ما كادت القنوات الفضائية تخفت اضواءها تدريجيا عن بقايا سنكوح سيراليون حتى ألقت بها وسلطتها على سنكوح آخر في فيجى, فهناك وسط مياه المحيط الهادى حيث يعيش نحو 800 الف نسمة 50 الف منهم من المسيحيين و38 الف من الهنود و8 آلاف من المسلمين على 110 جزر من اجمالى جزر فيجى البالغ عددها 332 جزيرة. رفع جورج سبايت زعيم انقلاب فيجى منذاستيلائه على مقرالبرلمان محتجزا ثلاثين رهينة بينهم اول رئيس وزراء من اصل هندى ماهيندرا شودرى عدة مطالب من بينها تغيير دستور1997 بما يقلص من صلاحيات الاقلية الهندية في البلاد وضمان الامان لمدبرى الانقلاب واقالة رئيس الجمهورية راتو مارا من منصبه. ولعل ما يثير الجدل واللغط حول نوايا سبايت اصراره على استقالة رئيس الجمهورية راتو مارا (وهو ما تحقق له بعد اكثر من عشرة ايام من التمرد) على الرغم من ان مارا من السكان الاصليين في الوقت الذى تجرى فيه الدماء الاوروبية في عروق سبايت عن طريق والده سام سبايت. هنا تثور الشكوك حول اهداف سبايت من تدبير الانقلاب حيث لم تعد ذات معنى تلك الحجة الخاصة بسيطرة الاقلية الهندية التى جاءت بها بريطانيا الى هذه الجزر عند احتلالها لها عام 1874 بعد اكتشاف الملاح الهولندى ابل تاسمان لها عام 1643 للعمل في مزارع قصب السكر وتخلت عنهم بالرحيل عن فيجى عام 1970. تمكن الهنود بدأبهم المعهود من تحقيق ثروات طائلة من وراء عملهم في مزارع قصب السكر وصناعته التى تستأثر بثلث النشاط الصناعى في البلاد اضافة الى خوضهم غمار العمل في مجال النشاط السياحى الذى يعد المصدر الرئيسى للدخل القومى في فيجى البالغ حجمه 4ر5 مليارات دولار سنويا نصيب الفرد منه 6700 دولار, وهنا التمعت نظرات الحسد في عيون سبايت واعوانه. وكان نحو خمسين الفا من الهنود قد غادروا فيجى عام 1987 عندما قام الكولونيل ستيفينى رابوكا بتدبير انقلابين ضد الحكومة التى تضم اغلبية من الهنود في اجراء لايختلف كثيرا (من حيث اهدافه) عما قام به سبايت حيث اجتاح رابوكا وجنوده المسلحون البرلمان واعتقل رئيس الوزراء في ذلك الوقت, فهل فكر جورج سبايت في كيفية تسيير قطاعات صناعة السكر والسياحة في فيجى بدون الهنود الذين يشكلون نسبة 44 في المئة من السكان في حين لايشكل ابناء البلاد الاصليين سوى 51 في المئة من السكان والباقون من الصينيين والاوروبيين, ام ان الامر لا يخرج عن كونه نزوة او رغبة في اجتذاب الاضواء اقدم عليها سبايت دون التفكير في عواقبها, ليس بعيدا هذا الاحتمال اذا قرأناه من واقع شخصيته التى يرسمها بريج لال المحلل السياسى بالجامعة الوطنية الاسترالية. يقول لال في تحليله لشخصية سبايت انه شخص يهوى الاعمال البهلوانية والسباحة في دائرة الضوء ويعزز من هذا التحليل وصف رابوكا الذى يرأس حاليا مجلس زعماء القبائل الذى يقوم بتعيين رئيس الجمهورية لما يجرى في فيجى بأنه امر سيىء بالنسبة لفيجى بشكل أو بآخر. ان تاريخ سبايت ليس فوق مستوى الشبهات حيث قام رئيس الوزراء المحتجز ماهيندرا شودرى بفصله من عمله كرئيس لشركتى فيجى باين ليمتد و فيجى هارد وود كوربوريشن وهما شركتان محليتان تعملان في تجارة الاخشاب التى تدر ارباحا خيالية الامر الذى يكشف عن نوازع ثأرية في نفس سبايت ازاء شودرى. وعلى الرغم مما يتردد عن حصول سبايت على درجة علمية في فن التسويق من استراليا وأخرى في ادارة الاعمال والتجارة من جامعة اندروز بولاية ميتشجان الامريكية الا ان المحلل لال يرى فيه شخصا لايتمتع بدراية سياسية يعميه طموحه الشخصى الجارف عن الكثير من حقائق الواقع العملى. مرة اخرى تتأكد هذه الصورة عن سبايت بعد الكشف عن ارتكابه مخالفات مالية أدت الى فصله من عمله كمدير محلى لشركة هيث فيجى ليمتد للتأمين. في ظل هذه الحقائق تبتعد كثيرا شبهة وجود اصابع اجنبية وراء انقلاب فيجى لاختفاء الدوافع المحركة لها, حيث لانفط هناك ولا موقع استراتيجى يدعو الى الاهتمام باثارة عدم الاستقرار بهذه الجزر المضطربة في محيط هادىء اللهم الا 250 الف سائح يزورونها سنويا هم كل ثروتها من متاع الدنيا اضافة الى عائدات السكر. وعلى الساحة الدبلوماسية لايوجد لجمهورية جزر فيجى سوى بضع بعثات دبلوماسية في دول مثل استراليا والولايات المتحدة وبريطانيا وبابوا غينيا الجديدة وتايوان ونيوزيلاندا وماليزيا فضلا عن الامم المتحدة. ومن هنا كان رد الفعل الدولى ازاء انقلاب سنكوح فيجى مختلفا عن تمرد سنكوح سيراليون. كانت استراليا اكثرالدول انزعاجا من التمرد الذى يقوده جورج سبايت من واقع القرب الجغرافي حيث هددت بقطع المعونات الاقتصادية السنوية المقدمة لها وقدرها ثلاثة عشر مليون دولار وهو مبلغ كبير بالنسبة لهذه الجزر التى يبلغ حجم ديونها الخارجية 217 مليون دولار في حين يصل اجمالى المساعدات الخارجية لها 40 مليون دولار والغاء معاهدة الدفاع المشترك معها. والان وبعد استيلاء فرانك بينيماراما قائدالجيش الفيجى على السلطة في البلاد أمس واعلانه الاحكام العرفية ورفض سبايت الاعتراف بذلك. ماهو مصير هذه الدولة الصغيرة الناشئة. الاهم من كل هذا وذاك ان سبايت استطاع ان يجذب الاضواء الى مجموعة جزر فيجى التى لاتزيد مساحتها عن 18الف كيلومتر مربع أى اقل قليلا من مساحة ولاية نيوجيرسى الامريكية ويرجع الفضل اليه (ان كان هناك فضل له) في الكشف عن التسلل الاسرائيلى بعيد المدى داخل هذه الجزر الصغيرة جدا المتناثرة في المحيط. أ.ش.أ