بل وتفرض الاعداد لعملية (بروسترويكا) أو اعادة بناء جزئية ازاء بعض الهياكل والآليات في حركة (حزب الله) سواء داخل الأطر التنظيمية أو الانساق الفكرية, وكذلك على المستوى الجماهيري, ولاشك أن ذلك سوف ينعكس - بالتالي - على بنية الحزب ذاته للتكيف مع معطيات الواقع, الذي كان أكبر صانعيه, على أن التحدي الذي هو بصدده - في اللحظة الراهنة - يتعلق بمدى النجاح الذي يمكن أن يحرزه لاستثمار نصره. وضوح الرؤية منذ البداية طرح (حزب الله) رؤيته ثلاثية الأبعاد وطنية, عربية, اسلامية, باعتبارها تشكل علاقة تكاملية, من ثم انعكست تلك الرؤية على نشاطه الجهادي, ضد الوجود الصهيوني - والغربي التجسسي - في لبنان, كما انعكست على حركته السياسية على صعيد الجبهة الداخلية. ومنذ العام 1985 - البداية غير الرسمية لانطلاق عمليات الحزب نهاية 82 - كان من الواضح أن (حزب الله) يستطيع اداء المهام التي حددها لحركة متناغمة مع رؤيته وأهدافه الواضحة المحددة, من جهة, ومع المعطيات الوطنية والاقليمية من جهة أخرى, مع حرص دائم على عدم الخلط بين العسكري الجهادي, والسياسي بجوانبه التنظيمية والفكرية والاجتماعية, وهي المعادلة التي تفوق في التحكم بأطرافها, إذا ما قورن باداء فاعلين آخرين على الساحة اللبنانية. إلا أن السؤال الذي يطرح نفسه بقوة الآن: إلى أي مدى يمكن لـ (حزب الله) أن يواصل دوره بنجاح في ظل تسوية, هي بطبعها, غير السلام الدائم الشامل والعادل, الذي ينشده (حزب الله) ويمكن أن يقود الى حسم تاريخي للصراع؟ الاجابة عن السؤال تثير - بداية - اشكالية العلاقة بين المرحلي والاستراتيجي, من جهة, والحدود بين الهزيمة السياسية للعرب, والمساعي النضالية - بصورها المتعددة - لاسترداد حقوقهم المشروعة لحماية أنفسهم من الوقوع في هوة الهزيمة الحضارية, من جهة ثانية, من ثم فان المعطى النضالي يظل أساسيا - أو هكذا يجب أن يكون - لأنه في نقطة ما على مؤشر المستقبل يمكن أن تطل احتمالات حرب, سواء مفروضة, أو ضرورية, وبين شقي الرحى يظل قائما خيارات متعددة كالمقاطعة, الضغط, التصعيد المحسوب, وادارة الأزمات, ولاشك أن الأنظمة التي قبلت بالتسويات الجزئية - وهي بتلك الصفة مؤقتة - بحاجة الى أطر وآليات تجعل من المعطى النضالي في معادلة القرار العربي المستقبلي أمرا قابلا للتحقق. على هذه الأرضية يمكن لـ (حزب الله) أن يصل الى صيغة يتحدد في اطارها ثلاثة أنواع من الوظائف: * أدوار جديدة * مهام معدلة * واجبات مستمرة استحقاقات المرحلة إن هذه الأدوار والمهام والواجبات تتداخل وتتكامل ليس فيما بينها فقط, ولكن - أيضا - في جدلية تؤكد اتصال الانجازات السابقة مع الآني ليشكلا قاعدة انطلاق نحو مستقبل (حزب الله) في مرحلة ما بعد الانسحاب الاسرائيلي من جنوب لبنان. ولعل استحقاقات المرحلة تفرض على (حزب الله) أدوارا جديدة, تتناسب مع طبيعة الاداء في فترة ما بعد الشرعية