لم تفض نهاية الحرب الباردة كما كان منتظرا الى اشعاعة حالة الاستقرار على المستوى العالمي, فاذا كانت قد سمحت بحل بعض النزاعات في بعض مناطق العالم, فان القارة الافريقية شهدت انفجار عدد من الصراعات التي كشفت عن الصعوبات التي تواجهها هذه القارة في مواجهة التحولات التي عرفها العالم, مكرسة بذلك ما أشار اليه في الستينيات الاقتصادي الفرنسي المطلع على خبايا الامور رينيه ديمون Rene Dumont الذي اعتبر في كتاب له ورغم ان هذا الكتاب كان قد واجه احتجاجات من طرف الزعامات الافريقية المتمركسة والمتياسرة, فان الواقع الحالي يشهد ان مثل هذه التحليلات لم تكن بعيدة عن الواقع. فما يحدث يوميا في بعض اجزاء هذه القارة يكشف عن تراجيديا حقيقية تهددها. ومما يزيد الامور تعقيدا ان الكثير من المنظمات الدولية, سواء منها الحكومية أو غير الحكومية لا تستطيع ان تفعل الشيء الكثير من أجل اخراج القارة الافريقية من الوضع الذي تتردى فيه. تنوع الأسباب قد يكون من الخطأ تقديم تفسير وحيد لوضعية الصراع التي تميز افريقيا. فمن جهة, فان النزاعات التي تخترقها ليست من نفس الطبيعة, ولا من نفس الامتداد التاريخي, فهناك صراعات قديمة تعتبر من مخلفات الحقبة الاستعمارية نفسها, وترتبط بقضايا حدودية وعرقية, زادتها الممارسة السياسية والتدخلات الاقليمية والدولية تعقيدا. وتقدم مأساة السودان النموذج الواضح لمثل هذه الصراعات, حيث صراع كلاسيكي يجمع كافة هذه المؤثرات فهو ليس فقط صراعا سياسيا بين فرقاء مختلفين, بل علاوة على ذلك يطرح على الدولة والمجتمع المدني تحديا اساسيا يكمن في معرفة ما اذا كان السودان قادرا على الاستمرارية بنفس هذه البنية ام لا مناص له من القبول بانفصال الجنوب لتشكيل كيان مستقل خاص به, ومن ثم فانه يطرح امام المتابعين للشأن السوداني التأثيرات المتداخلة بين مختلف المستويات؟ وهل يكفي حل المعضلة السياسية لتجاوز اشكاليات الانفصال, ام العكس هو الصحيح؟ يقارب الصراع السوداني في بعض تجلياته النزاع المتفجر بين اثيوبيا واريتريا. ففي هذاالنزاع الذي يضع في المواجهة دولتين من افقر الدول تعانيان من المجاعة وتدهور مؤشرات الحياة, يبقى المجال الترابي حاضرا بقوة تغذي العلاقة المتوترة التي ربطت بين الطرفين, وتتفق هاتان الحالتان مع النزاعات الاخرى التي تخترق القارة الافريقية, من حيث انعكاساتها السياسية, فالصراع على السلطة يعتبر من العناصر الحاسمة في مختلف الصراعات التي تنخر القارة حاليا. فسواء تعلق الامر بالكونغو او سيراليون فاننا نجد انفسنا في قلب الاشكالية الديمقراطية في القارة. ذلك ان تعاقب القيادات بدعوى محاربة الفساد, واقرار الانتقال الديمقراطي سرعان ما تعجز عن تحقيق هذه الاهداف, بل الادهى انها لا تتردد في اعادة انتاج النظام الذي حاربته بشكل فج, الشيء الذي يؤجج ضدها معارضة جديدة. ففي الكونغو مثلا, فان ممارسة كابيلا الذي اقصى موبوتو لم تفض لا الى محاربة الفساد وتحسين وضعية السكان, ولا الى اقرار ديمقراطية كما كان يطالب بذلك, ونفس الشيء قد نتلمسه في الصراع الذي يعصف بسيراليون, ففي هذا النموذج نجد انفسنا امام بركان قد يخمد في فترة معينة, لكنه سرعان ما يعود الى اطلاق حممه, ويعود ذلك الى ان الوصفات المستعملة لمعالجة مثل هذه الصراعات المعقدة قد تنفع مؤقتا في تهدئتها, لكنها عاجزة عن حلها بشكل نهائي, فهذا صراع زاحف منذ اكثر من ثماني سنوات مكرسا بذلك حالة عدم الاستقرار التي تعرفها البلاد, والكثير من الاقطار الافريقية. لكن لماذا تستمر الصراعات الافريقية وتصبح عسيرة على الحل؟ قد تكون الاجابة مرتبطة بتعدد الاسباب الكامنة وراء النزاع, وكذلك تعدد المتدخلين فيه. فمن جهة, فإن نهاية الحرب الباردة, وتنامي ظاهرة العولمة عرت الواقع المأساوي الذي تتردى فيه شعوب هذه القارة. ويكفي ان نقيس درجة التدهور بضعف مساهمة القارة الافريقية في التجارة العالمية حيث لا تتجاوز 3% وكذلك بمرض الايدز الذي يقتل سنويا ما يناهز المليون شخص, والذي يكشف عن تخلف البنيات الصحية الاستقبالية في مواجهة هذه الآفة ان هذه الوضعية تعري فشل السياسات التي اتبعت في افريقيا منذ استقلال الكثير من الدول ولاسيما في المجالات الاجتماعية والاقتصادية, وينبغي الاقرار ان الشروط الطبيعية والمناخية ليست دائما رحيمة مع هذه القارة, الشيء الذي يجعل ظواهر الجفاف والتصحر بما تنتجه من مجاعة وشح في الموارد الغذائية اصبحت من الخصائص البنيوية لكثير من الدول الافريقية, مما يضيف عنصرا آخر للتوتر بفعل هجرة اللاجئين الباحثين عن مورد يضمن لهم حق البقاء ولا ريب في ان تضامن هذه المعوقات جعل الانتقال الديمقراطي في عدد من الاقطار الافريقية عسيرا, على خلاف ما وقع في دول اوروبا الشرقية التي استطاعت بحكم درجة نموها الاقتصادي ووعي المواطن السياسي ان تضمن انتقالا عاديا. من الواضح انه مهما كانت الاسباب التي تقود الى نشوب الحروب والصراعات في القارة السمراء فإنها سرعان ما تتحول الى ازمة دولية بفعل تعدد الفاعلين والمؤثرين فيها, وهذه المعاينة تصعب امكانية تطويق النزاع, وتجعل تسويته امرا في غاية الصعوبة, وهذا ما نتلمسه من خلال ضعف المبادرات الهادفة الى تسوية النزاعات الافريقية. آليات التسوية من الناحية المؤسساتية والقانونية تتميز افريقيا بكونها تتوفر على منظمة اقليمية اتصفت بالانتظامية والاستمرارية في عملها, فعلى خلاف النظام العربي الذي عجز عن تجاوز ازمة الخليج حيث لم يجتمع منذ سنة 1990 اي مؤتمر للقمة يحقق المصالحة العربية فإن منظمة الوحدة الافريقية حافظت على ديمومة اجتماعات قمتها, واكثر من ذلك سعت الى المساهمة في ايجاد تسوية للنزاعات قبل استفحالها, بل ادرك واضعو الميثاق ان التركيبة الناتجة عن الاستعمار يمكن ان تساهم في زعزعة الاستقرار اذا تم اعادة النظر في الحدود الموروثة عن الاستعمار. بيد ان هذا المبدأ الذي تحفظت عليه بعض الدول لم يكن ذا قيمة كبيرة في الحيلولة دون انفجار الصراعات حول المطالب الترابية, وعلاوة على ذلك فقد تم تأسيس لجنة الوساطة والتوفيق والتحكيم وفقا للمادة 19 من الميثاق التي نصت على تعهد الدول الاعضاء بتسوية جميع المنازعات التي تنشأ فيما بينها بالطرق السلمية, ارتكازا على الوسائل التي حددتها وهي الوساطة والتوفيق والتحكيم. لكن تقييما موضوعيا يبين ان هذه الآلية لم تفلح في الاضطلاع بالوظائف المنوطة بها, ويعزي ذلك الى استشراء روح التوجس والريبة بين الدول الاعضاء, وعدم ثقتها في قدرة الآليات الاقليمية على انصافها, بل