لعل شكل النزاع في القارة الافريقية ينطلق من مفهوم واضح وصريح, وهو تدخل الغرب في شئونه كي يبقي هذه المنطقة الغنية بطبيعتها وثرواتها في حالة تامة لفقدان الاستقرار السياسي والاجتماعي والاقتصادي, ناهيك عن فقدان الامن القومي بشتى صوره. واذا كانت الحالة الاستقرارية بعدميتها في جنوب الصحراء الافريقية تتعاظم يوما بعد يوم, فإن لهذه الحالة اسبابا متعددة على رأسها تقسيم القارة الافريقية في مؤتمر برلين عام 1884 ـ 1885 الى دول وحدود, ضاربة عرض الحائط بأي دور للجوانب العرقية والدينية والانمائية وحتى العشائرية التي تعيشها الغابات الافريقية. ولم ينتبه قرار التقسيم بشكل متعمد للحالة الجغرافية الطبيعية, بل لعله قد فكر قبل كل شيء بمصالحه الاستعمارية لنهب الثروات الافريقية والحفاظ على توازن قواه في تلك المنطقة اضافة الى تغذية الروح العرقية التي لا تزال نارها مشتعلة حتى الآن. من ذلك يسعى الغرب الاوروبي والامريكي لجعل هذه القارة مسودة لمشاريعه القائمة, دون الاكتراث لما يحصل فيها بل يغذي ذلك اذا ابتعدت الحروب عن مصالحه ويتدخل لخدمة اغراضه فكان الفصل العام للصراع ضمن مشاهد متعددة برزت بشكل واسع في الآونة الاخيرة اول هذه المشاهد الصراعية: الحرب الحدودية, مرورا بالحروب العنصرية بشكلها الثنائي والحروب القبلية والنزعات القومية والنزاعات الديمقراطية وحتى حروب المصالح الشخصية. سيناريو الدماء لعل هذه الاشكال تأخذ واقعيتها من خلال ما نراه حقيقة في عدد الحروب والنزاعات المسلحة القائمة في افريقيا, والتي لا تخمد الا ليزداد سعيرها. واهم هذه الحروب الصراع القبلي في بوروندي بين الهوتو والتوتسي او حرب الابادة الجماعية التي شهدتها رواندا عام 1994 والتي قتل فيها 500 ألف شخص على الاقل معظمهم من التوتسي وجاء مؤخرا مجلس الأمن ليعترف اعضاؤه بمسئوليتهم عن الاخفاق الكبير في هذه الحرب دون اية توضيحات مقنعة. اما في سييراليون فإن الحرب القائمة مع الجبهة الثورية الموحدة التي يقودها فوداي سنكوح لا تزال مضطربة, ولم تتحرك الدول العربية لانشاء قوة تدخل سريع رغم خطف حوالي 500 جندي فيها بل شجعت الجيش الحكومي واعادت تسليحه بعد ان سلموا اسلحتهم في اتفاق (لومي) الموقع عام 1999, وبريطانيا التي تجد مصلحتها في هذه المنطقة تدخلت بشكل يضمن مصالحها الخاصة دون اي اعتبار للمعارك الطاحنة التي تدور رحاها متسارعة. اما الكونغو الديمقراطية في ظل زعيمها لوران كابيلا الذي تفرد في الحكم وحارب المعارضة السياسية والديمقراطية الغربية التي يشترطها الغرب للمساعدات الاقتصادية ويطالب بها الحكومات الافريقية فقد بقيت على هذه الحال دون اعتراض من الدول المانحة وخاصة الولايات المتحدة التي تجد استثمارها للأحجار الكريمة والمعادن الثمينة في هذا البلد, وهي (الديمقراطية الذهبية) التي يقدمها كابيلا عربون محبة للولايات المتحدة التي تناست بشكل واضح مطالبتها المستمرة بالديمقراطية الافريقية, بل لعلها تجد في الاحجار الكريمة المستخرجة من قبل مؤسساتها عربونا واضحا لولاء رئيسها. واذا ما انتقلنا الى اوغندا فإننا نجد رئيسها يصرح علانية: (ان الديمقراطية ونظام التعددية الحزبية لا يصلح لبلدنا) لذلك تقوم حرب المعارضة في الشمال منذ اكثر من (12) سنة ولم يعترض عليها الغرب الذي يطالب بالديمقراطية وحقوق الانسان, بل لعل اوغندا كانت البلد الاكثر فقرا ولكن نتيجة المساعدات التي تدفقت عليها اصبحت الدولة الاعلى نموا في افريقيا, ببساطة