أوهام خادعة وراء تجارب الهند النووية ، تجارب باكستان النووية الست تعيد الأضواء إلى مشكلة كشمير في الفصل الأخير من كتاب (قنبلة الهند النووية) يتحدث المؤلف جورج بركوفيتش عن بعض الأوهام التي نشأت عن العصر النووي. ويرى انه بالنسبة للهند يفجر تاريخها النووي عددا من الأوهام الخادعة, ويقول ان نهرو على الرغم من انه اتخذ موقفا أخلاقيا معاديا للسلاح النووي, وجعل من هذا الموقف موضوعا دائما ساد كل التصريحات القومية الهندية, إلا انه أعرب أيضا عن اهتمامه بوجود خيار نووي عسكري من أجل الهند. ولم تكن الأنشطة النووية الهندية بـ (النقاء) الذي أظهرته الحكمة الهندية التقليدية. والوهم الآخر الذي يتحدث عنه المؤلف بالنسبة للهند يتمثل في ان علماء الذرة الذين بدأوا العمل مع العالم الدكتور هومي بهابا طيروا شهرتهم باعتبارهم رجالا ذوي براعة فائقة, وانهم يعتمدون على أنفسهم وحدهم في التكنولوجيا, بينما أثبت كثير من رجال بهابا ومن خلفوه ان ادعاءاتهم تلك هي ادعاءات جوفاء. وقد اعتمدت زمرة الاستراتيجيين - على الرغم من مواهبهم - على التكنولوجيا والخبرة الأجنبيتين, على نطاق واسع, واستغرقت تلك الزمرة زمنا أطول لانتاج أسلحة نووية فعالة. الطريق إلى القوة الوهم الخادع الثالث يتمثل في الاعتقاد بأن الأسلحة النووية اختصرت الطريق إلى التمتع بمكانة القوى العظمى في العالم الحديث. ومع بدايات عام 1990 أصبح من الواضح تماما ان النمو الاقتصادي والاستقرار السياسي هما المصدران الأساسيان للقوة التي يمكن استخدامها, وليست الأسلحة النووية. وهكذا شعر علماء الهند ومهندسوها والوطنيون المتحمسون من أبنائها بالاحباط حيال ما يتعلق برغبتهم في دفع الهند إلى مكانة (القوة العظمى) , ويعود سبب هذا الاحباط - في جانب منه - إلى اكتشافهم ان مشروعهم يتطلب اقتصادا قويا ونظاما حكوميا مستقلا. فضلا عن ذلك, فإن تاريخ سياسة الهند النووية قد أظهر أوهاما أكبر تتصل بنظرية العلاقات الأمريكية الدولية وسياسة عدم الانتشار النووي. وكان الوهم الأول هو ان الاهتمامات الأمنية الخارجية هي التي تقرر عالميا وبشكل حاسم السياسة النووية للدول. والوهم الثاني هو ان الانتشار النووي وعدمه هما وجهان لعملة واحدة, ومن ثم فإن الارتداد عن الانتشار النووي يكفيه فقط (قلب) الظروف التي سببته منذ البداية. ولشرح ذلك نجد انه عندما تُعتبر الهموم الأمنية السبب الأول فإن معنى ذلك ان تحسين الأحوال الأمنية لدولة ما سوف يقود إلى (عدم الانتشار النووي) وهذا المنطق الخادع نفسه يرى انه في حالة وجود عوامل محلية معينة وراء حيازة دولة ما للأسلحة النووية, فإن تغيير هذه العوامل الأصلية بعد الانتشار النووي سوف يؤدي إلى العكس (أي إلى عدم الانتشار النووي). والوهم الثالث الكبير هو ان المزايا الأمنية الدولية للديمقراطية, تميل أوتوماتيكيا إلى دعم أهداف عدم الانتشار النووي. وإذا رأينا انه ما من دولة طرحت للمناقشة ديمقراطيا موضوع حيازتها للأسلحة النووية أو الامتناع عنها, فإن رفض الهند لنظام منع الانتشار النووي يعتبر درسا في كيفية تعامل الديمقراطيات الأخرى مع هذه القضية. ونلاحظ, عند مناقشة وجهة نظر المؤلف هذه, ان الدول العظمى التي تمتلك كل منها ترسانتها النووية تحاول اقناع العالم بأن السلاح النووي في أيديها