بدأ فصل جديد من فصول قضية السلام في الشرق الأوسط بعملية الانسحاب الاسرائيلي المبكر من جنوب لبنان, فصل ظاهره التفاؤل من تلك الخطوة الايجابية وغير المتوقعة عربيا أو عالميا, وباطنه التشكك والحذر من النوايا الاسرائيلية في المرحلة المقبلة على مسار التسوية الفلسطينية والسورية, خاصة بعد أن امنت اسرائيل في الغالب رصاص حزب الله واستماتته في المقاومة. ولقد جاءت عملية الانسحاب متواكبة مع غليان الشارع الفلسطيني ووقوع مصادمات دامية فقد خلالها الفلسطينيون ثمانية شهداء ومئات الجرحى, وقد بدت المصادمات وكأنها إيذانا باندلاع انتفاضة كبرى مجددا, كما تواكب الانسحاب مع تعثر المفاوضات على المسار السوري, وقد بدت اسرائيل في هذا وذاك وكأنها تضحي بمسيرة السلام مع سوريا وفلسطين مقابل أن تؤمن حدودها الشمالية من غضب المقاومة الاسلامية, ذلك الغضب الذي كلفها الكثير من أرواح وعتاد وأطاح بأمنها عقدين من الزمان. فما هو مستقبل عملية السلام في الشرق الأوسط في ظل المعطيات الجديدة؟, وهل يمكن أن تندلع انتفاضة جديدة خاصة بعد أن نجح حزب الله بالقوة في اجبار اسرائيل على الرحيل؟ وما مصير التسوية على المسار السوري والفلسطيني في ظل الوضع الجديد بالمنطقة؟ (الملف السياسي) طرح هذه الأسئلة وغيرها على روب لوتيك هاوس الأستاذ بمعهد الدراسات السياسية والاستراتيجية في هولندا والخبير في شئون الشرق الأوسط. تكرار السيناريو * ما هي انعكاسات الانسحاب الاسرائيلي من جنوب لبنان على مسارات التسوية الأخرى مع فلسطين وسوريا؟ - مما لا شك فيه ان الانسحاب المبكر من جنوب لبنان يطرح نوعا من التفاؤل لدى الجانب العربي المفاوض, وقد نلمس هذا التفاؤل لدى الشعب في فلسطين وسوريا أكثر منه لدى الساسة, فالشعب يحدوه الأمل لأن يتصور أن تنسحب اسرائيل فجأة من الأراضي السورية على غرار ما فعلت مع لبنان, وأن تحل القضايا المعلقة مع الجانب الفلسطيني. ولكننا من وجهة نظر أوروبية محايدة نستبعد تماما أن تكرر اسرائيل نفسها وتنسحب من الجولان أو تستجيب للمطالب الفلسطينية, وذلك من منطلق ان اسرائيل لم تتقاض في الواقع ثمنا مطلقا في عملية انسحابها من الجنوب, وكل ما ذكره باراك من الضرب بعنف ردا على أي ضربات من حزب الله على الجيش الاسرائيلي المنسحب, يدخل في اطار التهديدات القابلة للتنفيذ لان اسرائيل رغم انسحابها فهي غير واثقة تماما من توقف حزب الله بالفعل عن المقاومة من أجل الجارة سوريا أو الحق الفلسطيني, وقد جاء انسحابها لتوقف نشاط حزب الله العسكري بعد أن أصبحت أسباب المقاومة في الجنوب غير موجودة, والآن الشعب الاسرائيلي يأمل أن يعيش في الشمال بسلام بمنأى عن صواريخ الكاتيوشا التي تسببت في خسائر بشرية ومادية هائلة لهم على مدى عقدين من الزمان, ومن هنا نرى ان التفاؤل على الجانب السوري أو الفلسطيني ليس له محل في الواقع, بل من المتوقع أن تشهد المفاوضات مع سوريا لاحقا نوعا من التعثر حتى تحصل اسرائيل على الضمانات الأمنية مقابل تنازلها عن الجولان, ومتوقع أن يتمسك الجانب الاسرائيلي بشروطه, فجنوب لبنان في الواقع غير