هل عرف عرفات مسبقا بعملية ميونيخ ، مقالة في جريدة أوحت بفكرة توجيه ضربة للحضور الاسرائيلي في الاولمبياد بعد ان مضينا مع مؤلفنا سيمون ريف في رسمه لصورة الواقع الذي افرز جماعة (ايلول الاسود) بعض الوقت, نعود لنمضي معه اليوم للتعرف على الكيفية التي تشكلت بها فكرة تنفيذ عملية ميونيخ ثم التحركات التي قام بها قادة الجماعة لتجهيز خطة العملية وسبل نقلها إلى ارض الواقع. يوضح ريف ان جذور فكرة العملية وعلى الرغم من مرور كل هذه السنين لاتزال غير واضحة المعالم تماما, الا اننا نستطيع الان ان نتبع خيوطها إلى أحد أيام يوليو من عام 1972 لنجد نفسنا في مقهى بيزا ديلا روتوندا في العاصمة الايطالية روما. في ذلك اليوم كان أبو داوود في شقته في روما ينتظر وصول قائد جماعة (ايلول الاسود) ابو اياد قبل ان يذهب إلى اجتماع مع جماعات يمينية متطرفة من الشمال الايطالي, ويوم 13 يوليو وصل ابو اياد إلى روما اخيرا يصحبه زميله في الجماعة فخري العمري, وبعد ذلك بأيام اجتمع الثلاثة في المقهى المذكور. جلسوا يستمتعون بشمس روما الربيعية, ويتصفحون بعض الجرائد الاوروبية والعربية, وسرعان ما شدت انتباه أحدهم مقالة حول دورة الالعاب الاولمبية المقبلة, التي لم يبق على موعدها الا شهرين, وكانت اللجنة الدولية الاولمبية قد أكدت للتو رفضها السماح للفلسطينيين المشاركة بوفد رياضي في تلك الالعاب. ويقول ابو اياد, وهو يتذكر ذلك الامر لاحقا: في بداية عام 1972 ارسلت منظمة التحرير الفلسطينية رسالة رسمية للجنة الاولمبية تطلب فيها السماح لرياضيين فلسطينيين بالمشاركة في دورة ميونيخ, وحينما لم يصلها اي رد ارسلت رسالة ثانية, والتي بدورها لم تقابل الا بالصمت الذي يكتنفه الازدراء, وكان واضحا اننا لا نعتبر موجودين أو الاسوأ من ذلك اننا لا نستحق الوجود بالنسبة لهذه المنظمة, التي تدعي انها لا سياسية. احس الثلاثة بغضب شديد من هذه الاخبار, وبعد ان اكملوا قراءة التفاصيل اشار فخري العمري إلى ان الفلسطينيين يجب مع ذلك ان يشاركوا في هذه الالعاب, وحين سأل ابو اياد عن الطريقة التي ستتم بها المشاركة, اجاب العمري من دون تردد: باختطاف الفريق الاسرائيلي واحتجاز اعضائه رهائن. بعد ان سمع الفكرة وتقبلها, اضاف ابوداوود إن من الضروري ان يقوموا باختطاف اكبر عدد من الاسرائيليين ومبادلتهم لقاء اطلاق سراح الفلسطينيين المعتقلين في اسرائيل. وفي تلك اللحظة كان الثلاثة قد صادقوا على الفكرة وحددوا مصير الاسرائيليين في الاولمبياد. اختيار الفريق وفي ذلك الحين كان ابوداوود سيتوجه إلى العاصمة البلغارية صوفيا, للحصول على رشاشات كاتمة للصوت لصالح فتح وقرر الثلاثة ان يعرج على ميونيخ في طريقه إلى صوفيا, ليستطلع المكان, ويضع خططا مبدئية للهجوم. وصل ابوداوود إلى ميونيخ في ظهيرة احد الايام في اواسط يوليو وحصل من هناك على خرائط مفصلة للمدينة, وجمع معلومات خاصة بحجوزات الفنادق ومواعيد رحلات الخطوط الجوية العالمية منها واليها, كما انطلق إلى شمال المدينة ليستطلع موقع القرية الاولمبية, وبعد جولة فيها غادر إلى بلغاريا لشراء اسلحة فتح. في غضون ذلك كان ابواياد قد بدأ تجهيز فريق الفدائيين الذين سيقومون بالعملية, واختار ابواياد وعلي حسن سلامة لقيادة الفريق لطفي عفيف (عيسى) وهو فدائي فلسطيني من مواليد الناصرة, وللمفارقة فان والدة عيسى يهودية ووالده رجل اعمال ثري من النصارى العرب ولديه ثلاثة اخوة ذكور كلهم من اعضاء (ايلول الاسود) واثنان منهم في السجون الاسرائيلية. كان (عيسى) قد درس الهندسة في المانيا, وتعلم اللغة الالمانية, ثم انتقل للعمل في فرنسا, وانضم لفتح في عام 1966 وعاد للشرق الاوسط ليخوض عدة معارك مع الاسرائيليين, ثم عاد لاحقا لالمانيا حيث يعمل وتزوج من المانية. كما اختار الاثنان فدائيا فلسطينيا ملتزما