسات الروسية, قائلين إن تجربة أساتذة الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة هارفارد, قد فشلت فشلاً ذريعاً في استنقاذ الاقتصاد والسياسة الروسية, فما الذي يغري الرئيس الاندونيسي بعد ذلك بتكرار التجربة وتجريب المجرب سلفاً؟! سليقة الاستحواذ في حالة هنري كيسنجر الأمر أفدح من ذلك بكثير, وذلك لطبيعة نفسية كيسنجر وأساليب تفكيره, وتعقد شبكة ارتباطاته العملية. يدعي هنري كيسنجر إنه من الصعب, إن لم يكن من المحال فهم شخصيته, بل إنه يذهب إلى أبعد من ذلك, حيث يسخف تلك المحاولة, ويسفهها, ويتهم كل من يقوم بها بالغباء, وهذه مجرد محاولة سياسية و(إرهابية) من كيسنجر لإثناء الباحثين وقمع أي اتجاه لدراسته دراسة نفسية علمية, فهو لايريد أن تتوفر أي أدبيات حول سيرته تساعد على فهم دوافعه ونسق تصرفاته فهماً صحيحاً. والغريب أن كيسنجر في دراساته الأولى, خاصة تلك التي نال بها إجازة الدكتوراه حول (ميترنيخ) كانت متركزة حول تحليل وفهم الدوافع وأنماط التصرف عند ذلك الداهية الألماني, وقد استهوى ذلك الفن الدراسي كيسنجر كثيراً, حتى إنه كان يفكر وهو طالب دراسات عليا في أن يغير مجاله الأكاديمي من العلوم السياسية, إلى علم النفس, والطب النفسي, ليتخرج طبيباً نفسياً, لا عالماً سياسياً, مهتماً بالتحليل النفسي. وحتى اليوم فإن نزعة التحليل النفسي لاتبارح كيسنجر, فهو يحلل شخصية كلينتون قائلاً: (إنه ما زال يخضع لأفكار شبابه, وخبرة شبابه, حيث يشعر بصورة غريزية بأن التأكيد على النفوذ الأمريكي على العالم, هو أمر غير سليم, لا لأمريكا, ولا للعالم, ويقول عن كلينتون: إنه مثال للزعامات العصرية الحالية, التي يشكلها التلفزيون, والصور المرئية, أكثر مما تشكلها الكتب أو الكلمات المكتوبة, فهو حصيلة (الصور) لا (المفاهيم) , ولذا فهو يستجيب بصورة عاطفية, وذلك هو سر تقلباته, وعدم تمسكه بمواقفه لفترات طويلة!! إن كيسنجر يبرع كما هو واضح في النص السالف في التحليل النفسي للسياسيين, أما في حالته هو فيقول إن تحليله نفسياً لا يعطي نتائج جيدة, ولا يساعد على فهم دوافعه, ولا طبيعة تصرفاته, فهو شخصية غامضة جدا لايمكن احتواؤها ولا إخضاعها للتحليل, ولذا يحسن أن يترك لحاله, ولا يوجد أي مبرر ليهدر الباحثون جهودهم في هذا المجال. وبالطبع فهذا محض هراء, فحتى من دون التحليل النفسي يمكن فهم طبيعة كيسنجر, إن أبرز صفاته النفسية, هي شخصية الاستحواذية فهو لا يرضى إلا بأن يكون مهيمناً, سواء على مرؤسيه, أو على نظرائه, أو على من يرأسونه كذلك. وفي تلك السياقات كلها لا يرضى بأن ينافسه أو يُناقشه أحد, أو يستدرك عليه أحد, أو يضيف إلى آرائه رأياً جديداً, ولذا كاد لروبرت كرين الذي عينه نيكسون في مجلس الأمن القومي, عندما برز كشخصية مستقلة بتكوين فكري مغاير, وكانت تلك هي مبررات كيسنجر