اكثر من ذلك, فإن تعقد النزاعات وتورط مجموعة من الدول فيها, وضعف الامكانيات لدى منظمة الوحدة الافريقية افضى الى تهميش دورها او عدم فعالية تدخلها, كما لاحظنا ذلك من خلال حالة سيراليون, فقوات ايكوموج المشكلة من قوات افريقية لم تستطع مواجهة قوات الجبهة الثورية الموحدة بزعامة فوداي سانكوح, لذلك فقد بات واضحا ان المنظمة الافريقية لم تعد تشكل الاطار الفعال لمعالجة الصراعات التي تدمي القارة السمراء. امام هذه المعاينة, فقد تحولت اغلب الصراعات الى منظمة الامم المتحدة التي اصبحت معنية بأغلبها, ولا سيما عندما يأخذ الصراع ابعادا مسلحة, كما هو الامر في الكونغو في بداية الستينيات, لكن تجربة المنظمة العالمية مع افريقيا لم تكن دائما ايجابية, بل يظهر ان اكبر الاخفاقات سجلتها في القارة الافريقية, وتؤكد حالات الكونغو والصومال ورواندا تواضع الدور الاممي في الحسم في النزاعات الافريقية, وقد يعود ذلك الى جملة من العوامل منها ما هو مرتبط بخصوصيات الصراعات الافريقية, كما اوضحنا او متعلق بضعف الدور الافريقي, خاصة فيما يخص المساهمة المادية في عمليات التدخل التي تتطلب ميزانية ضخمة, او بمسئوليات الدول الغربية, ولا سيما الدول العظمى التي تعتبر ان الاوضاع الافريقية معقدة, وفي الوقت نفسه غير مغرية, حيث لم تعد القارة تمارس تأثيرا في سير النظام العالمي, ومن ثم لا تبدي حماسا كبيرا لارسال قواتها الى مناطق النزاع الافريقية, الامر الذي يفرض في كثير من الاحيان على الامم المتحدة ان تستعين بقوات افريقية او من دول متخلفة لحفظ السلم في هذه القارة, وبسبب وضعية دول العالم الثالث, فإنها غالبا ما ترسل قوات لاتتوفر على كافة المقومات للقيام بمهامها. وقد بينت الاحداث الاخيرة التي شهدتها سيراليون هشاشة القوات الاممية, وكان من الضروري ان تتدخل القوات البريطانية في فريتاون حتى تعيد نوعا من المصداقية للقوات الدولية. ويطرح هذا الواقع تساؤلات مقلقة حول معالجة الصراعات الافريقية المستديمة والمعقدة كما هو الامر بالنسبة للكونغو الذي ينتظر نشر قوة دولية مازالت الامم المتحدة تبحث عن الاطراف التي ستكونها, والتي يمكن لها ان تساهم في تمويلها. وصفوة القول, لايبدو على الاقل في الامد القريب, ان القارة الافريقية ستخرج من دوامة الصراعات المستعصية التي تميز تاريخها لما بعد الاستقلال فدون السقوط في نزعة تشاؤمية يبدو واضحا انه لا مخرج من هذه الكماشة الا بمجهود دولي يتوخى بالاساس العمل على البحث بدون كلل عن حل للنزاعات الافريقية من خلال منع انتشار الاسلحة بين يدي الاطراف المتحاربة, ففرض حظر على الاسلحة والعمل على احترامه يعتبر من الوسائل المساعدة على التخفيف من حدة التوتر. لكن ذلك يبقى غير كاف, فلا مناص من مشروع عالمي لاخراج القارة من التهميش, وربطها بقطار العولمة فبدون مجهود استثماري عالمي لن يمكن لهذه القارة ان تفكر في الاقلاع من جديد, وبالمقابل فإن الدول الافريقية مطالبة بالعمل على تحمل مسئولياتها في العمل على وضع حد للنزاعات واحترام حقوق الانسان واقرار التنمية والديمقراطية الكفيلة بربط الانسان بالدولة بدلا من العرق والقبيلة. بقلم ـ د. الحسان بوقنطار استاذ العلاقات الدولية في جامعة محمد الخامس. المغرب