توزعت الصراعات على ربوع القارة, ما بين انقلابات عسكرية, أو التمرد على الأنظمة الديكتاتورية الحاكمة لفترات طويلة, أو الصراعات العرقية القبلية, أو التنازع بين المركز وحركات التمرد الانفصالية الجهوية, ثم الصراعات الحدودية, وصولا الى أكثر أشكال الصراع درامية, وهو المؤدي لانهيار الدولة بعد تجاوز الأطراف المتقاتلة لكل الخطوط الحمر, وبما يؤدي الى انهيار أركان الدولة على رؤوس الجميع ! ( خمائر) الصراع ساهم في الوصول الى هذه الوضعية التراجيدية, أوضاع الاقتصاد المتردية من تخلف ومديونية, وظروف معيشية متدنية, والافتقار لأبسط مبادئ قواعد الديمقراطية, وتفشي الفساد السياسي والاقتصادي, فضلا عن التدخلات الخارجية: إقلمية ودولية - تأخذ في كثير من الأحيان صورا تنافسية - مما يصل بالأمور الى درجة اهتزاز أرجاء القارة بعنف, وتزايد الشروخ باتساع خريطتها! والى حد بعيد, فإن الكثير من سمات ظاهرة العنف - بصورها ومستوياتها المختلفة - تعود الى التركيبة التاريخية, والبنية الاجتماعية ـ الاقتصادية لمعظم دول القارة, ثم دور الاستعمار - القديم والحديث على السواء - في تكريس العرقية والطائفية والقبلية, خاصة عند ترسيم الحدود - الأطول بين الحدود السياسية في أي قارة أخرى - مما جعل (خمائر) اشتعال الصراعات قائمة دائما تحت الرماد, داخل الكثير من الدول, أو الحدود بين دول الجوار! وأخيرا فإن ثمة مفارقة - في هذا السياق - تتمثل في تفجير التحول نحو الديمقراطية لعدد من الصراعات الافريقية . تمخض عن ذلك افراز نحو سبعة ملايين لاجئ, و 20 مليون شخص, وانتشار الفوضى, وتوقف عجلة التنمية والتقدم , وانهيار سلطة الدولة, وخسائر بشرية بالملايين ما بين قتلى وجرحى ومعوقين, ومليارات الدولارات موزعة ما بين الإنفاق على التسليح, وتوقف عمليات تصدير المواد الخام, وتدمير البنية الأساسية, وهروب الاستثمارات, ولاشك أن ذلك يؤدي في المحصلة النهائية الى مزيد من تردي الأوضاع, وتحول الدول المعنية الى أسرى لحلقة جهنمية من العنف والمجاعة والفقر, وتسلم كل منها للأخرى, ويدفع البشر ثمن الصراع : مرضا, كراهية, ظلما, تخلفا, ودمارا. شأن عربي الغريب في الأمر أن البعض لايدرك أن مايحدث في القارة السوداء, يجب أن يمثل شأنا عربيا , بحاجة الى استراتيجية واضحة للتعاطي مع الشأن الافريقي, لأن افريقيا تضم عشرة دول عربية, وتمثل ليس فقط مجالا حيويا لمصالحهم, لكنها تمثل قبل ذلك عمقا استراتيجيا للعرب, ولأمنهم القومي, إذ يدخل القرن الافريقي, واقليم البحر الأحمر كوحدتين متكاملتين, في مقدمة أولويات الأمن القومي العربي, لاسيما في دائرته الخليجية - على الضفة الأخرى للبحر - من جهة, وأمن القطاع الشمالي الشرقي ( مصر والسودان ) من الجناح العربي الافريقي, من جهة أخرى, إذ تمثل المنطقتان الجوار الجنوبي للأمن القومي العربي, والعمق الاستراتيجي للخليج العربي والشمال العربي الافريقي, باعتبارهما الاتجاه الرئيسي لعبور النفط, وحلقة الاتصال بين النظم الاقليمية, كما يمثلان العمق الاستراتيجي لمصر - على وجه الخصوص - من زاوية تأمين الملاحة في قناة السويس, وتأمين مواردها المائية, من ثم فهي مصالح يعد المساس بها تهديدا مباشرة للأمن القومي العربي برمته . علاوة على ما تقدم, فإن للعرب مصالح حيوية في افريقيا على أكثر من صعيد, تأمينيا تمثل افريقيا - جنوب الصحراء - عمقا استراتيجيا للمغرب العربي, ولعل النزاع الليبي ـ التشادي المتكرر والنزاع حول تبعية الصحراء المغربية, والتوتر