سلاح (آمن) لان تلك الدول تتمتع بالديمقراطية. وهذه المقولة في ذاتها خادعة, وخير مثال على ذلك هو ان الولايات المتحدة التي تفخر بديمقراطيتها كانت أول دولة في التاريخ تفجر القنابل النووية في اليابان أثناء الحرب العالمية الثانية على الرغم من علمها بأن طوكيو لا تمتلك سلاحا نوويا. والمثال الثاني هو ان تلك الدولة الديمقراطية الكبرى نفسها تغمض عينيها عمدا عن امتلاك دولة صغيرة, كإسرائيل لترسانة من الأسلحة النووية مع انتهاجها سياسة عدوانية في المنطقة العربية, فضلا عن تراخيها في موقفها من الهند وامدادها بالوقود النووي وتشددها في فرض الحصار على العراق وايران في الوقت نفسه. وأخيرا, ربما كان الوهم الأكبر من أوهام العصر النووي هو ان أية مجموعة صغيرة من الدول التي تمتلك أسلحة نووية تستطيع تأمين نفسها والعالم كله ضد مخاطر الانتشار النووي (من دون) أن تفرض الأولوية القصوى على نزع سلاحها النووي هي أيضا. ماذا فجرت الهند؟ نعود مع مؤلف الكتاب إلى سؤال مهم يطرحه على رأس إحدى صفحات كتابه وهو: ماذا فجرت الهند ولماذا؟ ويقصد بذلك التفجيرات النووية الخمسة التي أجرتها الهند في مايو 1998. ففي 17 مايو من ذلك العام في مدينة نيودلهي عقد علماء الذرة الهنود مؤتمرا صحفيا أعلنوا فيه قيام الهند باجراء خمسة اختبارات نووية. وأعلن العالم تشيد مبارام, رئيس لجنة الطاقة النووية, ان القنبلة النووية الحرارية أو الهيدروجينية بلغت 43 كيلو طن. وقال انهم اكتفوا عمدا بتلك القوة المنخفضة نسبيا لمنع تدمير (القرى المجاورة) والتسرب الاشعاعي. وقبل ذلك كان قد ذكر ان التفجيرات الأخرى التي وقعت يوم 11 مايو تضمنت متفجرة انشطارية تبلغ 12 كيلو طن, وهي أخف وأكثر احكاما من متفجرة عام 1974, ومتفجرة تبلغ 00.2 كيلو طن, ولم يشر إلى مكوناتها. أما التفجيران الآخران اللذان وقعا في 13 مايو فقد كان أحدهما 0.2 كيلو طن, والآخر 00.6 كيلو طن. ولم يذكر العلماء شيئا عن المواد الانشطارية المستخدمة في التفجيرات أو عن العمق الذي دفنت فيه قبل اطلاقها. وبعد المؤتمر الصحفي قام اثنان من كبار الشخصيات التقنية, وهما كاكودكار مدير مركز بهابا للأبحاث النووية, واس. كي. سيكا, الذي شارك لمدة طويلة في الأبحاث مع العالم تشيد مبارام, باعداد مذكرة لنشرة المركز ذكرا فيها ان القنبلة الحرارية بلغت 45 كيلو طن, والقنبلة الانشطارية 15 كيلو طن, ووصفا التفجيرات الثلاثة الأصغر بأنها (تجريبية) وبلغت 00.2 وحوالي 00.5 وحوالي 00.3 كيلو طن على التوالي. وفي أكتوبر ذكرت صحيفة (انديا توداي) ان العلماء قالوا بعد ذلك ان قنبلة 11 مايو الانشطارية بلغت 20 كيلو طن, والقنبلة الهيدروجينية 25 كيو طن. وأعرب الخبراء الغربيون عن شكوكهم في نطاق تفجيرات 11 مايو وحتى في حدوث تفجيري 13 مايو. وبعد شهور من تحليل البيانات السيزمولوجية, وبيانات حفرة التفجير, نشر تيري والاس من جامعة أريزونا بحثا مفصلا في سبتمبر 1998 ووصل فيه إلى نتيجة تقول ان مجموع قوة تجارب 11 مايو يبلغ ما بين 10 و15 كيلو طن. كذلك توصل دالاس إلى ان قوة تجربة 1974 كانت أقل من خمسة كيلو طن. وفي مقال سابق كان قد ذكر انه حتى لو كانت قوة تجربة تفجير 1974 قد بلغت 12 كيلو طن كما زعم من قبل فإن قنبلة 11 مايو 1998 كانت أكبر من ذلك بما يزيد على