الجولان, الجولان تمثل لاسرائيل أهمية استراتيجية خاصة من حيث الموقع الجغرافي, وكذلك المستوطنات الاسرائيلية بها تمثل أكبر العقبات حال السير في طريق التسوية, واسرائيل حتى الآن لا تجد حلا مرضيا للمستوطنين هناك, كما يجب أن نعترف هنا ان سوريا فقدت ورقة (الجوكر) أو ورقة لعب هامة كانت تضغط بها على اسرائيل ألا وهي حزب الله. لذلك من المنتظر أن تشهد المرحلة المقبلة نوعا من التجميد في المفاوضات على الجانب السوري, ولكن لن يستمر هذا طويلا خاصة إذا اتضحت معالم موقف لبناني مساند للمطالب السورية, وإذا أعلن حزب الله وقوفه بجانب سوريا, وان كنت أستبعد النقطة الأخيرة بشكل شخصي, لان حزب الله عليه التقاط أنفاسه الآن بعد هذا الصراع الطويل, وأن يترك الشعب اللبناني في الجنوب ينعم بالسلام ويعيد اعمار دياره, وهذا هو الأصوب بالنسبة للبنان, إذ عليها أن تعيد لَمّ شتاتها تحت الشرعية الوطنية, فعلى الحكومة اللبنانية أن تسحب السلاح من الجنوب وتعجل بعملية تذويبه في الدولة واضفاء الشرعية عليه لاقرار الأمن, والحكومة اللبنانية تعلم ان طبيعة الجنوب من أراضيها من اليسير أن تنشب بها خلافات وحرب للعصابات فهي منطقة خصبة لذلك, وعليها تجنب هذا بعملية نزع السلاح منها, وترك المهمة الأمنية للقوات الدولية. موقف سوريا * ولكن هل من المتوقع أن تشهد المنطقة نوعا من التسخين سواء بتجدد انتفاضة فلسطينية أو بروز مقاومة سورية؟ - يسود اعتقاد لدى جميع الأوساط العربية ان الانسحاب الاسرائيلي إنما هو انتصار للمقاومة الاسلامية في جنوب لبنان, ولكن الواقع يقول ان اسرائيل لم تنهزم أمام ضربات حزب الله, بل الأصوب ان لبنان نفسها تكبدت خسائر هائلة في الجنوب وفي أهداف مدنية أخرى من قبل اسرائيل والتي كانت ترد بها على ضربات حزب الله, والواقع يقول ان حاجة اسرائيل للجنوب اللبناني لم تعد لها قيمة بالمقارنة للوضع الحالي الذي تمر به اسرائيل مع فلسطين وسوريا. فالجولان كما سبق الاشارة هي أهم لاسرائيل من جنوب لبنان رغم متاخمة الأخيرة للحدود الشمالية الاسرائيلية, فقد عانى باراك في الفترة الأخيرة من نوع من الحصار بين مفاوضاته على المسار السوري وتشدد سوريا في مطالبها من ناحية, وبين انهيار جيش جنوب لبنان الموالي له من قوات لحد من ناحية أخرى, وهو الانهيار الذي جاء في الواقع نتيجة نوع من اهتزاز ثقة جيش لحد في اسرائيل بسبب الخسائر التي أصيبوا بها على أيدي حزب الله, وبسبب التطورات السياسية على الجانب اللبناني من حيث وجود دولة وشرعية قانونية وجيش يتحدى القوى الاسرائيلية, فبدأ نوع من التخاذل بين صفوف الجيش الموالي, وبدأ نوع من التفكك, ولعل هذا التخاذل والتفكك هو الذي دفع اسرائيل للتعجيل بالانسحاب حتى قبل أن تضع خطة واضحة لمصير هذا الجيش الذي قام على خدمة أهدافها منذ عام 1978, هذا بجانب نقطة هامة وهي رفض لبنان الدخول مع اسرائيل في أي اتفاق يتم تحت مظلة الأمم المتحدة, الأمر الذي أدركت معه اسرائيل ان استمرار تواجدها في الجنوب خسارة لها لا مكسب, بل مضيعة للوقت. ولو حاولنا تطبيق امكانية نهوض نوع من المقاومة في