كنت محظوظاً حيث تابعت مباشرة الصراع بين القصر والمنشية وعدت يوم النفرة الكبرى الى القاهرة ويبدو ان هذا الصراع هو نهاية مشروع مليء بالقصور والتناقضات رغم ان اصحابه اصروا على نسبه الى الحضارة والاسلام وهو بعيد عن كل منهما فالأب قد يسمي ابنه (شريف)، ويصبح لصاً وفاسداً او يسميه الطيب ويكون منتهى اللؤم والخبث لذلك ما وصلت اليه الانقاذ الآن هو دليل ساطع على البداية الخاطئة والمسيرة المنحرفة, يقال ان طريقة وصول اي جماعة الى السلطة هي التي تحدد مسيرتها فالانقاذ جاءت عن طريق العنف, لذلك تحدد طريقها منذ اليوم الاول, واصبح بقاؤها مرتبطاً بالتآمر بالعنف ويخطئ من يظن ان التآمر له اتجاه واحد او له حرمة معينة او اخلاقية ومن هنا نفهم كيف ادار الانقاذيون الصراع بينهم. قبل ذلك نبدأ بالسؤال حول حقيقة الشعار بأن كل الذي حدث منذ 30 يونيو 1989 كان في شأن الله وليس في شأن الجاه والسلطان هذا غير صحيح فالجاه والسلطان هو سبب الصراع كله فقد افسدت السلطة المطلقة اهل الانقاذ بطريقة مطلقة فهم يقومون باصدار القرارات والاوامر مهما كان تعسفها واضرارها بالشعب دون الرجوع الى اي نوع من الشورى وكثيراً من القرارات ارتبطت باسم اشخاص فقط, من الخصخصة حتى البكور, فالنظام ظن انه مطلق اليد يفعل في الرعية ما يريد دون مراعاة لأي حق مواطنة وبالذات حق المشاركة في قضايا تتعلق بحياة المواطن ومستقبله ووجوده كان لا بد ان تصطدم الارادات المطلقة لأي حاكم بأمر الله بارادة زميله الحاكم الآخر, وهكذا تراكمت الصراعات الواضحة والكامنة ولكن اهل الجبهة كانوا يظنون انهم استثناء في السياسة وان ما انطبق على النظم العسكرية القهرية لن ينطبق عليهم بسبب قداسة مدعاة وبالفعل تفجر الخلاف في ديسمبر الماضي وقبلها في مذكرة العشرة والآن وصل الامر الى محاولات لتصفية نفوذ متبادل بين الاجنحة استطاع البشير ان يحسمه حتى اشعار آخر. لم يستطع الاسلاميون الحاكمون تحديد الاسس الفكرية لهذا الاختلاف او ما هو الاجتهاد الفقهي السياسي الذي يتبناه كل طرف يمثل الاختلاف؟ عجز كل مفكري ومنظري الانقاذ ـ بجناحيها ـ عن ادارة مناقشة فكرية حول الخلاف رغم انهم ظلوا يسودون صفحات الجرائد الكثيرة التي يصدرونها. ويتحدث الجميع عن قضايا تنظيمية وهذه اقنعة تحاول اخفاء الصراع والسباق العاري حول السلطة وقد حاول الترابي بدهائه المعهود ان يصور الخلاف بين الذين يريدون بسط الشورى وبين من يصرون على الديكتاتورية, ويهاجم الترابي الآن عسكرية البشير وكان البشير دخل الكلية الحربية بعد 12 ديسمبر وكأنه شخص مختلف عن الذي نفذ انقلاب الجبهة ثم لماذا يريد الترابي بسط الشورى بعد اكثر من عشر سنوات عذب وسجن وشرد واضطهد خلالها الآلاف من المواطنين السودانيين وهكذا اختلط الرأي ولم يتمكن اي طرف من تقديم اي اسباب موضوعية للخلاف او ان يجد له قواعد فكرية يمكن التحاور عليها وهذا ما يجعل تصفية جناح لآخر امرا محتما, وليس بالضرورة ان تكون التصفية جسدية ولكن معارك وصراعات السلطة لا تعرف الانتصار الجزئي او الناقص, ولذلك سميت لعبة الصفر. كشف الصراع عن وجود قنوات تمويل للحزب الحاكم من خلال شركات ومؤسسات اقتصادية لم نكن نعلم عنها شيئاً لولا ان الترابي احتج على قرارات حكومية بتجميد هذه الشركات فهذا شكل من النهب الخفي لموارد الشعب السوداني لم تكن معروفة وتمثل كيفية تعامل الجبهة مع شعبها