الضعفين بنسبة تتراوح من 2.1 إلى 2.2 مما يجعلها أقل من 30 كيلو طن وأقرب إلى 20 كيلو طن في الغالب. وقد سمع العلماء الهنود بهذه الشكوك, ولم يكونوا يرغبون في تعريض أنفسهم لشكوك العلماء الأمريكيين مرة أخرى ولذلك اختاروا اجراء تفجيرات 11 مايو مرة واحدة في الوقت نفسه وذلك للتعمية على الاشارة السيزمولوجية, بالنسبة للأجانب لكي يصعب عليهم تقويم كل تفجير على حدة. وقال العالم تشيد مبارام ان الأمريكيين وغيرهم من الأجانب لا يعرفون خصائص التكوينات الجيولوجية في منطقة التجارب, ولهذا لا يتوفر لديهم أساس كاف لتفسير المعلومات السيزمية. وذكر ان فريقه وضع جهازا لقياس التسارع حول كل متفجرة وحصل على بيانات يعتمد عليها. وفي العاشر من سبتمبر 1998 نشرت الصحيفة الهندية (كرانت ساينس) بحثا تقنيا كتبه ثلاثة من مركز بهابا للأبحاث النووية حاولوا فيه اظهار زيف التقديرات المنخفضة لتفجيرات 11 مايو من جانب العلماء الأمريكيين. وقال المؤلفون الثلاثة ان اطلاق تلك التفجيرات مرة واحدة شوش على الاشارات السيزمولوجية المسجلة في المحطات الدولية التي تقع في الشرق والغرب من موقع التجارب مما جعلها تسجل بيانات أقل من صحيحة, ولكن المحطات الموجودة في الشمال والجنوب سجلت قراءات دقيقة, وأظهرت المتوسطات التي توصلوا إليها قوة تصل إلى 58 كيلو طن مع خمسة كيلو طن زيادة أو نقصانا. وكان مفتاح تقويم الجدل حول التفسيرات السيزمولوجية لتفجيرات 1998 يكمن في قوة تفجير 1974, وهكذا فإن مؤلفي مركز بهابا للأبحاث النووية أجروا حساباتهم جزئيا على تفجير بوخران عام 1974 الذي كان معروفا ان قوته بلغت 13 كيلو طن. وكان من الممكن تقدير قوة تفجيرات 1998 بمقارنة اشارات السيزمولوجية بتلك الخاصة بتجربة عام 1974, وزعم العلماء الهنود ان قوة تفجيرات 1998 تصح فقط إذا كانت قوة تفجير 1974 قريبة من 14 كيلو طن, ومع ذلك فقد كان فريق مركز بهابا يكرر دائما ان القوة الأخيرة هي 12 كيلو طن. على أية حال فقد أقر اثنان من القيادات السابقة للمؤسسة النووية الهندية لمؤلف الكتاب بشكل خاص, بأن قوة تفجير 1974 كانت (أقل كثيرا) على حد قول أحدهما, أو انها كانت (8 كيلو طن) كما ذكر العالم النووي الدكتور بي. كي. ايينجار الذي لعب الدور الأساسي في اجراء تفجير عام 1974 في بوخران وكان رئيسا للجنة الطاقة النووية من عام 1990 حتى 1993. وبهذا انهار الأساس الذي بنيت عليه مزاعم فريق مركز بهابا للأبحاث النووية عام 1998 على الرغم من ان ذلك لم يكن معلوما في الهند لان التقدير المنخفض لتجربة 1974 لم يعلن أبدا. القنبلة الهيدروجينية كان الانجاز الكبير لمؤيدي صناعة السلاح النووي يتمثل في القنبلة النووية الحرارية. وقد انفجر غضب العلماء الهنود على المجتمع الدولي للعلماء الذين تساءلوا عما إذا كان الهنود قد أجروا ذلك التفجير حقا. وكانت مصادر المخابرات الغربية ومصادر أخرى قد ذكرت ان الذي أطلق هو قذيفة انشطارية لا قنبلة حرارية. وعندما سمع تشيد مبارام ذلك في 17 مايو أكد ان التفجير ذا الثلاثة والأربعين كيلو طن كان (قنبلة حرارية) أو (قنبلة هيدروجينية) وليس قذيفة انشطارية. وقال: (لقد استخدمنا مفجرا انشطاريا وتفجيرا ثانويا, ولا توجد في القذيفة الانشطارية مرحلة ثانوية) . وأضاف العالم الهندي يقول: (ان الزمرة