طالبت دراسة حديثة بتشكيل بنية أمنية جماعية في منطقة الخليج تشمل العراق, والنظر الى الخليج العربي وخليج عمان والبحر الاحمر بوصفها بحيرات عربية صرفة. ودعت الدراسة التي اعدها الدكتور كمال محمد الاسطل رئيس قسم العلوم السياسية بجامعة الازهر فرع غزة، الى تجاوز ما اسماه (عقدة صدام) في منطقة الخليج مؤكدا ان اسرائيل تشكل تهديدا مباشرا لأمن المنطقة. وقالت الدراسة التي اصدرها مجلس الامارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية ان أمن الخليج يتداخل ضمن حدود ظروف محلية وعربية واقليمية ودولية. وحول الظروف التي مهدت لقيام المجلس رسميا عام 1981 قال الباحث ان ابرزها كان الاتفاق العراقي الايراني حول امن الخليج عام 1975 والتحرك السعودي لضمان امن المنطقة بعد ان طرحت ايران ضرورة الاتفاق على حلف امني عسكري. وقال ان الظروف التي ادت الى اعادة طرح فكرة الامن الجماعي الخليجي تمثلت في قيام الثورة الايرانية عام 1979 والحرب العراقية الايرانية وازدياد النفوذ السوفييتي ودعت الولايات المتحدة الى انشاء قوة للانتشار السريع لمواجهة التوسع السوفييتي وحماية منابع النفط وحدوث استقطاب وتصدع في العالم العربي اثر اتفاقية كامب ديفيد المصرية الاسرائيلية اضافة الى استمرار ايران في احتلال جزر الامارات الثلاث. وذكر الباحث مجموعة من العوامل التي ادت الى تسريع وتيرة انشاء المجلس, فأشار الى ان ابرزها كان تزايد الاطماع الاجنبية في الثروة النفطية والتي وصلت الى حد التهديد بالتدخل العسكري في منطقة الخليج لحماية النفط وضمان تدفقه الى الاسواق الغربية والدولية. ورغم ان الباحث اوضح ان مجلس التعاون لم يحدد نظرية سياسية واضحة الا انه قال ان هناك تحديدا لمناهج التعاون والنظام الاقليمي. وقال د. الاسطل ان تحقيق الامن الجماعي لدول مجلس التعاون تحكمه اربعة اسس هي: 1ـ لا يمكن تحقيق الأمن الجماعي لدول مجلس التعاون لدول الخليج العربية الا اذا كانت كل دولة عربية خليجية تتمتع بالأمن والاستقرار الداخلي. 2ـ يمكن تحقيق الامن الجماعي لدول مجلس التعاون اذا استجابت دول الخليج العربية لأية دولة يتعرض أمنها للخطر بمساعدتها على مواجهة التخريب الداخلي والمستورد. 3ـ ان أمن دول مجلس التعاون هو قضية تهم ابناءها في المقام الاول, وان الدفاع عنها هو مسئولية دولها وشعوبها. 4ـ يرتبط امن دول مجلس التعاون بقضية البناء الاجتماعي والسياسي, والقدرة على اقامة المؤسسات والانظمة الجماعية القادرة على تحقيق مستويات من التنمية والتطور الذاتي, بما في ذلك استثمار الثروة النفطية لصالح المجتمع. وتناول الباحث مبادىء ومرتكزات الامن الجماعي لدول المجلس, فقال انها تتمثل في الآتي: 1ـ ضرورة النظر الى الخليج العربي والبحر الأحمر وخليج عمان على انها بحيرات عربية. 2ـ ضرورة التساند والتكامل بين دول مجلس التعاون. 3ـ عدم المساس بالحدود والسيادة الاقليمية لدول المجلس. 4ـ عدم التدخل في الشئون الداخلية لدول المجلس. 5ـ نبذ استخدام القوة. 6ـ اعتبار الأمن الجماعي لدول مجلس التعاون جزءا لا يتجزأ من الأمن القومي العربي. وقال ان هناك ستة ابعاد لأمن دول مجلس التعاون الخليجي هي البعد الاقتصادي, البعد الاجتماعي, البعد السياسي, الجغرافي, العسكري والبعد السكاني (الديمغرافي). واستعرض الباحث العوامل المؤثرة على الأمن الجماعي لدول المجلس واشكاليات تحقيقه فأوجزها فيما يلي: 1ـ عدم تسوية منازعات الحدود في المنطقة. 2ـ عدم التوصل الى تسوية مرضية لكل الاطراف في النزاع العراقي ـ الكويتي. 3ـ غياب آلية فعالة لتسوية المنازعات بين دول مجلس التعاون. 4ـ مشكلة التوازن بين التعددية السياسية والتعددية الاجتماعية (مشكلة الاستقرار والمشاركة السياسية). 5ـ مشكلة التوازن بين العددي والوظيفي (قلة عدد السكان الاصليين والآثار الاجتماعية والسياسية والامنية لوجود العمالة الوافدة غير العربية). وتطرق المؤلف الى اجراءات وسيناريوهات ومستويات تحقيق الأمن الجماعي لدول مجلس التعاون الخليجي. وقال على المستوى الاول: يجب تدعيم القوة العسكرية لدول المجلس باعتبار المجلس هو الركيزة الأولى لأمن المنطقة. وحدد الباحث ثلاثة مستويات لتحقيق الامن, هي: 1ـ تطور الادراك الامني الخليجي ومسارات التعاون في المجال الدفاعي والامني بين دول المجلس. 