جاء الانسحاب الاسرائيلي من الجنوب اللبناني قبل أيام قليلة ليؤكد مجددا أن اسرائيل لاتعرف إلا لغة القوة, كلغة وحيدة تفهمها وتعمل حساباتها كلها على أساسها, فهي وبعد أن وجدت أنه لا قبل لها بالضربات الموجعة والمؤلمة التي تنهال عليها من أفراد حزب الله, تلك الضربات التي كبدتها خسائر بشرية ومادية رهيبة, وبحيث أصبح الجنوب اللبناني مستنقعا لها ولقواتها.. سارعت بالانسحاب من الجنوب اللبناني تحت جنح الظلام وبصورة تعكس ورغم أن الجميع مازالوا في حالة فرحة غامرة بهذا الانتصار المدوي الذي حققه الشعب اللبناني ومقاومته الوطنية فان هذا لايمنع من الحديث عن المستقبل, وخاصة أنه بالانسحاب الاسرائيلي من جنوب لبنان نشأ واقع جديد, واقع يتطلب درجة عالية من ضبط النفس حتى يعود الاستقرار الى هذه المنطقة, واقع يحتاج الى تضافر الجهود حتى لا يندلع الصراع مجددا وخاصة ان اسرائيل تشعر بمدى الهزيمة التي منيت بها, ولذلك فمن المؤكد أنها ستحاول الثأر وبطريقة تحفظ هيبتها. (الملف) التقى الدكتور مصطفى علوي أستاذ العلوم السياسية ووكيل كلية الاقتصاد والعلوم السياسية, والدكتور عماد جاد الخبير بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية في محاولة لالقاء الضوء على تطورات الأحداث بعد الانسحاب الأسرائيلي من جنوب لبنان وخاصة ما يتعلق منها بمستقبل المقاومة اللبنانية, وتأثير الانسحاب على المسار السوري, وامكانية أن يؤدي هذا الانتصار الى زيادة الغليان الشعبي في الأراضي الفلسطينية وحدوث انتفاضة جديدة, والدور الأمريكي في التسوية السلمية في ظل المعطيات الجديدة وخاصة أن الانتخابات الأمريكية على الأبواب. حدث مهم وكبير بداية يقول الدكتور مصطفى علوي أستاذ العلوم السياسية ووكيل كلية الاقتصاد والعلوم السياسية: في تقديري أنه سيمر بعض الوقت قبل أن تتضح الصورة فيما يتعلق بمستقبل عملية التفاوض على المسار السوري الاسرائيلي, فالانسحاب الاسرائيلي من جنوب لبنان والطريقة التي تم بها هو بلاشك حدث مهم وكبير ويستلزم ترتيبات أمنية وسياسية يفترض أن تقوم بها الأمم المتحدة, حتى لا تنشأ بعد الانسحاب مواقف تؤدي الى تصاعد الصراع مجددا ما بين لبنان واسرائيل. حزب الله دخل الى المنطقة المحررة, وفي الوقت نفسه دخلت الأمم المتحدة, ومازالت هناك بقايا لبعض المشكلات المتمثلة في وجود بعض المناطق التي لم تتحرر بعد مثل مزارع شبعا, هذه الترتيبات تحتاج وقتا وتحتاج زيادة في حجم قوات الأمم المتحدة وهو ما يستلزم اصدار قرار جديد من مجلس الأمن, فالموجود حاليا من القوات هو 4500 جندي والمطلوب 9 آلاف حتى تستطيع الأمم المتحدة القيام بمهامها تجاه موضوع الحدود بين الطرفين, وخاصة أن الأمم المتحدة دخلت طرفا في موضوع مزارع شبعا حيث أشار تقرير الأمين العام الى أنها أراض سورية, في حين تؤكد سوريا ولبنان أنها أراض لبنانية, وهذا يعني أن الوضع غير مستقر ويحتاج الى وقت حتى نتأكد من استقراره وعدم تفجره مجددا وخصوصا مع اعلان المقاومة اللبنانية أنها ستستمر في النضال. ويضيف الدكتور مصطفى علوي: أيضا هناك دور مطلوب من سوريا أن تلعبه, وهو ممارسة الضغوط على الأطراف اللبنانية وبالذات حزب الله من أجل التزام الهدوء وفرض حالة الأمن على الجنوب اللبناني, وعدم الرجوع الى النضال المسلح, فإذا استطاعت سوريا أن تلعب هذا الدور وحتى في ظل بقاء موضوع شبعا