النضالية, إذ أن الانسحاب الاسرائيلي من الجنوب سوف يقرر أوضاعا, تتجاوز ذلك الشريط, وتستوجب التعامل بحذر سواء داخل المجتمع اللبناني, أو على صعيد المواجهة مع اسرائيل - بالتماس مع المسارين السوري والفلسطيني - وصولا الى تقاطعات اقليمية ودولية تتفاعل مع المعادلات التي تحكم حركة الأطراف المختلفة بما فيها (حزب الله) . من هذا المنظور, فان على قيادة (حزب الله) أن تحدد الأدوار الجديدة بما يضمن تلاحما لبنانيا ـ لبنانيا, والتفاعل الايجابي عربيا, وبما يجاوز مفهوم التنسيق مع كل من سوريا والفلسطينيين, الى تضامن عربي أشمل, خاصة وأن الموقف العربي المساند للمقاومة اللبنانية كان أساسيا في تأمينها ودعمها, وعلى ذلك يمكن تحديد تلك الأدوار على النحو التالي: (1) لعل أولها يتعلق بتحديد دقيق لوضعية الحزب, وآليات حركته ضمن التركيبة السياسية اللبنانية, وإذا كانت قواعد اللعبة السياسية واضحة أمام قيادة الحزب, فان صياغة دوره بعد تحوله - بالأساس - للعمل السياسي البرلماني والشعبي - على حساب دور الجناح العسكري - يستلزم اعادة النظر في هيكليته, واعادة تأهيل كوادره بما يتناسب وطبيعة المرحلة الجديدة. (2) أما ثاني الأدوار الجديدة, فيرتبط بصياغة رؤية فكرية جريئة - وغير تقليدية - للاجابة عن التساؤلات الملحة في مرحلة ما بعد التسوية, واستشراف آليات انجاز السلام العادل, باعتباره غاية استراتيجية عربية تحتم تحقيق طفرات نوعية لعناصر القوة الشاملة العربية, وهي عملية تاريخية مستمرة, لايمكن التفاعل مع تطوراتها دون امتلاك إطار فكري ومنهجي ملائم يرشد الاداء والحركة. (3) ثالث الأدوار الجديدة يتعلق بشكل التعاطي مع الملفات الأخرى بين لبنان واسرائيل, إذ أن الحزب لايعتبر احتلال الجنوب هو فقط الملف الوحيد, الذي باغلاقه ينتهي كل شئ, فهناك (شبعا) , والقرى المحتلة منذ عامي 48 و 1956 , وترسيم الحدود نهائيا, لاسيما أن اسرائيل تجاوزت في 12 موقعا, ثم ملف التعويضات, التي تقدر بنحو 70 مليار دولار, وملف الأسرى.. و.. و ... وهذه الملفات وغيرها بحاجة الى جهود ومتابعة شعبية وحزبية الى جانب دور الدولة, وقد أشار أمين عام (حزب الله) الى هذا الأمر, لكن تحديد الدور يحتاج الى أكثر من مجرد الاشارة. موقف المقاتلين هذا عن الأدوار الجديدة, فماذا عن المهام المعدلة؟ في هذا السياق, ثمة مهمتان: (1) إذا كان (حزب الله) ليس مجرد مؤسسة عسكرية, لكنه مؤسسة سياسية تتوسل العمل العسكري - بمفهوم نضالي - كجزء من آلياتها السياسية, فان مهمة كوادره العسكرية خلال المرحلة المقبلة تحتاج الى اعادة نظر في الشرعية التي تم بسط رموزها على الجنوب, ثم تحديد مهمة هذه الكوادر, سواء بالانضمام الى وحدات الجيش اللبناني الرسمي, أو بتحديد مهمة انتقالية - لتلك الكوادر - الى جانب قوى الأمن الداخلي التي وصلت طلائعها الى قرى الجنوب, مع الانسحاب الاسرائيلي, وهذا الأمر لايحتمل أي