اخر اسمه الحركي (طوني) ليكون نائبا لقائد الفريق, اذ انه كان قد درس في المانيا ايضا, ويعرف اللغة الالمانية, وفور اختيار القائد ونائبه ارسلا إلى المانيا للبدء في التحضير للهجوم والتعرف الجيد على القرية الاولمبية. يقول ريف معلقا على اختيار الرجلين ان تعيين قائد الفريق ونائبه كان عملية سهلة نوعا ما, لكن الاصعب هو اختيار رجال الفريق, ولذلك اختار ابواياد في البداية حوالي 50 فدائيا شابا, تتراوح اعمارهم بين 17 و20 عاما, وبدأوا تدريبات مكثفة, ويقول ابواياد عن هؤلاء الرجال انهم (اتوا كلهم من مخيمات للاجئين في لبنان وسوريا والاردن, وكلهم ابناء عائلات فقيرة, ومعظم هؤلاء كان تواقا لتحرير افراد عائلاتهم المحتجزين في السجون الاسرائيلية, ولم يكن احدهم يعرف شيئا عن العملية المنتظرة لكن كل واحد منهم كان متلهفا ليكون هو من يقع عليه الاختيار. وبعد اكثر من عملية اختيار متتالية تناقص العدد إلى 6 شباب هم من سيكلفون بتنفيذ المهمة وهم: عفيف احمد حميد, وخالد جواد, واحمد شيخ طه, ومحمد صفدي وعدنان الجشي وابن اخيه جمال الجشي. وقبل شهرين من بداية الالعاب, طار الرجال الستة إلى طرابلس الغرب, ويقول جمال الجشي, ارسلتنا القيادة إلى ليبيا للخضوع لتدريب خاص واخبرونا بأمر التدريب دون الافصاح عن العملية المنتظرة, وفي ليبيا حصلنا على تدريبات متقدمة مع التركيز على تمارين القفز على الحواجز المرتفعة. لا مجال للصدفة لم يكن هناك ما يترك للصدفة, حيث خط ابوداوود وابواياد رسالتين لتسليمهما للشرطة الالمانية خلال العملية, الاولى منهما طبعت بالانجليزية, تطالب باطلاق سراح السجناء الفلسطينيين, والثانية مكتوبة باليد باللغة الالمانية وفيها يتم تمديد المهلة لاطلاق سراح السجناء وتطالب بتوفير طائرات لاخراج الفدائيين والرهائن من المانيا. كما اطلق على الهجوم اسم عملية عقريت وبيرعيم وهما اسما قريتين عربيتين طرد الاسرائيليون اهاليهما عام ,1948 فيما كان التخطيط للهجوم في ميونيخ يتم بهدوء كان ابوداوود لايزال يحس بالقلق ازاء طريقة توفير الاسلحة اللازمة لتنفيذ الهجوم وتهريبها لالمانيا, لكن ابواياد طمأنه وقال له انه سيهتم بالامر شخصيا. وهكذا غادر ابوداوود إلى دمشق ليقضي فترة قصيرة مع زوجته وابنائه, ليغادر بعد ذلك إلى تونس في 17 أو 18 اغسطس ليجري جولة من الاجتماعات مع ياسر عرفات وابواياد وابويوسف وغيرهم من مسئولي فتح. لم يقبل ابوداوود في كل اللقاءات التي اجريت معه لاحقا ان يكشف عن مضمون مادار في اجتماعاته بعرفات حينها, لكن بعد يومين في تونس كان عليه ان يغادر إلى ميونيخ ليقوم بالترتيبات النهائية للعملية. يقول ريف مشيرا بأصبع الاتهام لعرفات بأنه ليس هناك الا قليل جدا من الشك بأن عرفات كان يعلم بالهجوم الذي يتم التخطيط له على الوفد الاسرائيلي, وعلى الرغم من ان ابوداوود لم يناقش الامر مباشرة مع عرفات, الا ان زعيم منظمة التحرير عرف سبب مغادرة ابوداوود لتونس متوجها لالمانيا. انتظر ابو داوود في ميونيخ قلقا لبضعة ايام بانتظار اتصال من ابواياد, وتلقى فعلا اخبارا بان ابواياد سيصل فرانكفورت آتيا من الجزائر في 24 اغسطس, حينها غادر ابوداوود ميونيخ متجها إلى فرانكفورت للالتقاء بزميله. السلاح يمر وصل ابوأياد مطار فرانكفورت بصحبة رجل وامرأة, ليضع الثلاثة حقائبهم على عربة واحدة وتوجهوا بها نحو موظفي الجمارك في المطار, مشى ابواياد بخطوات واثقة, لكن الرجل الذي معه كان يختلس النظر لضابط الجمارك وحاول التقدم بعربته للاختلاط بالمسافرين الاخرين. ويحكي ابواياد عن هذه اللحظات لاحقا: مرت دقيقة رهيبة, ونحن نحاول ادخال الاسلاحة لالمانيا, وفيما كان الثلاثة يتجهون نحو قاعة القادمين اشار ضابط الجمارك الى احدى الحقائب الثلاث وطلب فتحها للتفتيش. لكن لحسن حظ الفدائيين كانت تلك