ستظل القارة الافريقية مرشحة للحروب الداخلية والاقليمية والنزاعات الحدوية المسلحة ما دامت تحكمها النزعة الفردية الديكتاتورية لحكام ورؤساء العديد من بلدانها من جهة والحدود التي رسمتها الدول الاستعمارية للقارة من جهة اخرى. فقد رسمت الدول الاستعمارية الحدود الافريقية حسب مصالحها ومقتضيات تقسيم النفوذ السياسي والاقتصادي لكل منها, دون ان تأخد في الحسبان الاعتبارات القبلية لشعوب افريقيا, ولذلك نجد ان الصراعات المسلحة بين العديد من الدول الافريقية انفجرت عقب حصولها على الاستقلال مباشرة منذ مطلع الستينيات, فقد رفضت الدول الوليدة ذات الحكومات الثورية ان ترث الحدود المصطنعة عن الاستعمار واصرت على اعادة رسم حدودها الطبيعية بما يتوافق مع تركيبها العرقي والقبلي وامتدادات ثرواتها الطبيعية. ورغم ان ميثاق منظمة الوحدة الافريقية الذي وضع عام 1963 اكد (خطر تغيير الحدود بالقوة المسلحة وترك الباب مفتوحا امام تغيير الحدود بوسائل اخرى) , الا ان هذا الميثاق تكسر مرارا وتكرارا امام محاولات الانفصال في كل من الكونغو ونيجيريا والصومال وغانا والكاميرون وبوروندي ولم يمنع نشوب صراعات حدودية مسلحة مثل تلك التي قامت بين ليبيا وتشاد عام 1994 وبين السنغال وغنيا بيساو وبين مالي وبوركينا فاسو, وبين الكاميرون ونيجيريا وبين ناميبيا وجنوب افريقيا, واخيرا النزاع الدموي على الحدود بين اريتريا واثيوبيا. صراعات المصالح ولا شك ان القوى الاستعمارية التي تركت دول القارة الافريقية طوعا او تحت ضغوط الرأي العام الاوروبي والعالمي المناهض لاحتلال شعوب اخرى بالقوة والمطالبة بتصفية الاستعمار, لعبت دورا في تغذية الصراعات الحدودية بين دول القارة عبر تزويدها بالسلاح وتبني مواقف مؤيدة لجميع اطراف النزاع, مما حدا ببعض القادة العسكريين الافارقة للخروج على ميثاق منظمة الوحدة الافريقية وانتهاك مبدأ احترام قدسية الحدود عبر اشعال الحروب والصراعات المسلحة. وقد ظلت القوى الاستعمارية هي المستفيدة من هذه الصراعات المسلحة على مدى اكثر من 40 عاما مضت, لأنها واصلت تصدير الاسلحة الى الدول الافريقية حديثة العهد بالاستقلال وزودتها بما تريد من ادوات الدمار والقتل, مقابل العملات الصعبة او رهن الموارد الطبيعية اللازمة لتشغيل المصانع الاوروبية. ويمكننا القول بأن اسرائيل رغم انها لم تكن دولة مستعمرة لافريقيا, الا انها لعبت دورا مؤثرا ومباشرا في تغذية الصراعات المسلحة في العديد من الدول الافريقية , من خلال ارسال ضباط الموساد والمرتزقة لحماية الانظمة الديكتاتورية من جماهيرها او بيع الاسلحة المحرمة دوليا الى انظمة الفساد والاستبداد في افريقيا, لضمان السيطرة على مواردها واختراق انظمتها والحيلولة دون قيام تعاون عربي افريقي يهدد التمدد الاقليمي لاسرائيل. اثيوبيا واريتريا يجمع العديد من الخبراء والباحثين المهتمين بالشأن الافريقي على ان السبب الرئيسي لاندلاع الحرب بين اريتريا واثيوبيا بهذه الضراوة