يطلق قدامي المحاربين المشاركين في حرب الخليج الثانية في بعض الاحيان اسم (معركة ساحة الخردة) على معركة الرميلة, لأنه عندما انتهت المعركة كانت ساحتها تعج بالبقايا المحترقة لحوالي 600 دبابة عراقية وناقلات جنود مدرعة ومدافع وشاحنات. وفي الواقع فإنها لم تكن معركة بالمعنى الحقيقي للكلمة. فقد اسفرت عن احتراق دبابة امريكية واحدة عندما انفجرت دبابة عراقية بجوارها, وأدت الى جرح جندي امريكي واحد فقط. ومؤخرا آثار مقال مؤلف من 25.000 كلمة نشر في مجلة (نيويوركر) للصحفي المشهور بتحقيقاته سيمور هيرش ـ اثار اسئلة خطيرة حول القائد الذي اصدر اوامر بهذا الهجوم من جانب واحد, وهو جنرال باري مكافري, من قدامى محاربي فيتنام, والذي يشغل الآن منصب كبير مستشاري الرئيس كلينتون حول سياسة المخدرات. وقد اقتبس المقال اقوال شهود عيان وضباط كبار شككوا في قرار مكافري اصدار اوامره بشن هجوم كاسح على فرقة دبابات عراقية منسحبة بعد يومين من وقف الحرب بقرار امريكي لوقف اطلاق النار. ويهاجم هيرش القرار قائلا انه حتى لو اطلق العراقيون النار على فرقة مكافري الآلية الرابعة والعشرين بقذائف صاروخية, كما ردد رجاله في الخطوط الامامية في حينه, فإن رد مكافري, وهو اطلاق وابل من نيران الدبابات والمدفعية والصواريخ المطلقة من المروحيات على امتداد خمس ساعات كان مبالغا به. وبالفعل فإن هجوم مكافري الذي يأتي بعد وقف لاطلاف النار يبدو مفرطا. ولكن في مقابلة مع مجلة (نيوزويك) , فند مكافري بقوة بعضا من الحقائق التي اوردها هيرش فقد كتب هيرش يقول ان (الكثير) من الدبابات العراقية كانت محملة على شاحنات وفوهاتها موجهة الى الخلف مما جعلها في وضع غير قتالي. ويصر مكافري, الذي برىء في استجواب للجيش الامريكي على ان طليعة الدبابات العراقية كانت تتقدم بتشكيل قتالي وبمدافع معدة للاطلاق. وقرار وقف اطلاق النار كان من جانب واحد, فالعراقيون لم يوافقوا عليه, ومكافري شعر بأن عليه ان يطلق النار لحماية قواته. ويقتبس هيرش اقوال شهود ذهبوا الى القول ان العراقيين لم يشكلوا اي تهديد. ويقول مكافري ان اولئك الشهود كانوا على بعد اميال عن موقع العملية. ومن المرجح ان الخلاف سيستمر, لكنه يفتقد لسياق اكبر. ويقول مكافري: (لم نذهب الى هناك باحثين عن قتال عادل مع اولئك الاشخاص) ويضيف ان (الطريقة الامريكية الجديدة في الحرب) هي تدمير العدو بقوة كاسحة بأقل الخسائر الممكنة. وعندما كان مكافري قائد سرية في فيتنام, وكان الجنود الامريكيون يقاتلون العدو من على بعد 20 ياردة ببنادق وقنابل يدوية. اما الآن فإن الهدف هو ابادة العدو, قبل ان يتمكن من اطلاق رصاصة واحدة. وقد جعلت التكنولوجيا المتفوقة والتدريب هذا الامر ممكنا في عملية (عاصفة الصحراء) وعلق أحد القادة البريطانيين بقوله ان الحرب كانت (كنزهة صيد) . وفي مرات عديدة, حددت الدبابات الامريكية مواقع الدبابات العراقية عبر مناظيرها ذات التصوير الحراري حتى قبل ان يعرف العراقيون ان الامريكيين قريبون فالمدى القاتل للمدفع الرئيس لدبابة امريكية من طراز (ام 1 ايه 1) يتجاوز المدى القاتل لمدفع الدبابات العراقية سوفييتية الصنع من طراز تي ـ 72 بمقدار ميل تقريبا. وفي معركة (73 ايستينج) في اليوم الثاني لحرب الخليج, نجحت في غضون 23 دقيقة في ظل عاصفة رملية. ولم تصب اي دبابة امريكية بخدش في تلك المعركة. وفي معركة (تل مدينة) قامت ست طائرات امريكية مروحية من طراز (ابا تشي) بتدمير 38 دبابة. ونظرا لأن طائرات الاباتشي كانت تبعد ثلاثة اميال في الظلام والمطر عندما اطلقت صواريخها من طراز (هيلفاير) فإن العراقيين لم يعرفوا بالضبط ما الذي ضربهم. وحتى عندما اجتاح الجيش الخنادق العراقية, كانت المجازر بالجملة. فقد قامت جرافة مدرعة بدفن المدافعين العراقيين احياء, لأنهم لم يخرجوا وايديهم مرفوعة. وقد قام بعض الجنود العراقيون بتمزيق ملابسهم وخلعها لاثبات انهم عزل. ان مثل هذه المجازر كانت مقبولة, طالما انها لم تظهر على التلفزيون. ولم يقرر الرئيس الامريكي بوش وقف المجازر, الا بعد ان سجلت كاميرات الفيديو الطائرات الحربية الامريكية وهي تقصف السيارات والباصات العراقية الهاربة من الكويت على ما سمي بطريق الموت. وبعد مضي عقد على ذلك, يقول مكافري انه يرحب باجراء نقاش عام حول طبيعة هذه الحرب واهدافها ويعبر عن قلقه من ان يكون الشعب الامريكي وحتى ضباط الجيش الشبان قد نسوا الضربات القاسية التي تلقتها القوات الامريكية في القتال البري في فيتنام, وان يكون لديهم تصور غير واقعي للحرب المعاصرة. ويقول مكافري: (هل ندرك انه عندما نستخدم القوة العسكرية بشكل حاسم, فإننا في الواقع نقتل اناسا ونحطم معداتهم؟ هل نعي ذلك؟ هل تدرك انه عندما تستخدم القوة, فإنك لا تريد قتالا عادلا؟) ولم يبد مكافري اي مؤشرات للندم او حتى الانزعاج. وقد اخبر مجلة (نيوزويك) قائلا ان الطبيعة غير المتوازنة لمعركة الرميلة جعلتها (واحدة من اسعد اللحظات في حياتي) على حد تعبيره. عن (نيوزويك) ترجمة: ضرار عمير