الاستراتيجية قد صممت قذيفة انشطارية ولكنها قررت ألا تستخدمها) . وفي مقابلات لاحقة ناقض تشيد مبارام نفسه, وقال ان المرحلة الأولية للقنبلة الحرارية كانت عبارة عن قذيفة انشطارية أدى اشعاعها إلى تفجير المرحلة الثانوية. ويرى المؤلف انه لا يوجد دليل على ان الرغبة في تطوير وتجربة أسلحة نووية حرارية صدرت عن أحد غير العلماء أنفسهم, الذين استمروا في تنفيذ عملية (الدفع) العلمية التي بدأها الدكتور هومي بهابا. وبالنسبة للعماء مثل تشيد مبارام, ومن قبله إدوارد تيلر, كانت القنبلة الهيدروجينية أمرا شديد الجاذبية باعتبارها قدرة يريدون الهيمنة عليها. وينظر العلماء إلى القنبلة الهيدروجينية على انها الانجاز الأقصى للسيادة على قوة الذرة, والتاريخ يسجل أسماء العلماء الذين يمتلكون هذه السيادة. وإذا كان العالمان الهنديان رامانا وإيينجار قد لقيا التكريم والاحتفاء بهما باعتبارهما أبوي قنبلة الهند النووية, فإن تشيد مبارام يمكن أن يحمل صفة (أبو القنبلة الهيدروجينية) . ومن الأسباب الأخرى لاقتنائها ان باكستان لا تستطيع صناعة تلك القنبلة, فإذا صنعتها الهند بامكانياتها فإنها سوف تؤدي إلى ان (تلزم باكستان حدودها) . باكستان ترد وفي يوم 28 مايو فعلت باكستان ما كان متوقعا, فقد قامت باجراء خمسة تفجيرات نووية في وقت واحد في نفق تحت سلسلة جبال راس كوه بالقرب من شاجاي في بوشستان. وتحول لون الجبل إلى اللون الأبيض. وعلى الفور تساءل المحللون في الولايات المتحدة عن عدد القنابل التي جربت وقوتها. وكان الدكتور أ. ق. خان قد أعلن ان أكبر هذه التفجيرات بلغ ما يتراوح بين 30 إلى 35 كيلو طن, وذكر الدكتور سمر مباركماند, الفيزيائي الباكستاني الذي تدرب في اكسفورد والذي تولى رئاسة برنامج المفوضية الباكستانية, للطاقة النووية ان مجموع اختبارات ذلك اليوم بلغ من 40 إلى 45 كيلو طن, غير ان المحللين الأمريكيين قالوا ان التقديرات المستقاة من البيانات السيزموجرافية تشير إلى ان مجموع قوة التفجيرات الباكستانية بلغ بين 9 إلى 12 كيلو طن. وقد حير ذلك التقدير مسئولي المخابرات الذين كانوا يشعرون انهم يفهمون جيدا قدرات باكستان. وكانوا يعتقدون ان التصميمات التي لدى باكستان يجب أن تنتج عنها قوة أعلى إذا تفجرت الأسلحة الخمسة على الوجه الصحيح. وإذا كان قد تم تفجير قنبلة واحدة بدلا من خمس قنابل لكانت النتيجة أقل غرابة. كذلك أثار تفجير باكستان لخمس قنابل دفعة واحدة الشكوك حول سبب قيامها باستهلاك مثل هذه الكمية الكبيرة من المواد الانشطارية الصالحة للأسلحة في وقت واحد, الأمر الذي يحد من حجم (المخزون الاحتياطي) لاجراء مزيد من التجارب في حالة ما إذا أظهرت النتائج الأولى الحاجة إلى تغيير التصميم. كانت الأسباب النفسية السياسية لما فعلته باكستان مفهومة, ولا تدعو إلى الاستغراب إذا وضعنا في اعتبارنا الدوافع التي تدعوها إلى التكافؤ مع الهند. وأصبح في مقدور باكستان الآن استغلال القلق الدولي من حالة عدم الاستقرار الاقليمي لتركيز مزيد من الاهتمام بقضية كشمير التي ظلت الهند تسعى بقوة إلى تحاشي تدويلها. ولذلك قامت باكستان في يوم 30 مايو بتفجير قنبلة نووية أخرى بعد يومين فقط من التجارب الأولى, وبذلك أصبحت التجارب النووية الباكستانية ست تجارب في مقابل خمس أجرتها الهند.