تحدث اسلاميو الانقاذ كثيرا عن الهوية الثقافية وعن التأصيل والتجديد الحضاري, وقد كان تطبيق الشريعة نفسها يمثل عودة الى الاصول حسب المنطق الاسلامي وفكرة المشروع الحضاري كلها تصب في البحث عن هوية او التمايز وتقديم النموذج المختلف عن نظم الحكم القائمة حاليا, لذلك سعت الانقاذ بكل الوسائل الى تقديم صورة مختلفة تمتد الى كل اشكال ومظاهر الحياة لدرجة وصلت الافتعال والسذاجة في كثير من الاحيان, ولان حكم الانقاذ لا يملك حقيقة اي مشروع حضاري او سياسي فقد لجأ نظام الانقاذ الى التجربة والخطأ, وكان الخطأ هو الغالب, هل تريد الانقاذ مجرد تغيير النظام السياسي ام ان هوية مشروع التغيير هي مشروع حضاري يعيد صياغة الانسان والمجتمع السودانيين؟ وقد بذلت الانقاذ طوال اكثر من عشر سنوات جهدا ضائعا من اجل تحقيق هذه الهوية المتصورة او المتخيلة, وقد دفع الشعب السوداني ثمن هذه التجارب غاليا من اقتصاده ورفاهيته وكرامته ايضا, لان الانقاذ لجأت الى القهر والعسف لتثبيت ما تظنه الهوية السودانية الجديدة في اطار المشروع الحضاري. واجهت الانقاذ من البداية مشكلة ايجاد جذور او اصول لمشروعها الحضاري, ووقفت حائرة امام كيف يكون المشروع اسلاميا وسودانيا اي ان يكون مشروعا اسلاميا يطبق في واقع سوداني شديد التعقيد واحتار الاسلامويون بين التشبه بمجتمع المدينة وبين اعتبار الانقاذ الدولة الاسلامية الثالثة بعد دولة الفونج (1504 ـ 1821) والثانية هي الدولة المهدية, وهكذا يبدأ الانفصام بين سودانية ـ اسلامية تراعي الثقافات السودانية او اسلامية ـ سودانية تدخل كل ماهو سوداني في نموذج اسلامي مثالي ومعياري ويلاحظ ان الاسلامويين يتم تقييمهم بين السودانيين, اكثر من خلال قوة انتمائهم الى سودانيتهم, وغالبا ما نسمع من يقول ان مايفعلونه بعيد عن الاسلام ولا يعبر عن الاخلاق السودانية او عاداتنا وتقاليدنا. شكلت عملية تحديد الهوية عقبة حقيقية امام قدرة الانقاذ على توسيع قاعدتها الشعبية لانها ـ ببساطة ـ لم تستطع التعبير عن المزاج الشعبي العام ولا عن الرؤية النخبوية الحديثة, ولجأت الانقاذ الى استخدام السلطة والقوانين والتشريعات ويثبت ذلك انشاء وزارة التخطيط الاجتماعي التي انيط بها تنفيذ فكرة اعادة صياغة الانسان السوداني, ومن هنا ظهر النظام العام والشرطة الشعبية لتمكين الحكم من متابعة تفاصيل الحياة الخاصة للمواطنين ومحاولة قولبتها لتأكيد شخصية اسلامية للمواطن السوداني, ويلاحظ ان مثل الآليات اختزلت الاسلام في مظاهر سطحية ظنتها الانقاذ هي جوهر الاخلاق وحسن السلوك, ولم تهتم الانقاذ بالضمير والاقتناع والتربية, وفي النهاية توقف او تجمد قانون النظام العام, وحتى خلال تطبيقه لم يتمكن من فرض المظاهر التي ارادها, فقد تراجع الحجاب لانه اجباري وشكلي وربطه التنفيذيون بالاستفزاز والاضطهاد فاصبح الحجاب نفسيا مرتبطا بالطريقة التي يتعامل بها الشرطي وليس بالحشمة والادب فقد يمارس شرطي في المطار كل سلطة العسف والقمع مع فتاة مسافرة ليفرض عليها طريقه غطاء للرأس, سرعان ما تنزعه عند ما تقلع الطائرة ولقد اصبح الشارع السوداني مهرجانا متنافرا للملابس لايعبر عن اي هوية اسلامية او سودانية او ايرانية او بدوية, وبالمناسبة التلفزيون السوداني تعبير مصغر عن هذه الهوية المفقودة. يرتبط مفهوم الهوية بالثقافة وهي بدورها مفهوم واسع لكل النشاط البشري