تأجيل, لأن عناصر عدم الاستقرار الداخلي, مازالت تطل برأسها, والتغيرات التي سوف تطرأ - في ظل الحديث عن فراغ أمني - قد تؤدي الى اثارة تيار العنف مجددا, إذا لم يتم ضبط حركة العناصر التي تعودت على حمل السلاح. (2) أما في المهام التي هي بحاجة الى تعديل - وهي في جوهرها استكمال للمهمة الأولى - فهي ذات وجهين متكاملين, يتعلق الأول بالحزب, والثاني بدور الدولة في احتوائه ضمن الشرعية والتركيبة السياسية - باتفاق مقبول بين الطرفين على شروطه - وبما يحقق التوازن شديد الحساسية بين الفعاليات اللبنانية على اختلاف توجهاتها الايديولوجية, وأوزانها السياسية. وتلك المهمة تتصف بصعوبة ناجمة عن أن الحزب الذي اعتمد في حركته وخطابه على وضعية رافع راية المقاومة المسلحة, أصبح عليه أن يخوض مساره الجديد وسط تحالفات تكتيكية في الشارع السياسي, في توقيت يرتبط بالاستعداد للانتخابات النيابية, وهو ما يضاعف من صعوبة المهمة, ويجعلها مختلفة عن الجولات السابقة التي حقق فيها نجاحات كثيرة في التمثيل النيابي في ثلاث برلمانات. محطة الخدمات وإذا وصلنا الى محطة تحديد الواجبات المستمرة, فإن الأمر - بالقطع - يرتبط باداء المؤسسات الاجتماعية التي أكدت الوجود الشعبي للحزب, عبر تطويرها وتوسيع نطاق عملها, بهدف دعم التحرك الجماهيري خلال المرحلة المقبلة. ان الحزب يقدم خدماته من خلال خمس مؤسسات رئيسية هي: أ - (مؤسسة الشهيد) التي تتكفل برعاية عائلات الشهداء وأسرى الاحتلال, وإذا كا ن الحزب قد مد مظلة رعاية تلك المؤسسة لتتجاوز نطاق أسر مقاتليه, فإن المرحلة المقبلة تتطلب استثمارات أكثر حتى تمتد المظلة الاجتماعية للحزب, لتشمل عددا أكبر من المنتفعين, وعلى ذات الأسس, أي دون أن تقتصر الرعاية على أسر مقاتلي الحزب. ب - (الهيئة الصحية) التي تقدم خدمات طبية مخفضة من خلال 4 مستشفيات, وشبكة من المستوصفات تخدم نحو ربع مليون شخص في 130 مدينة وقرية, ومن المفترض أن يضاف للهيئة أعباء اضافية بعد عودة القرى التي رزحت طويلا تحت الاحتلال. جـ - (جهاد البناء) التي دعمت صمود المدنيين, فخلال نحو عقد ونصف العقد قامت باصلاح الأضرار الناجمة عن القصف الاسرائيلي المستمر, ولاشك أن عودة العديد من القرى الى الحضن الوطني ترتب أعباء اعمار وترميم واصلاح آلاف المنازل والمحال, وتحتاج الى تضافر الجهود الرسمية والدولية مع ما تقدمه المؤسسات الشعبية والحزبية. د - (المؤسسات التربوية) وهي تقدم خدمات تعليمية مخفضة - ولأبناء الشهداء مجانا - لنحو 7 آلاف تلميذ في المراحل الدراسية المختلفة, كما تحرص على اعادة تأهيل مدرسيها بالتنسيق مع المراكز الثقافية الفرنسية, ومن المفترض أن يستعد الحزب لبناء عدد آخر من المدارس, وتأهيل هيئات تدريس مناسبة لها. هـ - (المؤسسات الزراعية) التي تهتم بعمليات التأهيل الزراعي, وتربية الماشية لمساعدة صغار الملاك, كما تقدم قروضا مخفضة الفائدة لأكثر