2ـ المفهوم الأمني على مستوى دول اعلان دمشق ومنطقة الخليج العربي. 3ـ الأمن على مستوى الدفاع العربي المشترك واعتبار أمن المجلس جزءا لا يتجزأ من الأمن القومي العربي. وتحدث عن المستوى الاقليمي, فأكد أربع حقائق قال انها لابد ان تعكس ظلالها على العلاقات بين دول مجلس التعاون وايران هي: 1ـ استمرار احتلال ايران للجزر العربية الثلاث التي تشكل جزءا لا يتجزأ من أراضي دولة الامارات العربية المتحدة. 2ـ الخلافات المذهبية (الخلافات بين الشيعة والسنة). 3ـ اتهام ايران بأنها تقف وراء احداث عامي 1995 ـ 1996 في دولة البحرين ومحاولة قلب نظام الحكم فيها. 4ـ الجوار الجغرافي بين دول مجلس التعاون وايران, وهذا يعني انه لا يمكن التخلص من ديكتاتورية الجغرافيا, ومن هنا لابد من ايجاد صيغة للتفاهم والتعايش بين دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية وايران. وعن العراق قال د. الاسطل ان ايجاد بنية اقليمية للأمن الجماعي في منطقة الخليج تشمل العراق سيكون أمرا حيويا. وأضاف ان المعطيات الحالية القائمة على الارض تجعل مثل هذا الحديث سابقا لأوانه, لكنه اشار الى ان العراق سيظل مؤهلا للعب دور مهم في معادلة امن مجلس التعاون. ودعا الى التخلص من (عقدة صدام) مشيرا الى ضرورة ايجاد صيغة عربية للتفاهم مع العراق. ورأى الباحث ان اسرائيل يمكن ان تشكل تهديدا مباشرا لأمن دول مجلس التعاون حسب المعطيات التي حددها بما يلي: 1ـ الجوار الجغرافي بين المملكة العربية السعودية واسرائيل مع التمركز الاسرائيلي المكثف في منطقة البحر الأحمر. 2ـ سعي اسرائيل الى ايجاد منظومة من المصالح المشتركة مع بعض دول مجلس التعاون, وقد تشكل هذه العلاقات نواة لتوسيع النفوذ الاسرائيلي والهيمنة الاسرائيلية على المنطقة, بحجة مساعدة دول الخليج العربية في مواجهة ايران والعراق. 3ـ التوسع الاسرائيلي الاقتصادي يشكل نوعا من التطوير في الاستراتيجية الصهيونية التي صاغها شيمون بيرز (رئيس الوزراء الاسرائيلي الاسبق), والتي تم بموجبها تعزيز التوسع الجغرافي بالتوسع الاقتصادي والسياسي, وتوظيف اساليب متنوعة للتوسع تصب كلها في صالح الهيمنة الاسرائيلية على المنطقة العربية. 4ـ التعاون بين اسرائيل والقوى الجاذبة الفرعية وبالأخص تركيا في الشمال, حيث تم عقد اتفاقات للتعاون العسكري بين تركيا واسرائيل منذ منتصف التسعينيات وحتى الآن. كما توجد اتفاقات للتعاون العسكري مع كل من اثيوبيا واريتريا في الجنوب. 5ـ ان عدم التوصل الى سلام عادل وشامل في قضية الصراع العربي ـ الصهيوني ينذر بعودة التوتر من جديد الى اجواء المنطقة, مما سيؤثر في أمن دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية. وحول البعد الدولي لأمن دول المجلس, خاصة بعد تفكك الاتحاد السوفييتي وبروز النظام الدولي الجديد, حدد الباحث مبادىء السياسة الأمريكية ازاء امن الخليج في النقاط التالية: 1ـ اتباع سياسة الاحتواء المزدوج لكل من العراق وايران. 2ـ توسيع قاعدة الاتفاقيات الدفاعية الثنائية مع دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية. 3ـ دعم جهود مجلس التعاون لدول الخليج العربية من اجل انجاز مزيد من الخطوات نحو الاندماج والتعاون العسكري. 4ـ السماح لدول مجلس التعاون بامتلاك تقنيات عسكرية أمريكية متقدمة. 5ـ تشجيع حلفاء الولايات المتحدة الأمريكية (وخاصة بريطانيا وفرنسا) على توسيع دورهم العسكري في المنطقة. 6ـ الاحتفاظ بقوة أمريكية قادرة على التدخل المباشر في منطقة الخليج العربي. 7ـ العمل على تطويع الأمم المتحدة لتصبح غطاء دوليا يخدم المصالح الامريكية في المنطقة. 8ـ الضغط على دول مجلس التعاون من اجل رفع المقاطعة عن اسرائيل وتطبيع العلاقات معها (حتى من دون التوصل الى حل شامل وعادل لقضايا الصراع العربي ـ الاسرائيلي), وذلك كـ (تعويض) للدعم الأمريكي لدول مجلس التعاون اثناء الغزو العراقي لدولة الكويت. وخلص الباحث الى القول ان تحقيق امن مجلس التعاون يتطلب تكامل المستويات المحلية والعربية والاقليمية والدولية مع الاعتماد على الذات في المقام الأول, لأن الأمن بالمفهوم المجتمعي الشامل ينبع من الداخل وليس سلعة تستورد من الخارج.