المعقد ويمتد من الفنون والعلوم حتى طرق اللبس والاكل مرورا بالقوانين والاعراف, لذلك المتتبع لتاريخ حكم الانقاذ يلاحظ محاولاتهم الواعية او غير الواعية لتأسيس ثقافة جديدة تكون الهوية الثقافية المبتغاة وللمفارقة كان العقيد يوسف عبدالفتاح هو رائد هذا الجانب وليس الكتاب ولا الفنانون, حيث بدأ في تغيير ملامح العاصمة المعمارية, وبدأ في نشر تماثيل الجبنة والفناجين في قلب العاصمة وسمي مشروع تجميل , ومن الواضح سطحية الهوية والاصالة, وكأن الجبنة شعار للسودانية كما ان نحت الموضوعات غير الحية حلال في نظر البعض, وهكذا تحققت الهوية السودانية والاسلامية في ضربة واحد حسب هذا التفكير ولم تأخذ الخرطوم شكل مدينة اسلامية في معمارها وتخطيطها فهي خالية من جماليات المدن الاسلامية القديمة مثل فاس والقاهرة القديمة ودمشق مثلا, وهذا يجرح في عمق وتاريخية الهوية الاسلامية للسودان ويؤكد تعدديتة او على الاقل الانقطاعات الحضارية التي عاشها وبالتالي تراكمت ثقافات ولم تنصهر تماما في حضارة واحدة معاصرة, ولاننا لانجد في الخرطوم او ام درمان, المدينة الاسلامية القديمة التي تؤكد الهوية, لذلك حاول الانقاذ ـ رسميا وشعبيا ـ تلفيق تلك الهوية على مستوى التنظير وعلى مستوى العيان والملموس. خلط الاسلاميون بين السياسة الخارجية وبين الهوية الاسلامية, فقد اتجه النظام نحو اقامة علاقات قوية مع دول اسلامية معينة بسبب العزلة الدولية التي عاشها النظام لفترة طويلة, وحاول النظام ان يقدم تقاربه مع ماليزيا او ايران او تركيا باعتباره تأكيدا للانتماء الاسلامي وليس مجرد توسع في العلاقات الاقتصادية او الدبلوماسية ففي داخل العالم الاسلامي تتعايش هويات كثيرة لم يمنعها الدين الواحد من تأكيد خصوصية محددة تحكمها شروط التاريخ والجغرافيا لذلك تختلف تركيا او ماليزيا عن السودان رغم العقيدة الواحدة, لان هناك عناصر ثقافية اخرى تضاف الى الدين في تكوين الهوية فقد اصبحت هناك سفريات جوية اخرى تضاف الى الدين في تكوين الهوية, فقد اصبحت هناك سفريات جوية منتظمة الى اسطنبول ويلاحظ المرء وجود اعداد من الاتراك في السودان, وانتشرت المخابز السورية والاسيوية في العاصمة المثلثة, كما ان الجامعات السودانية تستقبل جنسيات من عدد من الدولة الاسلامية. يعتبر الابداع مجالا هاما لتأكيد الهوية الثقافية ولكن نظام الانقاذ لم يستطع ان يحقق انجازات تذكر في مجالات الفنون والاداب , هناك حديث عن ادب اسلامي وفنون اسلامية ولكن لا يوجد دليل ملموس في شكل كتب ومجلات واصدارات ومعارض ومسرح.. الخ يثبت هذه التسمية وقد لجأت اجهزة الاعلام الى المدائح النبوية والتصوف, رغم الاختلاف الضمني بين تجديديه الجبهة الاسلامية وبالذات الترابي وبين الصوفية والطريقة والطائفية عموما. وفي بحث الاسلامويون عن هوية في الابداع, فشلوا تماما في تقديم اي اضافات مميزة مما عمق ازمة الهوية ورضي الاسلامويون باستيراد ثقافة هجينة يطلق عليها تسمية اسلامية, ويمكن تتبع ذلك في بعض الكتب والمجلات والمسلسلات القادمة من الخارج. السودان الآن, رغم كل الضجيج والصياح بلد بلا هوية واصبح مفتوحا لتأثيرات ثقافية متنافرة ومتناقضة, لذلك من الطبيعي ان يصدر كتاب اسود يركز على العصبية الاثنية واثارة النعرات القبلية وحتى الهوية السودانية المتنازع عليها تحولت الى نزاعات عنصرية او شبه عنصرية. د.حيدر ابراهيم علي