معلقا, فإنه من الممكن أن تزداد فرص استئناف المفاوضات على المسار السوري, ولكن اذا تفجر الوضع بين حزب الله واسرائيل, فإن هذا سيضعف من فرص عودة المفاوضات مرة أخرى على المسار السوري. سلاح ذو حدين وفيما يتعلق بما سيكون عليه الدور الأمريكي في التسوية خلال الفترة المقبلة وخاصة أن الانتخابات الأمريكية على الأبواب, يرى الدكتور مصطفى علوي أن الانتخابات الأمريكية قد تكون سلاحا ذا حدين, فإما أن يحاول الرئيس الأمريكي أن يستغل الفترة المتبقية في الرئاسة لدفع الطرفين للعودة الى طاولة المفاوضات, وقد يؤدي قصر الفترة المتبقية الى تفضيل عدم الذهاب الى المفاوضات وانتظار الادارة الأمريكية الجديدة, وعموما سوريا ستكون حريصة على المفاوضات فيما لو ضمنت التزام اسرائيل بمسألة الأرض وهذا واضح من تصريحات وزير الخارجية السوري فاروق الشرع والتي أشار فيها الى أنه لابد من استمرار الهدوء وفرض حالة من الأمن على الجانب اللبناني, وهذه رسالة مفادها أن سوريا تؤيد دخول قوات الأمن اللبنانية للجنوب وفرض حالة الأمن هناك. أيضا صدر عن المسئولين السوريين تصريحات أخرى غاية في الأهمية خلال الأيام الماضية وفيها تشير الى أنها لاتمانع في العودة الى طاولة المفاوضات, وأن مسألة المياه يمكن التفاوض بشأنها, أما الأرض فلايمكن أن يكون هناك حديث عن التفاوض بشأنها. وعن مستقبل حزب الله بعد الانسحاب الاسرائيلي من الجنوب اللبناني يوضح الدكتور مصطفى علوي أن حزب الله يتصرف الآن بطريقة محترفة وبعقلية باردة, فقد صرح زعيمه الشيخ حسن نصر الله أنه مع استقرار الوضع وأن الحزب لن يورط نفسه في مواجهة لاداعي لها وأنه سوف يتعاون مع السلطات اللبنانية, أي أن تصرف الحزب الآن مقبول للغاية ولكن الخوف أن تجره اسرائيل الى مواقف قد تكون في غير صالح استقرار الأوضاع, وخاصة في ظل التلميحات التي صدرت مؤخرا عن قيام قوات الطوارىء الدولية بنزع سلاح حزب الله, وهو ما تعارضه سوريا وترى أنه ليس من حق هذه القوات نزع سلاح حزب الله, وتوافقها لبنان على هذا الرأي وخاصة أنه لايوجد ما يبرره, فالخوف من استمرار تسلح حزب الله كان يمكن أن يكون منطقيا في حالة استمرار ميليشيات لحد العميلة, ولكن مع انهيارها لم يعد هناك ما يبرر هذا الخوف, حزب الله سوف يستمر كقوى مقاومة طالما ظلت هناك أراض لبنانية لم تتحرر بعد مثل مزارع شبعا. الغليان الشعبي وحول رأيه في امكانية أن يؤدي انتصار حزب الله على العدو الصهيوني في جنوب لبنان الى حدوث غليان شعبي في فلسطين وحدوث انتفاضة جديدة يقول الدكتور مصطفى علوي: هذا الأمر ليس مستبعدا لأن حركة المواطن الفلسطيني العادي في الأسبوعين الأخيرين قد تكون أحد العوامل المحركة والدافعة لها هي عمليات الانسحاب الاسرائيلي من جنوب لبنان, فالانسحاب رسالة الى ابناء شعب فلسطين بأن النضال هو الذي يعطي مردودا مهما بالنسبة لعملية التفاوض وهو الذي يدفع الطرف الاسرائيلي لأن يستجيب للمطالب الفلسطينية, ولكن مع ذلك يجب ألا نغفل أن الظروف والأوضاع في الأراضي الفلسطينية مختلفة تماما عما كان في الجنوب اللبناني من حيث طبوغرافيا الأرض ووجود دولة ذات سيادة تدعم حزب الله هي لبنان, ودعم خارجي ايراني سوري من حيث التسليح, هذه فروق يجب أن تؤخذ في عين الاعتبار عند المقارنة بين ما يحدث في الأرض المحتلة في فلسطين, وما حدث في جنوب لبنان. ومع ذلك فمن الوارد أن