من ألف مزارع, وتلك الخدمات بحاجة الى رفع مخصصاتها لتشمل عددا أكبر من المنتفعين الجدد. إن استمرار (حزب الله) في الالتزام ببرامجه الخدمية كفيل بالمساعدة على تنامي قوته الجماهيرية والسياسية بعد الانسحاب, بعد أن أدت تلك البرامج - خلال مرحلة الاحتلال - دورا حيويا في ترسيخ قواعده الشعبية, التي كانت خير عون له في دعم وتأمين مهامه الجهادية, ولاشك أن المرحلة المقبلة سوف تشهد تطويرا لاداء مؤسسات الحزب الاعلامية (تليفزيون المنار, اذاعتي النور وصوت المستضعفين, عدة صحف ومجلات, مواقع على الانترنت) بهدف مواكبة عملية اعادة البناء الجزئية التي تطال أدوار ومهام الحزب وواجباته. هكذا فان تطوير بنية الحزب باتت مسألة حتمية لضمان استمراره على خريطة القوى المؤثرة في الشأن الوطني, والسياسة العربية, والعلاقات الاقليمية, بما يضمن عدم تهميشه أو تجاهله, بل على العكس لتتواصل حالة الالتفاف الوطني العربي ـ الاسلامي من حوله . معادلة مبتكرة إذا كان وضوح الرؤية أمرا مهما لتأمين التحرك المستقبلي لـ (حزب الله) فان الغموض المتعمد كتكتيك سياسي/ اعلامي خلال المرحلة الراهنة, وفي المدى المنظور - يظل تكتيكا مقبولا, بل ومطلوبا, في مواجهة التهديدات الاسرائيلية على لسان باراك, ورئيس أركانه بضرب العمق اللبناني, والمصالح والقوات السورية في لبنان, وذهاب بعض المحللين الغربيين الى بقاء لبنان أنشط جبهة محتملة في الصراع العربي/ الاسرائيلي حتى بعد الانسحاب من الجنوب. من هنا تتجلى أهمية التصريحات غير القاطعة أو المحددة للقيادة السياسية ـ العسكرية لـ (حزب الله) بشأن دور الحزب المستقبلي, والاصرار على الاحتفاظ بمفهوم أن المقاومة هي الخيار الوحيد لتحرير كامل التراب القومي, وليس الوطني فحسب. غير أن قيادة (حزب الله) لابد أن تبتكر المعادلة التي تجعلها لا تنزلق الى مجابهات داخلية نتيجة التعارض بين توجهات الحزب على الساحة الوطنية, والردود الاسرائيلية التي تستهدف سكان لبنان إذا ما أعاد مقاتلو الحزب توجيه سلاحهم الى المستوطنين, بهدف الضغط كآلية لمساندة المفاوض الرسمي في مفاوضات المسار اللبناني لاستعادة باقي الحقوق الوطنية . كما أن على الحزب الاستمرار في سعيه لازالة مخاوف المسيحيين تماما, عبر تأكيد منهجه المعلن بالمسئولية عن سلامة كل أبناء الجنوب, مسيحيين ومسلمين على اختلاف مذاهبهم, وانتماءاتهم الطائفية, حتى لاتتمكن اسرائيل من لعب ورقة الطائفية مرة أخرى, من خلال العناصر اللحدية - مثلا - والتي يمكنها التحرك في الظلام - بحذر - لاشعال فتنة جديدة, وهي مخاطر لاتضرب فقط الانتصار السياسي والمعنوي لـ (حزب الله) ولكنها قد تقطع الطريق أمام المحاولات الوطنية والعربية لتثمير النصر, حينئذ تنقلب النتائج سلبا! لكن المؤكد أن ذكاء (حزب الله) وكوادره سوف يعصمه من مثل هذا المصير, ليظل لاعبا أساسيا في المستقبل, كما كان لأكثر من عقدين مضيا.