هل كان تشكيل (أيلول الأسود) أمرا حتميا ، هكذا اجتاز عرفات المنطقة الوعرة بين الهجوم وفقدان الزعامة في الساعات الأولى من صباح الخامس من سبتمبر 1972 قفزت مجموعة من رجال جماعة (أيلول الأسود) الفلسطينية فوق السور المحيط بالقرية الأولمبية في ميونيخ وهدفها الوصول لمقر اقامة الوفد الاسرائيلي, وخلال 24 ساعة تلاحقت أحداث تابعها مئات الملايين على شاشات التلفزيون, لتفجر أسئلة عديدة لا يزال الكثير منها ينتظر الاجابة حتى اليوم. والاجابة هي ما يحاول المؤلف سيمون ريف, الوصول اليها بأسلوب تحقيقي لاهث وراء المعلومة وبالاعتماد على عشرات من الوثائق والصور اضافة لعشرات من اللقاءات مع الشخصيات التي حركت الأحداث في عملية ميونيخ وعملية (غضب الرب) التي نفذها جهاز المخابرات الاسرائيلي (الموساد) للانتقام من الفلسطينيين الذين غادروا ميونيخ على قيد الحياة. وسيمون ريف صحفي وكاتب بدأ حياته العملية مع صحيفة (صنداي تايمز) البريطانية واستمر بها خمس سنوات ليتخصص بعد ذلك في تأليف كتب عن الفساد والجريمة المنظمة و(الارهاب) . ومن كتبه التي لفتت الأنظار إليه (أبناء آوى الجدد) . يأخذنا المؤلف سيمون ريف في كتابه الجديد هذا (ذات يوم في سبتمبر) في رحلة مكثفة ليستعرض, وفق منهج بحثي مفصل يعتمد على استخلاص روايات الأحداث ممن شاركوا فعلا في صنعها, تطورات الأوقات العصيبة لعملية الهجوم على الوفد الاسرائيلي في ألعاب ميونيخ الأولمبية عام 1972 التي قامت بها جماعة (أيلول الأسود) الفلسطينية. لكننا سنختار في مناقشتنا لهذا الكتاب أن نبدأ من الفصل الثاني وعنوانه (أيلول الأسود) الذي خصصه المؤلف لاستعراض التطورات والظروف والأحداث والحسابات السياسية التي أخرجت هذه الجماعة للوجود. ويوضح ريف ان (أيلول الأسود) كانت غير معروفة في الغرب عمليا قبل هجومها المدوي في ميونيخ. لكن ميونيخ لم تكن الظهور الأول لهذه الجماعة على الساحة الدولية, إذ انها افتتحت نشاطها الدولي في 28 نوفمبر 1971 باغتيال وصفي التل رئيس الوزراء الأردني في فندق شيراتون بالقاهرة. وحينها ظنت حكومة المنطقة أن (أيلول الأسود) ما هي إلا جماعة صغيرة من الشباب ستختفي قريبا, لكن ما ان مضت ثلاثة أسابيع على مقتل التل, حتى نفذت المجموعة في لندن محاولة اغتيال فاشلة لزيد الرفاعي, السفير الأردني لدى بريطانيا. ينطلق المؤلف بعد ذلك ليقدم استعراضا تاريخيا مقتضبا للصراع العربي - الاسرائيلي - والذي يرى من وجهة نظره ان جذوره التاريخية تعود لأيام داوود الذي أسس مملكة يهودية في فلسطين قريبا من العام 1000 قبل الميلاد ثم يتابع سرده ذلك ليمر باحتلال الرومان لفلسطين وطردهم لليهود الذين نزحوا إلى أرجاء العالم ليشكلوا يهود الشتات, قبل ظهور الإسلام وفتح المسلمين لفلسطين, ثم يعرض للحملات الصليبية والحكم العثماني الذي شهدته أيامه الأخيرة بدايات الغزو الأوروبي الجديد للمنطقة وفشل العرب في إدراك أن هذا الغزو ما هو إلا مقدمة لما هو أسوأ. ويمر ريف في عرضه التاريخي هذا ببدايات الحركة الصهيونية والحرب العالمية الأولى التي تلاها وعد بلفور وتدفق الهجرة اليهودية إلى فلسطين وهكذا حتى يصل حرب يونيو 1967 التي كانت البداية الحقيقية للمقاومة الفلسطينية. أصل الحكاية يقول ريف إن ياسر عرفات بعد نجاحه في السيطرة على