الجولان أو فلسطين فسنجد ان الأمر هنا سيختلف, فسوريا كانت تعتمد على عناصر حزب الله لتحريك قضيتها والضغط على اسرائيل, ولا توجد لدى سوريا عناصر مقاومة لها وضوح التواجد والقوة العسكرية كما هو الحال لدى لبنان, ومن الصعب في الوقت الحالي أن يستنفر الأسد نوعا من المقاومة الشعبية لاختلاف الظروف والاستراتيجية, والرئيس الأسد الآن هو في غنى عن الدخول في متاهة طويلة من هذا النوع, فإذا كانت مقاومة حزب الله قد استمرت أكثر من 20 عاما حتى رحلت اسرائيل من الجنوب, فكم يلزم الأسد من وقت ليستنهض مقاومة ويحقق هدف رحيل اسرائيل. ومن جهة أخرى الوضع الداخلي السوري يجبر الأسد على التعجيل في تحقيق أمل عودة الجولان خاصة بعد أن استعادت لبنان أراضيها, فالشعب السوري ثائر وفي غضب من بعض الأوضاع السياسية الداخلية وتفجر فضائح الفساد بجانب المخاوف الشعبية الداخلية من عودة الجيش السوري من لبنان والذي يبلغ قوامه 35 ألفا, وهؤلاء مستفيدون من حيث الأوضاع المادية والتي تتولى لبنان الانفاق فيها, بجانب احتمالات لعودة عشرات الآلاف من الشباب السوري الذين يعملون في لبنان, والذين من الطبيعي أن تستغني لبنان عن نسبة كبيرة منهم بعد استعادتها للجنوب لتوفير فرص عمل لأبنائها, لذلك فسوريا سوف تجد نفسها مضطرة لقبول الواقع والانتظار لبدء جولة مفاوضات جديدة وما ستسفر عنه تداعيات المرحلة المقبلة. الوضع الفلسطيني أما فلسطين, فالوضع أيضا فيها مختلف, فقد نجحت السلطة الفلسطينية في كبح جماحها ومهادنتها, وما يحدث بين الحين والآخر إنما هي أحداث فردية من الشعب هنا أو هناك, لكن في الواقع لا توجد قوة مقاومة لها وضوح ومعالم يمكن أن تنهض من جديد, وحركة حماس كما سبق القول تلجمها السلطة الفلسطينية, وأدواتها ليست بقوة أدوات وآليات حزب الله كما ان وضعها مختلف, فهي تقاوم من نقاط تقع في الواقع تحت سطوة وهيمنة اسرائيل, ومن اليسير تطويقها أو القضاء عليها, وكل هذا لا يمنع أن تحدث مصادمات بين الحين والآخر بين الشباب الفلسطيني وجنود اسرائيل, ولكنها قد لا تصل إلى حد الانتفاضة كما سبق وأن حدث. * إذن ما هو المخرج أمام سوريا وفلسطين؟ - على سوريا ألا تعقد كثيرا من الآمال على لبنان بعد الآن حتى وان حدثت مساندة لبنانية معلنة, وأن يبادر الرئيس الأسد بالجلوس من جديد على مائدة المفاوضات مع أخذه في الاعتبار وضعه الجديد بدون ورقة حزب الله, وإلا طال أمد قضية الجولان إلى مدى لا يعلمه أحد. أما فلسطين فقد بدأت الآن في السير في طريق مفاوضات سرية مع اسرائيل بعيدا عن خط المفاوضات المعلنة, وتجرى في هذه المفاوضات تقسيم القضايا الرئيسية كل على حدة على أن يتم تشكيل لجنة خاصة للتباحث حول كل قضية, كمشكلة الأسرى واللاجئين وكيان الدولة الفلسطينية, وإذا كان هذا التقسيم لا يرضي المعارضة في فلسطين, إلا أن السلطة الفلسطينية قد تجد نفسها مضطرة لقبول هذا التقسيم في المفاوضات حول هذه القضايا, وقد ترى ان هذا أفضل لها من تعثرها أو تجمدها بدون حل, خاصة وان ياسر عرفات محاصر الآن بمطالب اعلان الدولة. أجرى الحوار: د. سعيد السبكي