والخطورة, يرجع الى الخلافات الحدودية بين البلدين الجارين والبعض الآخر يرجعه الى النزعة الذاتية في القيادة او الزعامة لكل من الرئيس الاريتري اسياسي افورقي ورئيس الوزراء الاثيوبي ميليس زيناوي ورغبة كل منهما في تحقيق نفوذه الخارجي, عن طريق اشغال شعبه في الداخل في قضايا تلفت الانظار بعيدا عن الرغبة في التغيير المطلوب او الاصلاحات المأمولة, مثل التعددية الحزبية والديمقراطية والحرية الفردية.. الخ من الشعارات التي وعد بها (الرفاق) جماهيرهم ايام الثورة ضد الشيوعية والاستبداد. ويرى العديد من الخبراء والباحثين المختصين بمنطقة القرن الافريقي بأن النزاع الاثيوبي الاريتري ليس مجرد نزاع عابر بل يرجع الى رفض اريتريا للحدود الموروثة عن عهد الاستعمار قبل قيام منظمة الوحدة الافريقية والتي رسمها الاستعمار البريطاني عام 1946 لانها تنزع (اقليم تغراي ـ عفر) منها, وتريد اريتريا العودة في الحدود التي رسمها الاستعمار الايطالي لهاعام 1908. الا ان اثيوبيا رفضت بالكامل هذا المطلب الاريتري وقامت باحتلال بلدة (عدي مسروق) عام 1997 واصدرت خريطة رسمية لحدودها غير المرسومة بالكامل مع اريتريا واظهرت الخريطة الجديدة اقليم (تغراي) المتنازع عليه ضمن حدود اثيوبيا, وعملت لاحقا على اقامة ادرارات محلية اثيوبية فيها بالقوة. ويرى الخبير في الشئون الافريقية د. السيد عوض عثمان انه من هذه الزاوية برز التباين في المرجعية القانونية لهذه المشكلة الحدودية فاسمرا ترى ضرورة احترام الحدود الاستعمارية بين البلدين والتي رسمت طبقا لمعاهدات اعوام 1900 و1902 و1908, وهي حدود اريتريا المعترف بها منذ ذلك التاريخ وتجب هذه المعاهدات ما يتمسك به الاثيوبيون بموجب معاهدة 1879, ويعتبر ان رفضهم للحدود الدولية وتأسيس حدود جديدة هو بمثابة اعلان حرب وربما اكثر. وفي اعقاب فشل المشروع السلمي وانهيار اجتماع اللجنة المشتركة لدراسة الادعاءات والادعاءات المضادة بين البلدين في مطلع مايو 1998 شرعت اريتريا في 6 مايو 1998 في عملية عسكرية واسعة النطاق داخل الاراضي الاثيوبية, وتصاعدت حدة القتال بين الجانبين طيلة شهر كامل واسفرت تلك العملية عن احتلال (بادي وشيرار واسترداد اراض اخرى) . وبعد تدخل امريكي مباشر تم التوصل الى اتفاق لوقف اطلاق النار يوم 14 يونيو 1998, واعتبرت اثيوبيا ان هذه الحرب الثانية من جانب اريتريا هي بمثابة فرض امر واقع على الارض من خلال الوسائل العسكرية. حروب مجنونة لا تقتصر الحروب المجنونة في القارة الافريقية على اريتريا واثيوبيا فقط, بل نجد ان العديد من الدول الواقعة جنوب الصحراء الافريقية تواجه المصير ذاته بسبب اصرار الحكام العسكريين على اشباع رغباتهم في السيطرة واثبات الذات, وقد رأى الجميع كيف تصرف تشارلز تيلر احد امراء الحرب السابقين في افريقيا خلال فترة رئاسته لـ (ليبيريا) في مواجهة سيراليون ونيجريا فهذا القائد كان مستعدا لاحراق بلاده من اجل الحصول على الماس من سيراليون والبقاء