وكأنها مستعمر اجنبي او من الغزاة فقد اختصرت الجبهة كل السودان في حزب وان يخدم الوطن هذا الحزب, هذه الوضعية الشاذة تكشف عن خيانه لم تظهر الا مع اختلاف اللصين, وفي السياق نفسه هناك حرب الفساد فكل طرف يهدد الآخر بالتحقيق في قضايا فساد كانت من المسكوت عنها, وفي السابق لم يتحرك ذلك الضمير الديني المدعي ليكشف هذه القضايا وتم تجميد الاخلاق من اجل استمرار السلطة وتكريسها اما الآن فيبدو ان البعض يريد ان يحطم المعبد بمن فيه. من حسنات الصراع اظهر قوة كل طرف الحقيقية او بالاصح كيف تحدد المنافع الذاتية المواقف السياسية؟ فلقد فارق الترابي من علمهم الرماية, وحين فرضت عليهم الظروف ان يختاروا بين الوظيفة والامتيازات وبين الولاء للشيخ تغلبت الاولى لذلك انحاز اغلبية ان لم يكن جميع التنفيذيين الى البشير, ولم نسمع غير استقالة محمد الامين خليفة, هذا اختبار صادق لمعادن الناس وقد اثبتت التجربة مفارقة مدهشة وهي ان الجبهة تضم عدداً هائلاً من الانتهازيين ووضح ان الحزب هو حزب للحكومة او موظفون محزبون هذا الانحياز الكامل للبشير بين مستخدمي الجبهة يستحق التوقف عنده لاختبار عقائدية الجبهة الاسلامية, هل هو حقيقة حزب عقائدي؟ من المعروف عن العقائديين استعدادهم للتضحية ونكران الذات ـ وحتى تهديدات ما يسمى بالدبابين فقد غابوا عند الوغى وكنا نظن ان هذا هو اليوم الاسود للترابي والذي كان يدخرهم له ومن يتابع صحف ايام اشتداد النزاع يجد كيف كان الترابي يلوح بهم وكان يتحدث عن النزول الى الشارع وعن المواجهة وانهم لن يسكتوا عن التجاوزات التي يقوم بها البشير وعلي عثمان محمد طه وهكذا ظهر فرعون اي الجبهة الاسلامية عارياً من ثياب الفضيلة والعقيدة. لجأت الاجنحة المتصارعة الى وسائل خطرة وستكون آثارها ممتدة, ومن بينها احياء النعرات العنصرية ومحاولة تصوير الصراع بأنه عرقي وبالذات بين اولاد البحر واولاد الغرب, واعتقد ان ابراز الخلافات العنصرية هو من مصائب الترابي التي يتركها مثل الخوازيق لكل حاكم قادم, فالترابي الذي خسر حربا مع البشير بعد قرارات 6 مايو وهذه كانت آخر المعارك يريد ان يجعل حكم السودان مستحيلاً للبشير او لغيره وهو يعلم ان اطلاق العنصرية من مكمنها سيدمر الوطن المتعدد وواضح بما لا يدع اي مجال للشك ان الترابي ليس بعيداً عن المعارك العنصرية المثارة حالياً, كان الاجدر بالترابي ان يقبل الهزيمة كفارس مغوار ونبيل, وحقيقة على الترابي ان ينسحب مثل بورقيبة ويذهب الى قرية ود الترابي ليعيش في هدوء ورغم ان البعض قد يكون شامتاً وله الحق في ذلك الا ان امتداد واستمرار هذه المعركة قد يخرج اسلحة كثيرة غير شريفة تضر بكل البلد ومستقبلها. يسعى بعض الاسلاميين غير السودانيين لمحاصرة الخلاف واقترحوا على الجانبين ان يفترقا بمعروف وهناك اقتراح بتكوين حزبين اسلاميين وهذه معضلة تحتاج لتفكير وتأمل, لماذا ينقسم حزب اسلامي واحد مرجعيته: الاسلام هو الحل؟ هل يراد تقسيم الاسلام الى اكثر من واحد من الممكن ان تندمج احزاب اسلامية في حزب واحد. او جبهة اسلامية موحدة ولكن ان تنقسم جبهة اسلامية وصلت الى الحكم هذه مسألة يجب الا تمضي كحدث عابر او نقفز عليها لانه تعبير عن أزمة عميقة لا بد ان يتوقف عندها الاسلاميون ولا يكفي ان يقولوا ان كل شيء بخير, خاصة وقد عرف العالم الاسلامي الآن تطورات سارت في اتجاه مماثل. د. حيدر ابراهيم علي