بين موريتانيا والسنغال بمثابة نماذج واضحة للضغوط التي يمكن تصعيدها من جانب بعض الدول الافريقية بدعم خارجي ( غربي ـ اسرائيلي ) بهدف عزل العرب افريقيا, أو زرع الجفاء بين العرب والأفارقة, أو فتح جبهات صراعية تستنزف ثرواتهم وجهودهم . أما على صعيد المصالح الاقتصادية, فإنه الى جانب مسألة مياه النيل الحيوية لمصر والسودان, فإن التبادل التجاري, والتوجه العربي لفتح أسواق افريقية جديدة, أو التوسع في الأسواق القائمة, تمثل مصالح اقتصادية عربية مهمة, وعلى الصعيد السياسي فإن للعرب مصلحة واضحة في استثمار وزن الدول الافريقية الهائل في الأمم المتحدة, وأجهزتها المتخصصة, وكذا في المنظمات الدولية, والاقليمية التي تضم في عضويتها دولا عربية وافريقية عبر تبادل التأييد لقضايا الطرفين, والتعاون في حل المشكلات التي تحظى باهتمام متبادل . عقبة خطيرة إلا أن غياب سياسة افريقية واضحة للعرب يمثل عقبة خطيرة أمام تأمين مصالحهم الحيوية في القارة - وينعكس سلبا على الأمن القومي العربي - ويفاقم من ذلك الأمر, غياب التوازن الدولي في افريقيا, وتعرضها لانفراد النفوذ الأمريكي, ولايخلو الأمر من درجة من درجات التنسيق ! وفي ظل هذه الصيغة تعتبر فرنسا القارة ا لافريقية عمقا استراتيجيا دفاعيا لأوروبا - لاسيما جنوبها ودولها المتوسطية - وتثمن افريقيا كسوق طبيعية للمنتجات الأوروبية بشكل عام والفرنسية على درجة الخصوص . بالتوازي مع التنافس الأمريكي ـ الفرنسي تنشط التحركات الاسرائيلية في افريقيا لدعم مرتكزاتها, وتوسيع تحالفاتها لانجاز العديد من أهدافها السياسية, الأمنية, العسكرية, الاقتصادية, والديموجرافية, واسرائيل في تحركها - المتعدد المحاور - تتعامل مع افريقيا كميدان مفتوح لصراعها مع العرب, ولعل ذلك يبدو جليا عبر اثارة مشاكل الحدود, وتحريض الأقليات في عدد من الدول الافريقية ذات الجوار الجغرافي مع العرب, كما هو الحال في جنوب السودان والصومال وأريتريا, والاشارة الى عبثها في دول حوض النيل أمر يحتاج الى دراسة مطولة ! كذلك محاولة بث الفرقة بين العرب والأفارقة للحد من فاعلية التعاون العربي ـ الافريقي من ناحية واحباط أي محاولة لدفع التعاون المشترك من ناحية أخرى باستثمار ضعف وشكلية التعاون العربي ـ الافريقي, كما تلعب اسرائيل على وتر مساعدة القوى الغربية في تنفيذ سياستها, لاسيما مايخدم منها الاستراتيجية الاسرائيلية تجاه افريقيا . على هذه الأرضية, فإن تفعيل الدور العربي في افريقيا يتطلب اعتماد عدة آليات متكاملة, استنادا الى محددات وتوجهات استراتيجية عربية واضحة, تتفق مع طبيعة المتغيرات والتفاعلات الاقليمية والقارية والدولية وتكون تلك المحددات والتوجهات المدخل لوضع تصور استراتيجي أشمل لضمان المصالح العربية في افريقيا وتحقيق المصالح الافريقية المأمولة لدى العرب, سواء عبر المنظمات الاقليمية (منظمة الوحدة الافريقية, وجامعة الدول العربية) أو على مستوى المنظمات تحت الاقليمية القائمة على أساس جغرافي ـ اقتصادي, أو على صعيد العلاقات الثنائية. عقيدة .. وتجارة ثمة اشارة ضرورية في هذا السياق, تتمثل في أن التقاعس العربي, وسلبيات الاداء في التحرك على الساحة الافريقية, لايعني غياب مرتكزات يمكن تنشيطها, والاعتماد عليها مستقبلا, بل أنه يوجد تاريخيا مرتكزان للعلاقات العربية ـ الافريقية يمكن دائما الاستناد اليهما, وهما العقيدة الاسلامية, والمصالح الاقتصادية, بالاضافة الى الميراث الذي جمع الشعوب العربية والافريقية