للإطاحة بالدكتور كرين واستئصاله, وجرفه بعيداً عن الدائرة الضيقة لصنع القرار, وهي الدائرة التي أخذت تضيق مع الأيام حتى خلت لكيسنجر وحده. وها هو كيسنجر نفسه يحدثنا في كتابه (سنوات البيت الأبيض) عن ذلك فيقول إنه بقدوم عام 1970 كان قد أنهى عامي عمل مع نيكسون, كان يقوم صباح كل يوم فيها بالحديث التفصيلي المطول مع الرئيس, حتى قاما معا بتحليل كل المشاكل والطوارئ, وبنهاية ذينك العامين ـ يقول كيسنجر ـ أخذ نيكسون يتخلى له تدريجياً عن سلطاته في صنع السياسة الخارجية, وأصبح عاجزاً عن الإضافة أو الحذف من مقترحات كيسنجر لعلاج المشاكل والطوارئ, وبنهاية عام 1970 ـ يقول كيسنجر أيضاً ـ أصبح نيكسون لا يطلب مني أن أقدم له أي مذكرات أو مقترحات مكتوبة, وانما أطلق يدي لأفعل ما أشاء كيف أشاء وبلا أدنى تدخل منه .. (ص 805) وإذا كانت هذه هي طبيعة علاقة كيسنجر بينكسون, أقوى أشخاص السياسة الدولية لعهده, فكيف تكون علاقته يا ترى بعبدالرحمن وحيد الغارق في الأزمات حتى أذنيه, والمستضعف حتى من قِبل نائبته ميجاواتي؟! لا ريب أنه سيكون مستحوذاً عليه تماماً بين براثن كيسنجر, ومفوضاً إليه بالكلية عملية صنع قرارات السياسة الخارجية الأندونيسية, التي يفترض أن تكون أعمال سيادة وطنية منطلقة من المؤثرات الداخلية, ومستهدفة تحقيق المصالح القومية, ونائية عن التفريط في تلك المصالح تلبية لنصائح مشبوهة تأتي من كيسنجر. مصلحة من؟ ينتمي كيسنجر في بنائه الفكري إلى مدرسة الواقعيين وإرثة تراث الفكر المادي النفعي من لدن توسيديد, ومكيافلي, وهوبز, وجيرمي بتهام, القائلين بضرورة تركيز الدولة على مصالحها القومية, ولو على حساب المصالح القومية للدول الأخرى, أو على حساب مصلحة النظام الدولي أجمع, ولا يخلو كتاب بل لايخلو خطاب, أو مجرد لقاء تلفزيوني أو صحفي عادي مع كيسنجر, من ترديد تلك الفكرة, حيث لايني كيسنجر ينعى على الأمريكيين مثاليتهم, ودوافعهم الأخلاقية (!) في مجال السياسة الدولية, قائلاً إن ذلك يكلف أمريكا كثيراً, ويهدر كثيرا من مصالحها القومية, وقد آن الآوان لتفكر أمريكا تفكيراً واقعياً مصلحياً نفعياً محضاً. شخص مثل هذا ما تراه سيفعل بأندونيسيا غير تجيير سياساتها وقراراتها لخدمة المصالح القومية الأمريكية؟! إن سياسة أندونيسيا الخارجية ـ على الأقل في محيطها الباسيفيكي ـ ينبغي أن تكون منفصلة ومختلفة عن السياسات الأمريكية تجاه ذلك الإقليم, كانت أندونيسيا آخر دول ذلك الاقليم استعادة لعلاقاتها الدبلوماسية مع الصين (1991), ومنذ ذلك الوقت ما تزال تتباطأ في إعمار علاقاتها بالقوة العظمى في الاقليم, كما أنها لا تزال تصر على التحرش بماليزيا, والإبقاء على جذوات النزاع والتوتر معها حية متقدة, وكل ذلك يصب في مصلحة أمريكا التي لها دوافعها في الضغط على كل من الصين وماليزيا, باستخدام