يحدث تأثير في الشارع الفلسطيني نتيجة للانسحاب الاسرائيلي المهين من جنوب لبنان. وحول تعليقه عما تردد من امكانية أن تنطلق مقاومة وطنية من داخل الجبهة السورية ضد قوات الاحتلال الاسرائيلي كتلك التي كانت في جنوب لبنان, يشير الدكتور مصطفى علوي الى أن هناك صعوبة في حدوث ذلك لاختلافات كثيرة بين النموذجين منها الاختلاف في طبوغرافيا الأرض, والتركيبة السكانية, فهناك ندرة سكانية في الجولان بعكس جنوب لنبان, فحدوث عمليات مقاومة وطنية من الجولان يتطلب أن تكون هناك خطوط امداد من سوريا وهذا غير وارد بسبب التضاريس الخاصة بالجولان.. الأمر بالنسبة للجولان صعب وتطورات الأحداث ومنذ احتلالها وحتى الآن تؤكد أنه لامجال للحديث عن عمليات مقاومة من داخلها, وأن سوريا كانت تلعب وتدير مواجهتها على الملعب اللبناني. الشرعية اللبنانية ومن جانبه يرى الدكتور عماد جاد الخبير الاستراتيجي بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية أنه لكي نرصد مستقبل حزب الله بعد الانسحاب الاسرائيلي لابد أن نلاحظ أن ما صدر عن زعاماته من تصريحات خلال الأيام القليلة الماضية قبل وبعد وأثناء الانسحاب الاسرائيلي من الجنوب اللبناني جاءت مختلفة وبعد أن كان الحزب يؤكد على استمرار عملياته حتى تحرير آخر جزء من الأراضي الفلسطينية المحتلة, أصبح يتحدث الآن عن عمل سياسي تحت لواء الدولة اللبنانية. هناك تطورات سوف تحدث خلال الأيام المقبلة مثل دخول المؤسسات المدنية اللبنانية الى الجنوب والاتفاق بين الأمم المتحدة ولبنان حول كيفية الانتشار في الجنوب والموقف من بعض الأراضي التي مازالت تحت الاحتلال أو تلك التي يدور حولها خلاف كمزارع شبعا.. أيضا هناك حديث يدور الآن عن مستقبل قوات حزب الله وهل سيتم نزع أسلحتها أم لا؟. حتى الآن لم تشر الدولة اللبنانية الى أن حزب الله سوف يسلم أسلحته, كما ترفض سوريا ذلك حتى الآن. هناك أمور كثيرة يجب الانتظار حتى نعرف ماذا سيحدث بخصوصها قبل الحديث عن مستقبل حزب الله, وخاصة اذا ما عرفنا أن مجرد اطلاق صاروخ كاتيوشا واحد خلال الوقت الحالي كفيل بحدوث تصعيد خطير في المنطقة أيا كان مصدر اطلاق هذا الصاروخ.. الوضع الآن ليس بالسهولة التي يراها البعض. لقد كسبت اسرائيل بانسحابها من جنوب لبنان التعاطف الدولي وخاصة بعد اعلانها أنها انسحبت تنفيذا للقرار (425) ودون شروط مسبقة, ولذلك سوف تستغل هذا التعاطف في حال حدوث أي هجوم صاروخي عليها في الرد بعنف وضرب المقاومة اللبنانية والبنية التحتية اللبنانية وقد أكد باراك ذلك في أكثر من تصريح له خلال الأيام القليلة الماضية. ورقة هامة وعن رأيه في تأثير الانسحاب الاسرائيلي من جنوب لبنان على الموقف السوري بالنسبة لعملية التفاوض وخاصة أن عمليات المقاومة اللبنانية كانت ورقة هامة في يد المفاوض السوري, يقول الدكتور عماد جاد: لقد كان وجود اسرائيل في الجنوب اللبناني يعطي سوريا ورقة هامة في اللعب مع اسرائيل, حيث كانت هناك درجة عالية من التنسيق بين مثلث حزب الله وايران وسوريا, حتى أن سوريا كانت أحيانا تستغل قذائف حزب الله لتمرير رسائل معينة الى اسرائيل. أما الآن وبعد أن انسحبت اسرائيل من الجنوب اللبناني فقد فقدت سوريا ورقة هامة ومطلوب منها الآن اعادة صياغة لاستراتيجيتها بالنسبة لعملية السلام بعد أن تخرج حزب الله من المعادلة. لقد أدى انسحاب اسرائيل الى اغلاق