الحقيبة هي الوحيدة التي ليست فيها اسلحة, كانت محشوة حشو بملابس نسائية خارجية وداخلية, وفيما اخذ الرجل بفرش تلك الملابس الداخلية على طاولة التفتيش بعصبية, بدأت مرافقته, التي يفترض انها زوجته تنظر بازدراء لضابط الجمارك, فلم يكن من الضابط المحرج الا ان اشار للرجل بالكف, وطلب من الاثنين الدخول للاراضي الالمانية على الرحب والسعة, وهكذا وصلت الاسلحة. في 26 اغسطس, وهو يوم الافتتاح الرسمي لدورة الالعاب الاولمبية وصلت ابواياد في ميونيخ الاسلحة التي تتضمن عشر قنابل يدوية, اضافة لرشاشات ليخبئها في احدى الخزائن الخاصة بالمسافرين في محطة للقطارات في ميونيخ وهكذا غدا كل شىء على ما يرام, وحينما كان ابوداوود في فندق يتابع حفل الافتتاح على شاشة التلفزيون بانتظار وصول فدائيي (ايلول الاسود) . طار جمال الجشي مع عمه عدنان وعفيف احمد حميد من ليبيا إلى روما, ومن هناك استقلوا القطار نحو ميونيخ ليلتقوا بباقي افراد المجموعة في المحطة, هناك ويستعيدوا الاسلحة من الخزانة, وحجزوا غرفا في احد الفنادق الصغيرة, اما الثلاثة الباقون فسافروا إلى ميونيخ بالقطار من بلجراد. يدعي جمال الان بأنه حتى تلك اللحظة لم يكن يعرف ما هو الهدف على وجه الدقة, على الرغم من انه كان مستحيلا, في تلك الايام, أن نتحرك في ميونيخ من دون ان تكون الالعاب الاولمبية حاضرة في الذهن, وامضى الفدائيون الايام والليالي القليلة التالية مسترخين في فندقهم استعدادا للهجوم. في 4 سبتمبر اجتمع الفريق الفلسطيني بأكمله في محطة القطارات لتناول الغداء معا وتلقى التعليمات النهائية بخصوص عملية عقريت وبيرعيم من قائدي (ايلول الاسود) علي حسن سلامة وابوداوود, وليتعرف الرجال الستة على طبيعة العملية. يؤكد جمال الجشي انه عرف اولا موعد العملية, وقبل ساعات فقط من ساعة الصفر, كما ان هذا الاجتماع في محطة القطارات كان الاجتماع الاول الذي يتعرف فيه على كامل اعضاء الفريق ويقول في هذا الصدد: عرفت بعضهم.. عشنا سوية في مخيمات اللاجئين, وكنا من المنظمة ذاتها, كما تعرفنا على بعضنا خلال التدريب في ليبيا, كنا جميعا متشابهين, ابناء مخيمات اللاجئين, عقيدتنا واحدة وهدفنا مشترك. وتحت انوار المطعم الخافتة رسم احد القائدين الفلسطينيين خطة الهجوم بالتفصيل وكلف كلا من افراد المجموعة بمهمات شخصية خاصة به, ويقول جمال: شعرت بالفخر, فها هو حلمي الطويل بالمشاركة في هجوم على الاسرائيليين اصبح حقيقة. كانت التعليمات النهائية ان يأسر الفدائيون جميع اعضاء الوفد الاسرائيلي ويفاوضوا على اطلاق سراح السجناء في السجون الاسرائيلية, كل ذلك فيما لا يتجاوز 24 ساعة, وهو المدى الزمني الذي تم تحديده بعد دراسة المقدرة النفسية والبدنية للفدائيين للاحتفاظ بسيطرة كاملة على الموقف, وفي نهاية تلك المهلة ان لم يتم التوصل لاتفاق, كان على الفدائيين طلب طائرة تقلهم والرهائن إلى احدى الدول العربية. بعد الحصول على كامل المعلومات, اخذت من الفدائيين كل ما لديهم من اموال أو جوازات سفر أو اي شيء اخر يظهر هويتهم, ثم غادر الفدائيون المحطة نحو فندقهم. يقول جمال الجشي لاحقا: لم اشعر بأي خوف, كنت شابا يملأني الحماس والاندفاع وفكرة استعادة فلسطين تسيطر على ذهني وكياني, كنا نعلم ان تحقيق حلمنا لم يأت من دون التضحية بالارواح, لكنني منذ انضمامي للكفاح المسلح كنت اعي تماما ان احتمال الشهادة قائم في اي وقت, وان كنا نخاف فانما هو الخوف من الفشل في العملية. كان الوقت هو الساعات الاولى من الصباح, حينما اصبح الفدائيون جاهزين للمغادرة وترك الفندق وسط ميونيخ لبدء الهجوم, وفيما كان افراد الوفد الاسرائيلي يغطون في نومهم في مقر اقامتهم في القرية الاولمبية, دخل الفدائيون سيارتي تاكسي كانتا في الانتظار امام الفندق, وطلبا من السائقين التوجه للقرية الاولمبية.