عدت بعد هجرة قسرية زادت علي عشر سنوات الى أرض الوطن وكنت مصراً على استخدام الخطوط الجوية السودانية لكي أتابع التحولات من البداية. وبالفعل كان الرحلة نفسها مليئة بالدلالات فهي قادمة من اسطنبول وهذه اشارة الى توجه السودان الجديد في علاقاته الخارجية, إذ لم تكن تركيا منذ محمد علي باشا تمثل اهتماما سودانيا. ولكن السودان يحاول تأكيد عدم عزلته دوليا بالاتجاه شرقا الى بعض الدول الاسلامية. وكانت الملاحظة الثانية هي طاقم المضيفات في الطائرة, فالسؤال: ما الحكمة في تشغيل مضيفات نساء بهذا الشكل والمضمون؟ فالخطوط الجوية العالمية تستخدم العنصر النسائي لأسباب تتعارض مع تفكير وعقيدة النظام السوداني أي استخدام الجمال والجاذبية في التعامل مع الركاب والزبائن كما يحدث في مجلات البيع والدعاية. لذلك لا توجد أية حكمة في وجود مضيفات في الطائرة السودانية ويمكن للخطوط السودانية تجنيد أي عناصر من أبطال المصارعة الحرة ليقوموا بالضيافة والأمن معا. هبطت الطائرة فجر الجمعة الحادي والعشرين من ابريل الماضي, وفي صالة الوصول فجعت للبؤس والانهاك الذي يطل من وجوه الناس. وقلت في نفسي هل هذا ما قصده الشاعر ادريس جمّاع ولكن يمكن ان يعمّم على شعب كامل: خلقت طينة الأسى وغشتها نار وجد فأصبحت صلصالا ثم صاح القضاء كوني فكانت طينة البؤس شاعراً مثالا فالفقر يتجسد في أجسام الناس النحيلة وتظهر رقة الحال في الملابس حتى الازياء الرسمية غادرتها الهيبة الرمزية التي قصد بها تجسيد هيبة الدولة. والناس ساهمون واجمون كأن على رؤوسهم الطير, فالذي حدث لهم خلال الاعوام السابقة لم يخطر على بالهم وهي أحداث ومصائب تهد الجبال حقيقة. وتساءلت في داخلي: هل يستحق هذا الشعب العظيم ما حدث له؟ فقد لاحظت ـ وللمفارقة ـ ان هذا الفقر السوداني يمكن ان نطلق عليه الفقر النبيل خلافا للفقر الذليل. فالمرء يجد الفقير الشامخ الذي لا يمد يده للبقشيش أو الرشوة وقد يأخذ البقشيش بحياء حين تصر عليه مقابل خدمة فعلية قدمها. وما ان تخرج الى الشارع من المطار حتى تصطدم بالتفاوت والتناقض والاستفزاز الجماعي, إذ تنتشر بعض المباني في جنوب شرق الخرطوم ـ قرب المطار ـ التي لم يرها المرء لا في أوروبا ولا أمريكا ولا في الدول النفطية. هذه طبقة جديدة من اغنياء الحرب والمعاناة, فهناك حديث رسمي عن النهب المسلح ولكنه لا يتضمن النهب المسلح بالمحسوبية والسلطة والانتماء الحزبي الصارخ, هذه الطبقة الغنية النهابة أصبحت لها ملامح انثروبولوجية ظاهرة وكأنهم ينتمون الى مجموعة عرقية أو اثنية واحدة, فهم يتشابهون في استدارة الكرش وترتيب اللحية ووضع الملفحة المخططة بالأسود والموبايل الذي يدلّي جيب الجلباب وحركة العيون القلقة والحزم المفتعل الذي يخفي تاريخا من عقد الصبا. ويتميزون بقلوب وأكباد غلاظ ولا يتحمل ضميرهم هذا الفقر الذي يحيط بترفهم وسفههم. والعجيب هو ان هذا الاستغلال لفائض قيمة انتاج الشعب السوداني لم يأت من التجارة ولا الصناعة ولا الزراعة ولكن من مناصبهم ووظائفهم في جهاز الدولة. لذلك يأتي الواحد منهم الى المنصب أو الوظيفة بنية النهب والثراء السريع في سباق مع التغييرات الوزارية والادارية والولائية. هذه الطبقة الطفيلية بامتياز وأغلبهم من ابناء الفقراء والمساكين الذين صعدوا بسلم التعليم والخدمة المدنية, تصطدم بها في كل مكان فهي ذات شبق نادر للاستحواذ, لذلك تنتشر في مجالات عديدة تظن انها مربحة. من ناحية اخرى, يفقأ البؤس والفقر عين كل بصير, أحزمة الفقر تحيط بالخرطوم وهو ليس الحزام الأسود أو الزنجي كما يسميه البعض لأن الفقر يشمل الجميع في تلك الاطراف. ولأنها الطبقة