احدث الهروب الاسرائيلي من جنوب لبنان بالتزامن مع انتفاضة شعبية واسعة في الاراضي الفلسطينية المحتلة تحولا جديدا في آفاق الصراع الغربي الصهيوني واحتمالات التسوية المطروحة على مختلف مسارات التفاوض. فلأول مرة تنسحب اسرائيل من ارض عربية تحت ضغط المقاومة الوطنية والرفض الشعبي, مما يطرح تحديات كبيرة على القيادات السياسية ويثير الكثير من التساؤلات حول انعكاسات هذا الحدث على التطورات في المنطقة وخاصة على (الملف) التقى القيادي البارز نايف حواتمة الامين العام للجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين, حول رؤيته لتطورات الاحداث ومستقبل التسوية الديمقراطية والخيارات المتاحة بعد الانسحاب الاسرائيلي من جنوب لبنان. وفيما يلي نص الحوار.. خيار الانتفاضة * ما يجري الآن في الارض المحتلة يذكرنا بأيام الانتقاضة, هل ترى في هذا الغليان العارم للشعب الفلسطيني بداية انتفاضة جديدة وان كانت كذلك ما هو مداها وتفاعلاتها فلسطينيا واسرائيليا؟ ـ بالفعل ما يجري الآن داخل بلادنا فلسطين يذكرنا بوهج الانتفاضة الباسلة, ويعيد للاذهان هبة الاقصى عام 1996, فالشعب الفلسطيني يعيد من خلال تحركه وفعله الراهن على الارض وصراعه مع الاحتلال بكل الادوات المتوافرة التأكيد على حقوقه الوطنية, والتأكيد على تمسكه بحقه في العودة وتقرير المصير والاستقلال ورفضه لمنطق الحلول اللامتوازنة التي تنتقص وتقزم من حقوقه الوطنية. ان ما يجري الآن وما يعتمل داخل الارض الفلسطينية يبشر بالكثير ويؤكد لكل الذين اعتقدوا بأنهم قد يستطيعون كتابة تاريخ الشعب الفلسطيني ونهاية كفاحه كما يريدون بأنهم فشلوا في ذلك فالشعب الفلسطيني بكل الآلام وبكل المصاعب ما زال يحمل خزانا هائلا من الاستعداد للتضحية واستمرار الصراع طالما بقي لاجىء فلسطيني واحد وطالما بقيت القدس والارض الفلسطينية بيد الاحتلال وطالما لم تقم الدولة الفلسطينية. ان ما يجري يبشر ايضا بأن زمن الانتفاضة لم ينته بعد وان كل الادوات والانماط والوسائل الكفاحية مشروعة ويمكن ان تأخد مداها. بالمقابل, ونحن نتحدث بموضوعية وواقعية, لابد من التأكيد بأن اي استخدام تكتيكي صغير لفعل شعبنا داخل فلسطين خاصة مع انكشاف وانفضاح قنوات التفاوض السرية وتداخل القنوات ما بين سرية مفضوحة وما بين علنية بعيدة عن الشعب وائتلافه الوطني, ان اي استخدام تكتيكي لن تكون نتيجته سوى خسارة وهدر جديد لكفاح شعبنا. اننا ندعو الى اعادة رص الصفوف الفلسطينية من جديد, على قاعدة وطنية ائتلافية مشتركة, ووقف مفاوضات اللاتوازن السرية وغيرها والعودة الى الخيارات الفلسطينية الوطنية بانتفاضة جديدة متطورة تحت قيادة اوسع اطار فلسطني وبها نستطيع ان نحصد نتائج العمل على الارض بتغيير الواقع وتوليد المناخات الجديدة التي تدفع الاحتلال للانصياع لقرارات الشرعية الدولية والحل الوسط القائم على اساس حق الشعب الفلسطيني في العودة وتقرير المصير والاستقلال. التوطين مرفوض * ماذا تتوقعون للوضع في مناطق الحكم الذاتي بعد وقف المفاوضات السرية والتعثر على المسار الفلسطيني؟ ـ مهزلة المفاوضات السرية تذكرنا بالتجربة الاليمة السابقة التي وقعت في اتفاق اوسلو الاول حين تم طبخ هذا الاتفاق عبر القناة السرية الساخنة وعلى يد افراد وضعوا انفسهم مكان الشعب الفلسطيني, بينما كانت تجري في واشنطن المفاوضات العلنية التشكلية بدون علم رئيسها من الجانب الفلسطيني الدكتور حيدر عبدالشافي. والسلوك الاسرائيلي الاخير يندرج في اطار الاستفراد بالطرف الفلسطيني بمفاوضات سرية دون رقابة ومتابعة الشعب الفلسطيني ووسائل الاعلام ودون وجود طرف نزيه محايد, وكل ذلك يضع الطرف الفلسطيني في موقع ضعيف جدا وتحت مسلسل من الضغوط الاسرائيلية ولعبة عض الاصابع. لذلك نحن ندين هذه المفاوضات السرية اللاديمقراطية والتي ليس للشعب الفلسطيني او اي من المؤسسات الوطنية علم بها ونعتقد جازمين بأن مصير الشعب الفلسطيني وقضايا الحل الدائم لا ترسم على يد افراد او على يد اطار ضيق بالسر. بناء عليه, خاصة وان المطروح اسرائيليا كما في كل الوثائق التي قدمت الى المفاوضات السرية او المفاوضات العلنية في بولينج 1,2 وايلات كما ترشح من المعلومات التي تسربت يشي بكل ما هو سلبي ويؤثر الى امكانية نهوض فلسطيني جديد ضد الاحتلال خاصة وان المطروح هو دولة كيان ناقص السيادة, مقطع الاوصال وبدون ترابط جغرافي على ثلاثة كانتونات وبدون حدود فلسطينية اردنية فضلا عن قضيتي القدس والشتات. * كيف ستتعامل المقاومة الفلسطينية في لبنان مع الوضع الجديد بعد الانسحاب الاسرائيلي من الجنوب؟ ـ نحن في لبنان كنا وما زلنا ضيوفا على ارض وشعب لبنان, لنا ما لهم وعلينا ما على كل وطني لبناني لذلك كنا وما زلنا مقاتلين من اجل تحرير كامل ارض جنوب لبنان ومدافعين من اجل حرية ارض وشعب لبنان والبندقية الفلسطينية سارت في هذا الاتجاه, فضلا عما شكلته من حماية لمخيماتنا ضد العدوان الاسرائيلي. والآن فإن البندقية الفلسطنية في خدمة مشروع انهاء الاحتلال حتى آخر شبر من جنوب لبنان المحتل وعليه نثمن في الوقت ذاته الموقف اللبناني الذي تحدث ويتحدث عن حق لاجئي شعبنا بالعودة والربط بين السلام وانهاء الصراع على المسار اللبناني ـ الاسرائيلي بحل قضية اللاجئين من شعبنا بالعودة الى ديارهم بعد سنوات طويلة من الشتات والتشرد فوق الارض اللبنانية كما هو باقي الشتات الفلسطيني. بكل الاحوال نحن جزء من الشعب الفلسطيني الذي تمثله منظمة التحرير باطارها الوطني العريض ونأمل بعلاقات كفاحية وطنية قومية تربط حكومة وشعب لبنان مع شعب فلسطين وممثله الشرعي ومن هذا المنطلق تقدمنا بأكثر من مذكرة الى الحكومة اللبنانية تشير الى ذلك, مع تأكيدنا على رفض اي سناريوهات مشبوهة تتحدث عن التوطين او ما شابهه. هزيمة الاحتلال * ما هو تقييمكم لمستقبل العملية السلمية في ضوء توقف جميع المسارات وما هي الاحتمالات المتوقعة سواء لجهة التسخين والتوتر ام باتجاه العودة للمفاوضات؟ ـ العملية التفاوضية محكومة بجملة من التعقيدات التي تلخص تعقيدات الصراع الطويل بين شعبنا الفلسطيني والامة العربية من جهة والعدو التوسعي الاسرائيلي من جهة ثانية. لذلك من الطبيعي جدا ان تعتري العملية التفاوضية كل اشكال التسخين والتوتر من حين الى آخر, خاصة مع بروز عوامل جديدة كل يوم وفي ظل ميزان قوى مختل, وبأوضاع عربية شبه منهارة وفاقدة لعناصر القوة واوراقها المتناثرة هنا وهناك. اننا نتوقع دوام الحال الراهن من جهة التقدم البطيء والاستعصاء اللاحق ونعقتد بأن المخرج من هذا المأزق يتمثل بالعودة نحو ترتيب الاوضاع العربية, وترتيب الاوراق التفاوضية وتوليد الاجواء التي تفتح الدروب نحو تسوية جديدة متوازنة تقوم على اساس فعلي من المرجعية الدولية. ومن هذا المنطلق نرى في الانسحاب الاسرائيلي من جنوب لبنان خطوة مهمة على صعيد تطوير الوضع التفاوضي العربي, ونعتبر الموقف السوري الثابت على اساس التمسك بالمرجعية الدولية والانسحاب الاسرائيلي الى خط 4 يونيو 1967 في السياق ذاته. بالمحصلة ان كل الاحتمالات واردة وكل المؤشرات تتحدث عن استمرار التمسك الاسرائيلي بمنطق الحل البعيد عن اطار المرجعية الدولية خاصة على المسار الفلسطيني ـ الاسرائيلي, ولكل هذا فالمضاعفات مرئية والدليل المسلسل الطويل منذ اوسلو بل ومنذ مدريد الى الآن. * ما هي الخطوات التي يتخذها فصيلكم لمواجهة المستجدات على الساحتين الفلسطينية واللبنانية؟ ـ من حيث المبدأ ان ما وقع على المسار اللبناني وهزيمة قوات الاحتلال والمتعاونين معها يشكل انتصارا كبيرا للشعب الفلسطيني وللبندقية الفلسطينية التي كانت وما زالت في خدمة لبنان ومقاومته الباسلة ومع ذلك لا نستطيع ان نتحدث الى الآن عن اغلاق جبهة الصراع اللبنانية انطلاقا من الجنوب مع العدو الاسرائيلي فالعدو ما زال يتمسك برفض الانسحاب من مناطق شاسعة من جنوب لبنان خاصة من مزارع شبعا التي تبلغ مساحتها اكثر من ثلثي مساحة قطاع غزة وتسيطر على جزء من الجوف المائي لجبل حرمون (الشيخ) فضلا من ان بقاء اكثر من 400 الف لاجىء من ابناء شعبنا فوق الاراضي اللبنانية مما يولد استمرار عملية الصراع مع العدو وبقاء الملف مفتوحا وهذا ما تشير اليه تصريحات القيادات الحكومية اللبنانية, وتصريحات قادة المقاومة في حزب الله. من جانب آخر ندعو السلطة اللبنانية الى مد سيادتها الى كل المواقع والمخيمات الفلسطينية, فهذه المخيمات جزء من ارض لبنان. وبذات الوقت ومن موقع المصير المشترك ومن موقع الاشقاء ومن موقع المصلحة الوطنية والقومية نأمل من حكومة لبنان رفع وايقاف كل القوانين التي تجعل من الوجود الفلسطيني والحياة اليومية مصدر قلق لشعبنا خاصة تجاه حقه في التنقل والعمل. فمحاصرة المخيمات وحرمان شعبنا من العمل بأكثر من 73 مهنة يدفع نحو حلول التطفيش والهجرة وليس نحو حق العودة والتمسك والبقاء قرب الوطن. حاوره في دمشق: يوسف البجيرمي