الجبهة العربية الوحيدة لمقاومة اسرائيل, وبعد أن كانت سوريا تؤكد على ارتباط المسارين السوري واللبناني انفض هذا الارتباط الآن وأصبح مجرد ارتباط سياسي فقط, ومن هنا نستطيع أن نؤكد أن الانسحاب الاسرائيلي من الجنوب اللبناني ليس في صالح سوريا على الاطلاق. ويتوقع الدكتور عماد جاد أن يؤدي الانسحاب الاسرائيلي من الجنوب اللبناني الى بطء وتيرة الحديث عن استئناف المفاوضات السورية الاسرائيلية خلال الفترة المقبلة, كما سيؤدي الى تخفيف حماس قوى دولية رئيسية لاتمام هذه التسوية نتيجة ادراك هذه القوى أن الجبهة الناشطة الوحيدة للمقاومة المسلحة ضد اسرائيل قد انتهت وهناك صعوبات جمة في فتح جبهة أخرى.. وخاصة على الجبهة السورية, نظرا لاختلاف الظروف الموضوعية والتركيبة السكانية بين الجنوب اللبناني والجولان. ولذلك فهناك صعوبة في وجود حزب مثل حزب الله بعقيدته الايديولوجية الاستشهادية في أي منطقة أخرى. تجدد الانتفاضة وفيما يتعلق بامكانية أن يؤدي الانتصار الساحق للمقاومة اللبنانية الى زيادة الغليان الشعبي في الأراضي الفلسطينية وحدوث انتفاضة جديدة, يشير الدكتور عماد جاد الى أن هناك درجة عالية من التعاون والتنسيق بين الأمن الفلسطيني والاسرائيلي والعناصر الأمنية الأمريكية الموجودة في المنطقة للتعامل مع أي تحركات تقوم بها قوى فلسطينية, وطالما أن السلطة الوطنية الفلسطينية مستمرة في هذا النهج فهناك صعوبة في حدوث مثل هذه الانتفاضة, ولكن اذا وصلت السلطة الوطنية الى قناعة بأن وضعها يزداد سوءا نتيجة للتسويف الاسرائيلي في عملية التفاوض فربما تفضي الطرق شيئا ما عن أية تحركات يقوم بها الشارع الفلسطيني.. أو ربما تحدث انتفاضة وهبة من الشارع رغما عن السلطة الوطنية تجرف أمامها هياكل السلطة نفسها. ويؤكد الدكتور عماد جاد أنه لامجال للحديث عن دور أمريكي فاعل بالنسبة لعملية التسوية في المنطقة قبل سنة على الأقل. 6 أشهر حتى موعد الانتخابات الرئاسية الأمريكية المقبلة و 6 أشهر أخرى حتى تتشكل الادارة الأمريكية الجديدة, ومن هنا لا أكون مبالغا اذا قلت أن الفترة المقبلة هي فترة غياب للدور الأمريكي.. ولكن هذا لايعني أن استئناف المفاوضات غير ممكن فقد يحدث أن تستأنف عن طريق الوكالة بحضور طرف آخر أوروبي أو ما الى ذلك.. أما الولايات المتحدة فقد دخلت في (هوجة) الانتخابات ولا مجال لديها الآن لدفع عملية التفاوض واستضافة للمفاوضات وما الى ذلك. وينهي الدكتور عماد جاد حديثه بأنه في مجمل عملية التسوية والصراع العربي الاسرائيلي بات واضحا أن اسرائيل لاتتعامل إلا مع لغة القوة فهي اللغة الوحيدة التي تفهمها وتستجيب لها.. دخلت المفاوضات مع مصر بعد انتصار حرب أكتوبر, انسحبت من الجنوب اللبناني بعد أن تحول الى مستنقع لجنودها يشهد يوميا مقتل العديد منهم.. وافقت على الجلوس مع الفلسطينيين لتتفاوض بعدما انهكتها الانتفاضة وكبدتها خسائر مادية وبشرية رهيبة, ويستطرد: مالم تكن هناك درجة من درجات القوة التي تؤلم اسرائيل فهناك صعوبة في الحديث عن تسوية حقيقية. وبالتالي فانه في ظل الأوضاع الراهنة التي تتراجع فيها احتمالات تعرض اسرائيل للايذاء من خلال القوة, وفي ظل انشغال الأمريكان بالانتخابات, فالمتوقع أن تتراجع احتمالات انجاز أية اتفاقيات حقيقية للتسوية على المسارين السوري والفلسطيني في غضون عام من الآن. القاهرة ـ مكتب البيان