منظمة التحرير الفلسطينية عام 1968 وحصوله على تفوض قوي من قادة المقاومة الفلسطينية بدأ يكثف من عمليات بناء قواعد لحركة فتح في الأردن بما في ذلك العيادات والمدارس ومعسكرات التدريب العسكري أيضا. كما بدأت المنظمات الفلسطينية في الأردن تتجاهل السلطة الأردنية وتزيد من تحركاتها المسلحة في عمان وحولها بشكل جعل العاهل الأردني الملك حسين يحس انهم آخذون في بناء دولة داخل الدولة ستهدد عرشه يوما ما. وفيما كان عرفات مصمما على أن تخوض فتح والمنظمات الفلسطينية الأخرى حربا ضد اسرائيل من قواعدها في الأردن بشكل أساسي, إلا ان الأحداث لم تمض كما أراد لها. فقد قرر جورج حبش, زعيم الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين اتباع خط أكثر تشددا وتطرفا ورفض الانضمام لعرفات. ومنذ 23 يوليو 1968 بدأ فدائيو الجبهة الشعبية سلسلة من الهجمات ضد المصالح الاسرائيلية باختطاف طائرة لخطوط (العال) الاسرائيلية في رحلتها من روما إلى تل أبيب وتحويل خط سيرها نحو الجزائر. ثم اختطفوا طائرة أخرى لخطوط العال في العام نفسه في مطار أثينا وقتلوا أحد ركابها وهو ضابط في البحرية الاسرائيلية وجرحوا العديد غيره. لكن اسرائيل ردت على هجوم أثينا بهجوم ضد لبنان الذي اتهمته بأنه يأوي ويساعد الفلسطينيين, حيث دمرت 13 طائرة عربية كانت جاثمة في مطار بيروت. ولم يفلح هذا في وقف هجمات الجبهة الشعبية بل تبعته باختطاف طائرة أمريكية كانت في طريقها إلى دمشق في 29 أغسطس 1969 كما هاجمت خمسة مكاتب لطيران (العال) في أوروبا. وفي السادس من سبتمبر 1970 هاجم نشطاء الجبهة أربع طائرات حول العالم, واحدة أمريكية وأخرى سويسرية أجبروهما على الهبوط في مطار حربي سابق للقوات الجوية البريطانية في الأردن يعرف بمطار داوسون, حيث احتجزوا الركاب كرهائن. أما الطائرة الثالثة فهي أمريكية تم تحويل سيرها إلى القاهرة. فيما الرابعة اسرائيلية تم تحويل خط سيرها إلى لندن لكن عملية الاختطاف فشلت وتم القبض على ليلى خالد وقتل زميلها النيكاراجوي باتريك أرجويللو. وفي اليوم التالي, اختطفت طائرة متوجهة من البحرين إلى لندن لتجبر على الهبوط أيضا في مطار داوسون الأردني. هذه ليست إلا بعض من العمليات التي يوردها ريف في عرضه لظروف تشكيل جماعة (أيلول الأسود) , إذ يقول بأن الملك حسين أصبح يخشى تنامي قوة المنظمات الفلسطينية ويعاني من ضغط الحكومات الغربية باعتباره المسئول عما يحدث داخل دولته. وبدأ الملك حسين بتحريك قواته انتظارا لذريعة يمكن استخدامها لطرد أو سحق المقاتلين الفلسطينيين, وسرعان ما أتته بتحويل أعضاء الجبهة الشعبية لثلاث طائرات مختطفة في يومين فقط لمطار أردني, لم يفرج عن ركابها إلا بعد افراج السلطات البريطانية عن ليلى خالد. وبدأ قادة الجيش الأردني يرجون الملك حسين اعطاءهم الضوء الأخضر للهجوم على معسكرات الفدائيين. وقد تحدث الملك حسين لاحقا عن حادثة معينة في تلك الأيام, حينما شاهد أحد قادة الدبابات وقد ربط حمالة صدر نسائية على هوائي الارسال في دبابته. وحينما سأله الملك عن السبب في فعله ذلك رد الضابط عليه بالقول: (لاننا مثل النساء جبناء) . وحينما عاد الملك حسين إلى قصره ذلك اليوم أتاه خبر تفجير أعضاء الجبهة الشعبية للطائرات المختطفة أمام عيون حشود الصحفيين