الطفيلية الجديدة قصيرة النظر, فهي تعتبر ان الخطر عنصري, لذلك تؤجج النزاعات القبلية والعنصرية, وحقيقة الخطر هي انه طبقي واجتماعي خاصة وان هذه الطبقة لا تخلو من العناصر التي تسميها زنجية أو سوداء. فهناك عدد من ابناء الجنوب والغرب يمثل جزءا معتبرا من هذه الطبقة. ولقد تأكدت ميدانيا وبالمشاهدة المباشرة ان الحزام ليس عرقيا. ذهبت صباح الجمعة الى سوق الناقة وهذا وحده يكفي دليلا على سقوط المشروع الحضاري. هناك الدولة غائبة تماما وكل شعارات التدين والاخلاق لا أثر لها, فكل عمليات البيع والشراء والاستقبال والانس تقوم بها فتيات شابات بعضهن متعلمات حتى مراحل فوق متوسطة وأغلبهن من مجموعات عربية يجري في عروقها دم أزرق أو (شريف) ولا صلة لهن بالعبودية والزنجية. كذلك انتشرت أحياء عشوائية طبقت الحكم الكونفيدرالي بطريقتها الخاصة, فالحكومة تخلت عن واجباتها الخدمية في وسط الخرطوم, فما بالك في مناطق خارج العاصمة تسمى أنجولا منعدمة الصلة تماما بدولة التوجه الحضاري. من مظاهر التفاوت انتشار البقالات الحديثة والسوبر ماركت والمخابز ومحلات الحلويات الشامية والتركية وتوجد فيها كل المنتجات المستوردة مرصوصة من الارض حتى سقف المحل يراها ويتفرج عليها المارة وكأنه سائح في متحف, بينما يتوقف عندها أصحاب الكروش والعربات الضخمة المظللة, انها بالفعل قصة مدينتين, فهناك سودانان, سودان الجبهة بكل الترف والتخمة, وسودان الشعب بكل الفقر والبؤس, وهذه آلية مقصودة لاذلال الشعب السوداني بالجوع مضافا اليه القمع السياسي والأمني. لاحظت غياب الدولة من خلال الخصخصة الكاملة لقطاعات الخدمات الأساسية وهذا واجب الدولة, بالذات التعليم والصحة, فالمدارس الخاصة لا تحصى ولا تعد, ففي الخرطوم بحري قرب الشعبية كانت هناك مدرسة خاصة واحدة يسميها العامة مدرسة ميسرة السراج (مدارس الشعب) ولكن الشارع المتفرع منها امتلأ الآن بالمدارس الخاصة حتى أطلق عليه اسم شارع المدارس. والشيء نفسه بالنسبة للمستشفيات والمجمعات الطبية الخاصة, وللمفارقة يحمل أغلبها اسماء اسلامية توحي بالرحمة, ولكن في باطن هذه المستشفيات العذاب للمريض وذويه, فالاسعار عالية والاهتمام الانساني له علاقة شرطية بالقدرة على الدفع. وعادت الأغلبية الى الطب الشعبي أو البلدي, وهذا يفسر الاهتمام بالأعشاب, كما ان سوق الشعوذة العلاجي قد ازدهر بصورة واضحة, ويسمع الانسان حكايات ترجع به الى عصور وسطى تسكنها الساحرات والشياطين. يلاحظ ان مدينة الخرطوم الجميلة الوديعة التي كانت تنافس بناتها بثيابهن البيضاء ووجوههن المشرقة, صارت مرتعا للقبح والشذوذ الذوقي. كنت أمني النفس برؤية ما سمي منذ سنوات بواحة الخرطوم, فوجدت نفسي أمام بركة في وسط العاصمة مليئة بالقاذورات ويطن فيها الذباب والناموس. هذا غير رائحة الفساد التي نشرها هذا المشروع. ولم يعد للخرطوم ما يسمى بقلب العاصمة فقد ماتت بالسكتة المعمارية والجمالية, وبالفعل تأكد لي ان هؤلاء قوم يجيدون صناعة الموت فقط ولا يمكن ان يصنعوا الجمال. تغيب من العاصمة كل وسائل الترفيه والثقافة واعتقد ان هذا الوضع مقصود ومخطط له. فالطبقة أو الفئات الوسطى المثقفة والمستنيرة تم اجتثاثها تماما. كذلك تم تجفيف كل الوسائل التي تمكنها من تغذية الروح والعقل. غابت السينمات والمكتبات والمقاهي والمسارح والحدائق الراقية البسيطة, فالتصحر في السودان لم يقتصر على المناخ, بل وصل بعيدا في روح أو نفس السودانيين بفضل سياسات وخطط نظام الانقاذ. هذه ملاحظات أولية اصطدمت بها منذ الوهلة الأولى ولكنها مفجعة ومأساوية فهذه دنيا كاملة تموت ووطن لم يبق منه شيء سوى اليوم. والى اللقاء.