خلال مرحلة الاحتلال الأوروبي, ثم مرحلة حركات التحرر, وما بعد الاستقلال وإن كان لابد من الاعتراف بأن مسار العلاقات تعرض للعديد من الانكسارات والمنعطفات لكن يبقى هناك الأساس الذي يمكن اعادة البناء فوقه . بمعنى آخر, فإن التعاطي العربي مع الشأن الافريقي ليس وليد ظروف طارئة, لكن آثار الصراعات الافريقية التي تمس مصالح العرب وأمنهم القومي, لابد أن تحفز على الاسراع باتخاذ اجراءات تتجاوز دور الوساطة, أو جهود التهدئة سواء عبر الاتصالات الثنائية, أو من خلال المنظمات القارية, والاقليمية, الى تعاون مؤسسي على أسس ثابتة, تعطي بعدا راسخا للعلاقات العربية ـ الافريقية, وتكسبها قوة دفع في المديين المتوسط والبعيد, وهو الأمر الذي تصبح له انعكاسات عملية لنزع فتيل العديد من الصراعات, خاصة ما يكون منها ذا أبعاد اقتصادية , عبر تقديم القروض والمساعدات والمعونة الفنية, لاسيما أن المساندة الاقتصادية الغربية لافريقيا (أمريكية وأوروبية) في تضاؤل مستمر, من ثم فإن الفرصة متاحة أمام تحرك عربي مدروس, أكثر مما مضى, خاصة اذا ما نجح هذا التحرك في استثمار محاولات الغرب تهميش افريقيا, من خلال تقليص حجم المساعدات والاستثمارات لدول القارة, مع التمسك بتسديد مديونياتها أو تخفيضها بشكل رمزي! المبادأة والاستمرارية الأمر يتطلب - إذن - استراتيجية شاملة تعتمد على روح المبادأة, والشمول والاستمرارية, مع مراعاة التوازن بين مصالح العرب والأفارقة , في ذات الوقت, وبشكل متكافئ, وهو ما يتطلب مزيدا من الجهد العربي في إبراز الانحياز للمصالح الافريقية في مواجهة المخططات الغربية الاسرائيلية التي تسعى لزيادة حدة الخلافات العربية ـ الافريقة . والتفكير المنطقي - في هذا السياق - يقتضي توظيف دول الشمال الافريقي كدول عربية افريقية تمثل قاعدة انطلاق يمكن من خلالها انجاز عملية جذب الأطراف العربية غير الافريقية لدوائر المصالح في القارة بهدف خلق درجة عالية من توازن القوى - ومن ثم التأثير الفعال - على مستوى كل الدوائر الافريقية, سواء في منطقة القرن الافريقي, وشرق القارة الذي يطل على غرب القارة الذي يقع بأكمله على المحيط الأطلنطي, نقطة التلاقي مع التحالف الغربي, وأخيرا الطرف الجنوبي حيث الموقع الحاكم في الاستراتيجيات الدولية. لقد كان انعقاد المؤتمر العربي الافريقي الأول عام 77 بداية حقيقية للتعاون المشترك, وكان اعلانه السياسي قاعدة مناسبة للانطلاق صوب تفعيل التعاون, كما جاء بناء هيكل مؤسسي لهذا التعاون خطوة في اتجاه دفع هذا التعاون نحو بناء سياسة عربية افريقية, تنتهج التوازن في المصالح, وتتوخى التحالف الاستراتيجي كأسلوبين لتحقيق الأهداف والغايات, وإن لم يكن الواقع العملي على مستوى الآمال, أو حتى الخطط, إلا أن مسارات التعاون العربي ـ الافريقي, الثنائية, والمتعددة الأطراف كفيلة باحياء التعاون في اطار ماهو مخطط له, وصولا الى الآمال المعقودة عليه . يعني ذلك ضرورة الاسراع باستئناف الحوار العربي ـ الافريقي, من خلال لجان التنسيق الوزارية, مع تنشيط الآليات التي تم اقرارها خلال المؤتمر العربي ـ الافريقي, مع توسيع وتعميق قاعدة الحوار بين الطرفين يتطلب ذلك زيادة فاعلية وتأثير منظمة الوحدة الافريقية, وجامعة الدول العربية, من خلال تخصيص الاعتمادات اللازمة لتدعيم أطر التمويل والاستثمار والمعونة الفنية, وتوسيع أوجه مشاركتها في تنمية افريقيا, واتخاذ خطوات ايجابية على صعيد توسيع نطاق التعاون مع الدول الافريقية في كافة