وضعت الوطن أمام عيني منذ الوهلة الأولى وأنا أكبر يوما بعد يوم, كنت أفكر دائما ما الذي يمكن أن أصنعه لمستقبلي ويمكن أن يفيد بلدي وفي رحلة بحثي عن هدف أعيش من أجله وأمنحه كل حياتي بدأ ينمو داخلي حب الفن حتى سيطر على كل جوانحي, ولذا قررت أن أقتحم عالم التمثيل بقوة لايصدها أحد. وكان انطلاقي الفني الأول من خلال فريق التمثيل بمدرسة (الخديوي اسماعيل) حيث أعلنت المدرسة عن تكوين الوطن بل صاروا أيضا من أبرز المؤثرين في المجتمع المصري مثل علي أمين ومصطفى أمين وعماد حمدي وعزيز الورداني. والمثير أن علي أمين ومصطفى أمين فشلا في التمثيل ويومها حزنت حزنا شديدا لأن أمنيتي في هذا الوقت ذهبت الى أن يكونا معي في مجال التمثيل ولكني سعدت فيما بعد لأنهما عوضا فشلهما في التمثيل وتفوقا جدا في المجال الصحفي, وقد كان الاثنان من أعز أصدقائي وقد أسسا جريدة المدرسة وكنت أتابع نشاطهم الصحفي من خلالها ظهرت عبقريتهما الصحفية التي عرفتها مصر وعرفها العالم العربي كله. التحقت بعد ذلك بالفرقة القومية للتمثيل من خلال مسابقة تقدم لها ما يقرب من ألف شاب نجح منهم سبعة من بينهم أنا وعبدالحليم خطاب ومحمد السباعي وحسن سالم وسامية فهمي وحسن حلمي ومحمد الغزاوي. وجاءتني الفرصة الفنية الذهبية عندما أعلنت الفرقة القومية للتمثيل عن امتحان من أجل ايفاد بعثات الى لندن وروما وباريس لدراسة الفنون فتقدمت للامتحان ونجحت بتفوق وحصلت على المركز الأول وكان من المفروض قضاء فترة دراسة قبل السفر, فدرست الأدب التمثيلي وفن المسرح في كلية الآداب لمدة ثلاثة شهور وتتلمذت على يد عميد الأدب العربي د. طه حسين واقتصرت دراستي على النقد الأدبي الانجليزي واللغتين الانجليزية والعربية, وقد أشاد د. طه حسين بموهبتي الفنية وأكد لي بأنني سوف أكون ممثلا عبقريا وتلك كانت نبوءة فنية منه أعتز بها كثيرا. وغادرت الوطن لأول مرة حينما سافرت الى لندن لدراسة فن التمثيل على يد أساتذة الفن في انجلترا بالمعهد القومي الانجليزي (الأولدفيك) مثل لورانس أوليفييه عميد المعهد وكبير المخرجين في القسم العربي بالاذاعة البريطانية جورج ديفين والمخرج البريطاني بترون جاسري ومايكل دجريف, وكان من زملائي الممثل العالمي ريتشارد بيرتون وبيتر شتازوف, وأتذكر أن لورانس أوليفيه الذي حصل على لقب لورد وعند وفاته حبذ أهله أن يدفنوه في مدافنهم لكن ملكة انجلترا رفضت وأمرت بدفن هذا الرجل في مقابر العظماء بانجلترا وذلك تقديرا واعزازا للفن الرفيع ورجاله الذين منحوه كل حياتهم. عشت أزهى سنوات الفن في ظل ثورة يوليو حيث كان للفن مكانته وتقديره الخاص بالاضافة الى ثراء الابداع الذي كان بلا حدود في كل المجالات. بل أنني وبالرغم من حصولي على العديد من الجوائز إلا أن الجائزة الوحيدة التي أعتز بها هي التي حصلت عليها في عهد الرئيس الراحل جمال عبدالناصر الذي منحني وسام العلوم والفنون من الدرجة الأولى عن جهودي في مشروع الصوت والضوء في منطقة الأهرام والأقصر. كذلك أعتز بأنني أحمل درجة أستاذ من أربعة معاهد بمصر والكويت وليبيا وبغداد, ولي في هذه البلاد العديد من التلاميذ أتذكر منهم حسين الصالح ومريم الغضبان وعبدالفتاح الوساعة. وحاليا فإنني أعيش مرحلة قد تبدو حرجة في عمري حيث وصلت تقريبا الى سن 92 عاما ولكنها سنوات تكللت بحب الوطن والفن, أعيش في منزلي مع زوجتي وأولادي وأحفادي, وخروجي أصبح قليلا بل نادرا.. فقط في المناسبات القومية والمشاركات الوطنية. حكايات يرويها: الفنان محمد توفيق