ذهبت الانتفاضة الفلسطينية من افق الصراع الصهيوني العربي فجأة, مثلما حضرت فجأة, لا احد من المهمومين بمسار حركة المقاومة يعرف على وجه اليقين والقطع كيف شقت الانتفاضة طريقها الى الوجود, وكيف اختفت وما هي الثمار التي عادت على القضية الفلسطينية من قيامها وقعودها, لكنها كانت نمطا فذا من المقاومة. واذا كانت عملية اوسلو العقيمة هي بنظر البعض نتاجا للاتفاضة الكبرى بين اواخر الثمانينيات ومطلع التسعينيات من القرن الماضي, فلابد أنه حصاد هزيل, لا يتوازى والقوة الرمزية والفعلية عبر نموذج المقاومة بالانتفاضة. بصيغة اخرى هناك حسابات خاطئة في نسبة اوسلو الى الانتفاضة ,اذ كيف يتمخض حدث بطولي خارق عن ما يشبه حصاد الهشيم في اوسلو؟ ثم انه لو كانت التسوية المهيضة في اوسلو ومنتجاتها هي محصلة انتفاضة الثمانينينات الآفلة, فما حاجتنا لانتفاضة جديدة, قد تفضي الى محصلة مشابهة؟ ومع ذلك فإن الانتفاضة الام ما زالت مصدر الهام لكل من يراوده الامل في احياء زمن المقاومة الذهبي وكل من يسعى لاعادة تصحيح مسار التفاوض وموازين القوى. الانتفاضة بهذا المعنى راحت تستخدم كرأس مال رمزي كلما عن للبعض التلويح بالمقاومة. لكن هذا الاستخدام محفوف بمحاذير فهو على الاقل يقوم بعملية اسقاط لظروف مرحلة معينة من مراحل المقاومة على مرحلة اخرى, بدون اخذ المستجدات والمتغيرات بعين الاعتبار. محاكاة الانتفاضة بين نهاية الثمانينيات من القرن الماضي والوقت الراهن مرت مياه كثيرة تحت جسر القضية الفلسطينية, حدثت تغيرات في بيئة القضية ومن ثم محددات المقاومة بالانتفاضة. وليس من الموضوعية في شيء ان يجري التفاضي عن هذه الحقيقة المهمة, ولعله من الاجدى ان يتم التمييز بين الشوق الفلسطيني (العربي!) لزمن المقاومة والرغبة في اعادة الاعتبار لهذا الزمن وبين التعلق بالانتفاضة لمحاكاتها واعادة انتاجها بالتحديد. كانت الانتفاضة الكبرى في وقتها نتاجا لظروفها الخاصة وليس من الضروري ان ننتظر اعادة السيناريو الذي انتجها بالكامل فالتاريخ لا يكرر ذاته حرفيا ومن هذا المنطلق فإننا نكيف العمل المقاوم الذي تصاعد مؤخرا في اطار ظروفه الخاصة به ايضا ونعتبره هبة اخرى من عشرات الهبات التي تظهر وتخبو بين الحين والآخر نتيجة عوامل بعينيها. هبة مايو 2000 ليست انتفاضة جديدة كالتي عرفتها التجربة الفلسطينية في ثمانينيات القرن الماضي ولا ينبغي ان نحكم عليها او نقيمها وفقا لنموذج تلك الانتفاضة القياسي. كان من سمات الانتفاضة الشمول على صعيد المكان (كل الارض المحتلة عام 1967) والاستمرارية (اكثر من خمس سنوات متتالية) والمشاركة (كل قطاعات الشعب الفلسطيني) والاهداف (التحرير والدولة في حدود 1967) واللجوء لأنماط المقاومة المدنية (تجمعات, تظاهرات, عصيان مدني جزئي, الرشق بالحجارة, مسيرات عامة كبيرة, اضرابات.. الخ). ولم يكن بالضفة وغزة حينها سلطة حكم ذاتي اداري ولا شرطة فلسطينية ولا كل الحقائق الماثلة بفعل عملية التسوية. لهذا ولغيره مما يضيق المقام بذكره, فإنه من غير الجائز اجراء مقارنة او مشابهة كاملة بين الهبة الحالية والانتفاضة, ولا يعد ذلك انتقاصا من قيمة هذه الهبة وانما يدفعنا الى هذه الملاحظة الرغبة في عدم التهوين وكذا عدم التهويل في قراءتها ومعرفة افقها وحدود عطائها. النموذج اللبناني تأتي هذه الهبة في سياق مجموعة من الحوافز: فهناك حالة الاحباط العام من نمط التفاوض الجاري بلا جدوى.. الهبة تمثل اعلانا عن الاحتقان. الكبير الذي يغلي في المرجل الفلسطيني وهي في الوقت ذاته قد تكون تنفيسا متعمدا لهذا الاحتقان. ولعل الجانب الاسرائيلي قد فهم الامر على هذا النحو, حين هدد بقصف مقر عرفات. فالاسرائيليون يتصورون ان السلطة الفلسطينية توجه غضب الشارع الفلسطيني ازاء اسرائيل اما بهدف توظيف الهبة لصالح مفاوض السلطة واما بغرض افراغ شحنة الغضب تحت عينها بدلا من وقوع الشارع اسير شعارات القوى المناهضة لها. وهناك صدى الانتصار اللبناني في الشمال الذي اعاد الاعتبار لذهنية المقاومة. فمن المحتمل جدا ان الشارع الفلسطيني يتساءل ما اذا كان نضاله الممتد لا يستحق مثل هذا الانتصار؟ ومن المثير في غمرة الحدث اللبناني الكبير, ان يكون النموذج الفلسطيني الأصل في اجتراح المقاومة, هو الذي يتطلع إلى محاكاة نمط المقاومة اللبناني!! وهناك, السبب المباشر للهبة, وهو اظهار التضامن مع المعتقلين الفلسطينيين في السجون الاسرائيلية, سجون المفاوض الاسرائيلي, وهناك قبل ذلك وبعده تزامن هذه الحوافز جميعا وذكرى النكبة الأم عام 1948. وفي تقديرنا ان البطل الحقيقي والمسئول الأول عن هبة مايو 2000 هو ارادة المقاومة الفلسطينية, فرغم ما لحق بهذه الارادة من محاولات ابتزاز وتفريغ واشغال بمظاهر استقلالية زائفة خادعة, فإنها لم تفقد حس القدرة على التعبير. ويبدو شأن هذه الارادة ومستوى صلابتها مدهشا حقا, فبأخذ الظروف والمحددات الموضوعية المحيطة بشعب الضفة وغزة في الاعتبار, تظهر فرصة المقاومة هناك على درجة من الضعف. ان كل الحقائق المتفاعلة في الضفة وغزة والقدس تدعو للوهلة الأولى إلى اليأس, فقوى السلطة الفلسطينية محشورة تحت ضغوط تعاقدية طاغية من جانب اسرائيل ومحازبيها(كالطرف الامريكي غير النزيه بالمرة), والقوى المعارضة للتسوية المهينة مضغوطة من كل حدب وصوب فلسطينيا واسرائيليا واقليميا ودوليا, والشعب الفلسطيني في الداخل والملاجئ موضوع قيد المراقبة الدقيقة من كل هذه الأطراف, ومع ذلك تتمكن قطاعات من هذا الشعب من الافلات واتيان الفعل النضالي المقاوم, ولو على شكل هبة محدودة بين الحين والحين. تجاهل متعمد وهذا هو الدرس الذي لا تريد قوى التسوية المتعثرة ان تعيه, فبدلا من الانصياع للحقيقة التي تأكدت على مدار أكثر من قرن, وهي ان الشعب الفلسطيني يملك طاقة لامحدودة على العطاء, تصل إلى حد المعجزة, بدلا من ذلك تدفن اسرائيل والقوى الداعمة لها رؤوسها في الرمال, وتلجأ إلى حيل صبيانية ومشاجب تعلق عليها (حالة التوتر) في الأرض الفلسطينية. اسرائيل تهدد السلطة الفلسطينية التي تتردد في التحول إلى سوط يلهب ظهر الشعب الفلسطيني وموظف لدى ادارة الأمن الداخلي (الشين بيت), والولايات المتحدة تتحدث عن صعوبة التفاوض تحت ضغط الفوضى في الشارع العام, وتنادي بضبط النفس والعودة لموائد التفاوض. انها مواقف الاستحماق والتغابي التي طالما أزهقت فرص التسوية على مدار الصراع الصهيوني الفلسطيني. على كل حال, لا يعيب النضال الفلسطيني ألا تكون هبة مايو 2000 كالانتفاضة الكبرى, فقوة الفعل النضالي تتأتى كما أشرنا من التعبير عن استمرارية ارادة المواجهة/ المقاومة, ولكن العيب سيقع مجددا على كل المعنيين بمسار القضية الفلسطينية ان هم تمترسوا عند تقديراتهم غير الصحيحة, فاسرائيل تخطئ ان لم تع اي شعب تواجهه, والسلطة الفلسطينية تخطئ بدورها ان لم تدرك أي شعب يفترض انها تقود, والولايات المتحدة تشارك في الخطأ ان بقيت أسيرة الصورة التي كونتها الصهيونية للصراع في فلسطين. إذا لم يحدث هذا الاستدراك, وهو غالبا لن يحدث, فسوف نكون عندئذ بصدد احياء للمقاومة الفلسطينية بغض النظر عن النمط الذي يوافقها في حينها. بقلم: د. محمد خالد الازعر كاتب فلسطيني مقيم في القاهرة