المجالات مع الاهتمام بأوجه التعاون ذي الابعاد الاستراتيجية . ارتباط عضوي وإلى حد بعيد فإن توقيع اتفاق انشاء بنك التنمية والتعاون الافريقي بين الجامعة العربية ومنظمة الوحدة الافريقية في نهاية عام 96 , والذي تساهم فيه الجامعة بحصص مالية لدعم المشروعات الانمائية في الدول الافريقية, يمثل آلية يمكن أن تكون ذات تأثير كبير في حالة توسيع قاعدتها لزيادة الارتباط العضوي والاستراتيجي بين العرب والأفارقة, وبالتالي فان مساهمتهم في فض وحل النزاعات والصراعات الافريقية ـ الافريقية يمكن أن تلقى استجابة تتجاوز مجرد الترحيب الشكلي الى اتخاذ خطوات عملية برعاية عربية, طالما حرص الطرف العربي على اتخاذ أسلوب الحياد ومنهج تجميع الأطراف المتصارعة حول مائدة المفاوضات, والعمل على حشد القوى الاقليمية والدولية المؤثرة - من خلال عمل جماعي - للتوصل الى حلول سلمية, ثم تقديم المساعدات الممكنة خلال فترات التحول الديمقراطي, أو تثبيت نظم الحكم الشرعية, وهو ما يكون له عائد سياسي واقتصادي يتجاوز المدى المنظور . إن تحقيق الاستقرار السياسي للدول الافريقية يشكل مطلبا أساسيا للدول العربية, من ثم فإن على العرب معاونة الأفارقة على أكثر من محور, فعلى الصعيد الأمني لابد من تقديم أقصى مساعدة ممكنة بامداد الدول الافريقية بالخبرات العسكرية والأمنية, وعدم ترك الساحة أمام التغلغل الاسرائيلي المدعوم غربيا, أو المد الأصولي المدعوم من قوى اقليمية وتنظيمات ذات امتدادات دولية, بالاضافة الى تقديم خبراء عرب لتدريب الجيوش والأجهزة الأمنية, والاهتمام بدعم التعاون المعلوماتي . أما على الصعيد الاجتماعي ـ الثقافي فمن الضروري دعم الدور الثقافي, وتطوير اداء الجامعات العربية الاسلامية, وفي مقدمتها الأزهر, بزيادة عدد المنح الدراسية والبعثات, ودعم الروابط مع الخريجين الأفارقة من الجامعات العربية, وزيادة البث الاعلامي العربي, وتبادل البرامج الثقافية والاعلامية, بالاضافة الى دعم البعثات الطبية الى دول افريقيا الموبوءة . وإذا كانت المشكلة الاقتصادية تمثل العائق المحوري أمام تنمية المصالح العربية في أفريقيا, وبالتالي القدرة على التأثير في فض الصراعات, فإن تحسين العلاقات الاقتصادية العربية ـ الافريقية يتطلب وضع استراتيجية تحقيق زيادة الاستثمارات العربية في افريقيا, مما يساهم في ارساء قواعد وأسس الاستقرار السياسي, ومن الضروري أن يكون التضامن العربي تجاه افريقيا مباشرا ودون وسيط. وعلى المدى البعيد, فإن السوق العربية ـ الافريقية يجب أن تعتمد كهدف استراتيجي يحتل أولوية متقدمة, من أجل تنمية العلاقات المشتركة, بما يحققه من درجة تعاون اقتصادية عالية, تزيد بالتالي من تعميق الترابط بين الطرفين, ولاشك أن تلك الخطوة تحد من توجه الدول الافريقية للاستسلام طوعيا أو بفعل الضغوط للهيمنة الغربية, أو الانغلاق داخل التكتل الافريقي في مواجهة التكتلات العالمية, مما يضعف التوجهات الافريقية نحو العرب. إن الرهان العربي على امكانية لعب دور في حل الصراعات الافريقية المؤثرة - بشكل مباشر أو غير مباشر - على الأمن القومي العربي يمكن أن يحقق نجاحات عملية, بشرط امتلاك رؤية استراتيجية شاملة, وتحركا جماعيا مؤسسيا, يتجاوز البحث عن مكسب عاجل تحققه علاقة ثنائية ناجحة بين دولة عربية, وأخرى افريقية, لأن الاطار الأشمل لعلاقة عربية ـ افريقية يمكن أن يحقق على المدى البعيد أكثر مما يتصور البعض, أو يعده آخرون من قبيل أحلام اليقظة. * كاتب وباحث مصري