العالميين. وسرعان ما عين الفريق حابس المجالي قائدا عسكريا وأمر بهجوم شامل على المقاتلين الفلسطينيين. وصباح 17 سبتمبر 1970 كانت الدبابات والعربات المدرعة تدخل شوارع عمان لتبدأ المعركة. تعرضت المعسكرات الفلسطينية وحتى تلك التي يشتبه بأنها كذلك لقصف شرس. ودعما لعرفات أرسل السوريون دباباتهم إلى الأردن لكن المقاتلات الأردنية أسرعت بالهجوم عليها جوا لوقف تقدمها قبل وصولها إلى موقع القتال. فيما حرك الاسرائيليون ألوف الجنود وعشرات من الدبابات إلى الحدود استعدادا للتدخل والقيام بغزو شامل للأردن لو تبين ان اليد العليا ستكون للفلسطينيين. وأخذ عرفات يرجو العراق ومصر المبادرة بالتدخل لمساعدته عسكريا. قاتل الفلسطينيون بشراسة, لكن جيش الملك حسين كان أكثر عدة وعتادا. ولم يهدئ غبار المعركة إلا وكان أربعة آلاف فدائي فلسطيني قد سقطوا صرعى. حينها قال الفلسطينيون انه كان أيلولا أسود. العنف أو السقوط بعد تلك الأحداث فر جانب من مقاتلي فتح إلى سوريا, لكن معظمهم انتقل إلى جنوب لبنان, حيث سمح لهم بالسيطرة على أكثر من عشرة مخيمات وقواعد حول العرقوب, قريبا من الحدود اللبنانية - الاسرائيلية. نتيجة لذلك الشعور بالمرارة بين صفوف الفلسطينيين وخصوصا الشباب مما رأوه ضربة في الظهر من جانب السلطة الأردنية, أخذوا في هجران (فتح) والالتحاق بالجبهة الشعبية لتحرير فلسطين. لكن عرفات كان يدرك ان فتح لن تستطيع تحمل هذا النزيف في الأنصار, وأحس بأنه ليس أمامه من خيار إلا اعطاء موافقته الضمنية على استخدام العنف. كان رجال عرفات على اختلاف مواقعهم يعانون من شدة اليأس وانخفاض المعنويات والغضب من لامبالاة العالم بما حل لساحتهم. وما لم يظهر عرفات بمظهر من يتخذ اجراءات ضد الدولة الاسرائيلية, مهما اتصفت به من يأس فسيفقد سيطرته على منظمة التحرير, أو هكذا يرسم المؤلف ملامح صورته في تلك المرحلة. لكن الدول العربية كانت ترفض قيام مقاتلي عرفات بشن هجمات على اسرائيل انطلاقا من أراضيها. ولهذا فقد تشكلت مجموعة جديدة, بموافقة عرفات, هدفها شن الهجمات وتنفيذ عمليات الاغتيال ضد اسرائيل, وخارج المنطقة بشكل خاص. وبابقائه قيادة المجموعة سرية وفصلها عن هرم السلطة داخل (فتح) , أمل عرفات أن يتمكن من الاحتفاظ بامكانية انكار قابلة للتصديق إذا ما تسببت أعمال المجموعة بالاحراج لفتح أو لأنصارها بين الدول العربية. اختار الفلسطينيون لجماعتهم الضاربة الجديدة اسما له مغزاه, كان مقدرا له عن قريب أن تتردد اصداؤه في الشرق والغرب, حينما بدأت جماعة (أيلول الأسود) نشاطها. يقول أبو داوود, الذي كان قائدا لمقاتلي فتح في الأردن, ان جماعة (أيلول الأسود) كانت مستقلة في قراراتها وتمويلها عن فتح بحيث تتمكن فتح ومنظمة التحرير من تجنب الادانة عن عملياتها. وكانت المجموعة كأفراد وقيادة مسئولة عن نجاح أو فشل عملياتها. يتابع أبو داوود: (جوهريا لم يكن هناك تنظيم اسمه (أيلول الأسود) بل ان فتح تعلن عن عملياتها تحت هذا الاسم لئلا تبدو بأنها من ينفذها) . وكان أبو اياد وهو مدرس من مواليد يافا في 1933 والذي كان يعتبر من بين (حمائم) فتح, قد تحول بعد الطعنة الأردنية للفدائيين إلى أكثر أعضائها تشددا بل وأختير بحكم الأمر الواقع قائدا لمجموعة (أيلول الأسود) . لماذا ميونيخ؟ تحت قيادة أبو اياد تشكلت هيكلية قيادية لـ (أيلول الأسود) من بقايا جهاز الرصد, وهو الذراع الاستخباراتي لفتح, والذي كان يتضمن إلى حد كبير شبانا نشطين تلقوا تعليما جيدا, والعديد منهم درسوا في الجامعة الأمريكية في بيروت. واختار أبو اياد نائبا له شابا يتمتع بشخصية ساحرة, هو علي حسن سلامة, وهو ابن المجاهد الفلسطيني الأسطوري الشيخ حسن سلامة, الذي حارب الاسرائيليين عام 1948, وعلي لم يحمل اسم والده فحسب بل وكبرياءه أيضا. وإلى جانب أبو داوود جند أبو اياد أيضا أحمد أفغاني ليدير الشئون المالية والموارد, ومهندسا يدعى غازي الحسين ليتدبر أمر الحصول على الأسلحة والتجهيزات المتطورة, كما عين فخري العمري وهو مقاتل موهوب بحرب الفدائيين ليتولى رئاسة ما يسمى بقسم الخدمات الخاصة لـ (أيلول الأسود) , أي الجناح التنفيذي المسئول عن تنفيذ الهجمات. كان هؤلاء نخبة فدائيي منظمة التحرير. كما كان سلامة وأبو داوود والعمري من بين بضعة مقاتلين أرسلوا إلى القاهرة لتلقي تدريبات خاصة بالاستخبارات عام 1968 حيث تعلموا فن القتال. وأسرعت المجموعة لتعلن عن وجودها باغتيال التل ومحاولة اغتيال المجالي. ومنذ الأيام الأولى من عام 1972 أخذت مجموعة (أيلول الأسود) تشق طريقها بقوة الأحداث إلى الساحة العالمية. ففي السادس من فبراير اغتالت خمسة أردنيين في ألمانيا بتهمة التعامل مع اسرائيل وفي اليوم نفسه نسفت ناقلة نفط في هولندا. وبعد يومين نسفت مصنعا لشركة ألمانية في هامبورج تورد محركات لاسرائيل. وفي 22 فبراير هاجمت المجموعة خطا للأنابيب في المدينة الألمانية ذاتها. وفي أوائل مايو 1972 دبرت المجموعة عملية اختطاف طائرة تابعة لخطوط سابينا في رحلتها من بروكسل إلى تل أبيب. وبعد هبوط الطائرة في مطار اللد في تل أبيب قرر موشى دايان الهجوم على الطائرة بجنود القوات الخاصة وهذا ما حصل فعلا لتنتهي العملية بمقتل الفلسطينيين الأربعة داخلها. كانت عملية سابينا اخفاقا ذريعا لـ (أيلول الأسود) ولهذا فقد قرر قادتها ان تكثيف العمليات وحده هو الكفيل باعادة رفع المعنويات في المخيمات واستعادة سمعة الجماعة. وهكذا وبينما كان الاسرائيليون يحتفلون بنجاح عمليتهم كان أبو اياد وفؤاد الشمالي يحضرون اجتماعا دعاهم إليه جورج حبش في مخيم البداوي في لبنان. كان الاجتماع استثنائيا فقد كان يحضره ممثلون عن الجيش الجمهوري الايرلندي والجيش الأحمر الياباني ومجموعة بادرمينهوف الألمانية. وتوجت المحادثات باتفاق هذه الجماعات على دعم عمليات بعضها, بل وتنفيذ عمليات بالنيابة عن الأخرى في مناطق وجودها, كأن تقوم بادرمينهوف مثلا بتنفيذ عمليات ضد أهداف في ألمانيا لصالح الفلسطينيين مثلا. وكانت أولى ثمار هذا الاتفاق هي عملية الهجوم التي قام بها عناصر من الجيش الأحمر الياباني على مطار اللد في تل أبيب وسقط فيها 24 قتيلا و78 جريحا. أرسلت عملية اللد اشارة قوية ترددت اصدقاؤها في كل أنحاء العالم. ومع ذلك استمرت (أيلول الأسود) في تنفيذ المزيد من العمليات ضد المصالح الاسرائيلية في أوروبا واسرائيل. ووسط كل هذا الزحام من هجمات (أيلول الأسود) ضد اسرائيل, كانت الدولة اليهودية تستعد لارسال فريقها الرياضي إلى دورة الألعاب الأولمبية في ميونيخ التي تبدأ في أول سبتمبر, حينما كانت رؤوس المجموعة تدبر لهجومها.