ظلت الجبهة الاسلامية تدعي طوال تاريخها حتى قبل اطلاق هذا الاسم عام 1986 انها تتميز بدعوتها للأخلاق, وانها جاءت لتملأ اقطار المجتمع بالقيم الاخلاقية وان تبث الاخلاق في العمل السياسي والمجتمع حسب قولها في دعايتها القوية ضد الاحزاب الاخرى، وكانت المهمة الاخلاقية هي اقوى سلاح استطاعت الجبهة ان توظفه بطريقة جيدة وفعالة في الحياة العامة السودانية من السياسة وحتى الفنون. وقد بررت الجبهة استخدام العنف تحت قناع حماية الاخلاق او النهي عن المنكر بكل الوسائل المتاحة بما في ذلك اليد او السيخ مثلاً. وكان من المتوقع ـ نظرياً ـ من حركة دينية ان تهتم بالأخلاق في سلوكها السياسي اي طريقة الحكم وفي السلوك اليومي لاعضائها فهي مطالبة بتقديم القدوة او النموذج ولكن يلاحظ المرء تدهوراً اخلاقياً شاملاً في السودان يضاهي قيمة الجنيه السوداني في الاقتصاد والسوق فقد اهتمت الجبهة الاسلامية حين حكمت بتأمين سلطتها السياسية بكل الوسائل وجعلت كل القيم خادمة لها من اجل تكريس سلطتها وصارت الاخلاق تقيم بمقدار نجاعتها في مساعدة النظام على الاستمرار اي التمكين حسب مصطلح الاسلامويين. يلاحظ منذ قيام النظام انه اعتمد على الكذب والتمويه والتضليل لانجاح الانقلاب وبعد الخلاف الاخير صرح الترابي علانية بأنه تقرر ان يذهب هو الى السجن والبشير الى القصر. ومن المعروف ان الجبهة ظلت لفترة طويلة تنكر اي صلة لها بالانقلاب والآن اعترفت طواعية بتلك الكذبة الكبرى لأن الظروف السياسية اقتضت التعامل مع تلك الكذبة على صعيد آخر وهو تحديد الادوار في انقلاب 30 يونيو 1989 فكيف يمكن تحليل الكذب المحرم في كل الشرائع؟ وهنا يستخدم الاسلامويون باستخفاف مبدأ الضرورات تبيح المحظورات أو ما يسميه الشيخ حسن الترابي فقه الضرورة فهذا الفقه يمكن ان يجعل اي شيء ممكناً وجائزاً والعجيب ان هذا الحديث يقول به غير المؤمنين حين يفترضون عدم وجود اله فكل شيء ممكن فالاسلامويون يفتحون باباً خطيراً بأعمال فقه الضرورة بلا ضوابط اخلاقية. تتعدى المسألة الكذب والصدق فقط, فهي تتعلق بالايمان والكفر فالمؤمن يمكن ان يكذب على الكافر, حسب بعض الفقهاء في بعض المعاملات الاقتصادية مثلاً, ويحرم عليه ان يكذب على المؤمن. ويستطيع الاسلامويون تصنيف كل من يخالفهم او يعارضهم ككافر, لذلك خطورة التعامل مع الشعب السوداني في جانبه المعارض وهو أغلبية تكمن في تطبيق قاعدة رخصة الكذب على الكافر. وهذا يفسر لماذا لم يشعر قادة الجبهة الاسلامية بأي ذنب حين كذبوا على الشعب السوداني وحين اعترفوا لم يعتذروا بل ذكروا ذلك من موقع الفخر غير المباشر اي انهم قد طبقوا خطتهم بنجاح وتعامل البشير والترابي مع هذا الموقف وكأنه طبيعي وعادي. قادت الكذبة الاولى الى سياسة كاملة ميزت حكم الجبهة طوال سنواته التي قاربت 11 عاماً وهي عدم تمليك الشعب اي حقائق وبالتالي ابعاده عن اتخاذ القرارات ثم فرض تنفيذ هذه القرارات بقوة تأخذ اشكالاً متعددة وغابت عن الحكم اي شفافية بسبب عدم تمليك الحقائق للجماهير وقابلت هذا الوضع استراتيجية مضادة وهي عدم تصديق ما تقوله وتفعله الحكومة ويلاحظ المرء رد فعل الجماهير تجاه الخلاف بين البشير والترابي اذ ظل الكثيرون يؤكدون بأنها مجرد مسرحية وانه لا يمكن تصديق من كذب عليهم طوال الفترة الماضية كما ان هذا الخلاف ساهم في كشف العديد من الحقائق التي زيفها النظام في حينه ولكنه يريد الآن استخدامها كأدوات في الصراع الحالي. وفي فترات كان النظام ينفي وجود ارهابيين داخل السودان وفيما بعد قال بأنه تم ترحيل كل العناصر التي تمارس نشاطات غير مشروعة تجاه حكوماتها وكان الموقف الاخير حين اراد النظام تحسين صورته في الخارج وفك العزلة التي ضربت حوله وهناك مثال راشد الغنوشي حيث ظل النظام ينكر احتضانه رغم حصوله على جواز سفر دبلوماسي سوداني. السؤال الآن: هل يمكن ان تقوم علاقة كاملة بين نظام حكم ومواطنيه على الخيانة السياسية؟ هذه علاقة مستحيلة في السياسة الا اذا اصر النظام ان يحكم بدون مواطنين وهذا ما يحاول النظام ان يفعله اي ان يحول المواطنين الى رعايا بلا حقوق. وهذا ما فعله النظام حين انتهك كل الحقوق الاساسية للمواطنين مثل: حق العمل فقد فصل الآلاف وطارد الكثيرين وحرمهم حق التنافس في سوق العمل, حق التنظيم والتعبير كذلك حق الحركة والسفر. وهكذا انقسم السودان الى مواطنين (هم انصار الجبهة الاسلامية) ورعايا (بقية الشعب السوداني) وفي هذه الحالة فإن الرعية ليس لها اي حق في محاسبة النظام الحاكم ومن ناحيته لا يهتم النظام بأي نقد يأتي من الشعب ولكن عند الاختلاف تظهر الجريمة ويهتم عناصر النظام بالاتهامات التي يطلقها الشركاء حاليين ام سابقين على سبيل المثال, طريق الانقاذ الغربي وهيئة المواصفات وقد تجاهل النظام الاصوات غير الحكومية التي نبهت الى الفساد واعتبرت ذلك مجرد دعاية مغرضة تبثها المعارضة, ولكن في النهاية استفدنا من كشف الحال المتبادل حين قرر كل طرف ان يستخدم الفساد المسكوت عنه في معركة البقاء في السلطة, الآن نسمع عن فتح ملفات الفساد. نتوقف هنا لنقول ان الفساد هو اكبر انجاز انقاذي وليس استخراج البترول او سوداتل فهذه ظاهرة اصبحت قاعدة لدى النخبة الحاكمة والتي ازالت الفرق بين المال الخاص والعام وفق مبررات ايديولوجية فقد أصبح مال الشعب مباحاً يصرف في اغراض التمكين ـ حسب قولهم ـ مما يعني الصرف على الحزب واجهزة الامن وكل ما يعتقد المسئول بأنه في صالح تأمين الحكم او المشروع الحضاري. وبالتالي غابت اي اسس للمحاسبة والمراجعة ولم يعد المسئولون يشعرون بأي حرج في التصرف في الضرائب والزكاة والمساعدات والقروض وهذا الوضع الشاذ غير مسبوق في ادارة الدولة الحديثة, حيث يستطيع اي مسئول جبهجي ان يقول انا الدولة وكذلك انا الشعب ومع سيادة هذا التسيب في المال العام سادت الرشوة ايضاً نتيجة الاوضاع الاقتصادية بالاضافة الى ما يراه صغار الموظفين في سلوك المسئولين واصبح من الممكن انجاز اي معاملة رسمية ويتضمن ذلك طائفة من الخدمات تمتد من تزوير الشهادات والوثائق الثبوتية حتى الاعفاءات من واجبات تعتبر وطنية واجبارية. لقد فشلت الانقاذ في اختبار الاخلاق, وذلك بسبب قانون فقه الضرورة وليس فقه الضرورة فقد وجدت واقعاً اقوى من تصورات واوهام الجبهة كحزب وحاولت ان تخضع الواقع لما تفكر فيه ولكن الواقع كان ماكراً وجعلها تتنازل وفي الوقت نفسه تحاول ان تنكر انها تنازلت بل ان الواقع الذي تغير وان الانسان السوداني هو الذي تمت صياغته من جديد لذلك يحاول النظام اطلاق تسميات جديدة يظن انها تكفي واقعياً لتحويل الاشياء والناس الى مضمون الاسم الذي يطلق عليها والامثلة عديدة وهنا الاختلاف بين الاسم الظاهري والمضمون المفارق تماماً للتسمية اي ان الصاق تسمية اسلامي لا تحول الشيء او الامر آلياً الى اسلامي وهذا خداع للنفس مارسه النظام طوال السنوات الماضية حين اطلق التسميات الاسلامية على مؤسسات وسلوكيات كثيرة هي بعيدة واقعياً عن الاسلام. ولكنه اكتفى ورضي بالشكل والمظهر, وهذا من اسباب الاحباط الذي ساد افراد الحركة وعجل بالصراع الحالي الذي يشهده النظام, فهناك من يصر على الماضي في هذا الاتجاه مهما كانت الصعوبات والاخفاقات وفريق يحاول ان يراجع وان ينقذ ما يمكن انقاذه. د. حيدر ابراهيم علي