فوق كرسي الرئاسة وسيراليون كما نعلم بلد افريقي صغير يعيش حروبا متقطعة منذ اجراء الانتخابات الديمقراطية الاولى فيه عام 1996. وعلى سبيل المثال ارسلت بوركينا فاسو مجموعات من المرتزقة للقتال الى جانب المتمردين في سيراليون, وقاوم المتمردون الجهود التي بذلتها قوات حفظ السلام الافريقية (ايكوموك) من اجل الحفاظ على حكم الرئيس احمد تيجان الذي كانت تربطه علاقات قوية مع المتمردين في اقليم (كازامانس) الذي يقع جنوب السنغال, وتدعم غينيا بيساو هذا التوجه لاسباب عرقية. والصومال كذلك ليس لديه حكومة منذ العام 1991, اي منذ الاطاحة بالرئيس السابق محمد سياد بري, فقد تقاسم امراء الحرب الصوماليون السيطرة على اقاليم البلاد المختلفة, وقد اسفرت الحرب الاهلية فيما بينهم عن سقوط 100 ألف قتيل. وفي السودان بدأ جون قرنق زعيم ما يسمى بالجيش الشعبي لتحرير السودان حربه ضد الحكومة السودانية في العام 1983 من اجل الحصول على استقلال جنوب السودان. وشهدت الكونغو برازفيل حربا طاحنة في اواخر العام 1998 بين القوات الموالية للجنرال دينس ساسونكيسو الذي استولى على السلطة في اواخر العام 1997, والميلشيات الموالية للزعيم السابق باسكال ليسوبا. وتعتبر الكونغو اكبر ميدان للمعارك الافريقية ـ الافريقية, حيث يشترك في الحرب التي تجري هناك الكثير من الدول الافريقية وهي: رواندا وبوروندي واوغندا وجمهورية الكونغو الديمقراطية وزيمبابوي وناميبيا وانجولا. وقد بدأت هذه الحروب بعد ان تمكن (كابيلا) من هزيمة رئيس زائير السابق (موبوتوسيسي سيكو) واظهر قدرا من الاستقلالية عمن دعموه في البداية مما ادى الى انقلابهم عليه محاولين الاطاحة به وقد هبت كل من انجولا وزيمبابوي و ناميبيا لتقديم العون له في الوقت الذي وقفت فيه الدول الاخرى الى جانب المتمردين وتحولت الحرب فيما بعد الى صراع عرقي دموي بين قبائل التوتسي والهوتو, وقد تسبب تورط موجابي رئيس زيمبابوي في هذه الحرب في خلق الكثير من المشاكل له وصلت الى حد اطلاق الاشاعات عن قرب حدوث انقلاب عسكري ضده. ولا يختلف الوضع كثيرا في انجولا التي اقرت مؤخرا بفقدانها منطقة (امبانزا) التي تعتبر بوابة لمدينة (سوبو) الغنية بالنفط, لصالح المتمردين من حركة (يونيتا) التي يقودها (جوناس سافيمبي) الذي يسيطر حاليا على معظم الاقاليم الشرقية في البلاد الغنية بالماس. فهل من نهاية لآلام هذه القارة المنكوبة؟ يبدو ان بقايا زمن الحرب الباردة والحدود الاستعمارية المصطنعة والماس والنفط والاصول العرقية ـ القبلية وصفقات السلاح ونزعة الديكتاتورية العسكرية الفردية, ستظل هي الوقود الذي يغذي الحروب والصراعات في القارة الافريقية كما يبدو ان شعوب القارة البالغ عددها نحو 600 مليون نسمة ستظل تدفع فاتورة الطموحات والمصالح الشخصية الانانية لأمراء الحروب, من دمائها وفقرها وآلامها واحزانها, دون بصيص من نور يقودها للعيش بسلام واستقرار. فهل هذا هو قدرها الى الأبد؟! بقلم: د. جمال المجايدة