أندونيسيا, ووجه المفارقة اللافح هو أن أندونيسيا تعجز حتى عن التأثير على أوضاعها الداخلية, ومع ذلك تحاول أن تقوى على التأثير والضغط على نمرين آسيويين كاسرين؟! إن اندونيسيا هي الخاسرة في ذلك لا محالة ولا يرجى من كيسنجر الا ان يزيدها خسرانا على خسران, مصداقاً لقناعته بأولوية المصالح القومية الأمريكية على المصالح العالمية أجمع! إن هنري كيسنجر يصرح بأن أخطر ما يهدد الأمن العالمي, الآن هو الأصولية الإسلامية, والانفجار السكاني, وسوء توزيع الثروة عبر العالم, الأمر الذي يضاعف موجات الهجرة إلى أمريكا, بما يذكر بالهجرات التي حدثت في أواخر عهد الامبراطورية الرومانية, ولاندونيسيا نصيب موفور من كل تلك الإشكالات, وعبدالرحمن وحيد نفسه ربما كان من ضمن تلك الإشكالات, فهو محسوب على نحو من الإنحاء من ضمن الإطار الأصولي الإسلامي, فهل في جعبة كيسنجر من حلول تجاه ذلك سوى التوصيات بضرورة تراجع اندونيسيا عن كل ما يحقق مصالحها, لكل ما يحقق مصالح أمريكا؟! دوافع وحيد إن عبد الرحمن وحيد زعيم محنك, وقارئ جيد للتاريخ, وخلفيته تلك لا تسمح بالافتراض بأنه لا يفهم كيسنجر, ولا يعرف منطلقاته الفكرية, وأنماطه السلوكية, كما لاتسمح بالزعم بأنه يجهل أن علم السياسة ليس علماً محايداً, وإن الاستشارات (السياسية) ليست كالاستشارات (الطبية) يمكن أن يقدمها كل طبيب حاذق, إن العالم السياسي الحاذق, مثل كيسنجر, يمكن أن يكون ضارا جداً, إذ أنه لا يتمتع بالضرورة بأخلاقيات مثل الطبيب الحاذق, وما أصدق قول البروفيسور ستانلي هوفمان, زميل كيسنجر السابق في قسم العلوم السياسية بجامعة هارفارد, في كتابه الرائع (الهيمنة أم النظام الدولي) والذي كرس فيه فصلاً كاملاً عن كيسنجر, ووصفه فيه بأنه (صاحب الذكاء الشيطاني الشرير) , فمثل هذا النوع من الذكاء جدير بوحيد, وبأي قائد وطني حصيف, أن يحذره كما يحذر ذكاء إبليس! إن وحيد ربما أراد أن يستقوى بكيسنجر, وبنزعته العارمة المناهضة للأصولية, ضد الأصوليين الأندونيسيين الآخرين, ممن يعارضون سلطته أشد المعارضة, وفي هذا يخطئ وحيد أشد الخطأ, لأن كيسنجر ضد الأصولية على اختلاف أطيافها, وليس مع أصوليه, ضد أصولية أخرى إلا إلى حين. يبقى الاحتمال الأخير, وهو أن وحيد ربما يناور على الأمريكيين وعلى كيسنجر باستقدامه واستخدامه في أندونيسيا, إن وحيد يعرف أن كيسنجر واصل إلى أعلى مستويات صنع القرار في أمريكا, على مر العهود, وإن اعطاءه ذلك المنصب في اندونيسيا سيفيد اندونيسيا, ويفيد زعامته الشخصية بمصادر قوة ودعم أمريكية كثيرة, ولا بأس في غضون ذلك بدفع الثمن لأمريكا (ولااسرائيل) التي تم الاعتراف بها فور تنصيب وحيد. إن هذا الاحتمال الأخير هو الأرجح, ولكن المناورة ليست سهلة, لا مع أمريكا, ولا مع إسرائيل, ولا مع خلاصة الدهاء السياسي الغربي التي تركزت في عقل كيسنجر.