لأن الدول الكبرى تسعى باستمرار الى السيطرة على شئون البحيرات الكبرى لتظل هذه المنطقة بؤرة للصراع الذي يثلج صدر الغرب كونه يفتح الافق الخصب امام استثماراته وخيراته!! تكرار السيناريو ان السيطرة الغربية قد امتدت الى استثمار النفط وتسويقه في نيجيريا, لذلك لم يحرك ساكنا عندما قتل داعية الديمقراطية وحقوق الانسان (سارو يووا) خلال فترة الحكم العسكري للرئيس الراحل (ساني اباشا) , ولم يعترض على تنحية الرئيس المنتخب ديمقراطيا (مشهود ابيولا) الذي فاز في انتخابات عام 1993, بل ايد ذلك تخوفا من اصلاحاته التي ستمتد الى الشركات النفطية الغربية المسيطرة. ولا ننسى ان نيجيريا تعاني من حروب اهلية في بعض ولاياتها, اضافة الى نزاعات نيجيريا مع الكاميرون ومنذ استقلال الدولتين حول السيادة على شبه جزيرة (باكاسي) لأن هذه المنطقة ملىئة بالثروات السمكية وحتى النفطية, ويتبقى السيناريو مستمرا, فالصومال تعاني من حرب اهلية بدأت عام 1991 وقتل خلالها 300 ألف شخص في فترة الاطاحة بالرئيس سياد بري. وفي السودان يعتقد ان الحرب الدائرة منذ عام 1985 قد دفنت اكثر من مليون ضحية, اما الحرب الاثيوبية الاريترية فقد يؤدي تصاعدها الى كارثة حقيقية للجانبين . وفي الكونغو تتجدد باستمرار الحرب الاهلية بين رجال (الكوبرا) الذين استولى زعيمهم الجنرال دينيس ساسو نجيسو على السلطة عام 1997, وبين رجال (النينجا) الموالين للرئيس السابق (باسكال ليسوبا) وفي انجولا ايضا حرب دائرة منذ عشرين عاما بقيادة حكومة (خوسيه ادواردو دسانتوس) وحركة (يونيتا) التي تسيطر على شرق البلاد وذلك بسبب غنى الشرق بالماس. ولن ننسى صراع الصحراء الغربية وجزر القمر وكذلك صراع المزارع في زيمبابوي وسابقا الصراع العرقي في جنوب افريقيا. وامام هذا الشكل من الصراعات الدموية لم تتخذ اية عقوبات حقيقية ضد اية دولة سوى العقوبات الموجهة ضد السودان بحجة الحكم العسكري ومساندة الارهاب؟!! ولكن بالمقابل كيف اصبحت صورة القارة الافريقية اليوم؟ اول هذه الصور المأساوية يتجلى بالديون التي وصلت الى 350 مليار دولار, وهذا بالطبع ادى الى التخلف والامية وهجرة الادمغة اضافة الى الامراض الخطيرة وعلى رأسها (الايدز) الذي تفشى في (34) مليون شخص مصابين بالفيروس وتحديدا جنوب الصحراء الافريقية وتوفي منهم (11.5) مليون. والخطير في الامر ان معظم المصابين من الجيل الفاعل البالغة اعمارهم بين 15 و49 عاما وعددهم (012.2) مليون افريقية و(10.1) مليون افريقي, اضف الى ذلك الاطفال الذين يحملون الفيروس. وتبرز مشكلة اللاجئين حيث بلغ عددهم (6) ملايين لاجىء خارج بلادهم وعشرين مليونا مشردين داخلها, اضافة الى الفقر والمجاعات وفقدان الرعاية الصحية والأمن. وكل ذلك يرسم الخريطة الحزينة لقارة الجمال والابداع الطبيعي التي اصبحت مخزنا للاسلحة المدمرة المستوردة, كون هذه الدول لا تملك صناعات حربية متطورة باستثناء مصر وجنوب افريقيا البعيدتين نسبيا عن مشاكل القارة القائمة حاليا. النزاع الى اين؟ يقول رئيس جنوب افريقيا السابق نيلسون مانديلا (ان افريقيا ما زالت تنزف ولم بعد الصراع في سبيل خدمة الديون الاجنبية محتملا, كما لا يحتمل الامتناع عن دفعها, ويجب القيام بعمل موحد لبناء عالم افريقي انساني ليعلن ظهور ولادة نظام كوني جديد يكون فيه كل منا راعيا لاخيه) . لعل هذه المقولة هي امنية حقيقية لكل افريقي, ولكن ما المشكلة؟ اذا كانت الحرب الباردة قد انعكست بشكل مباشر على الصراعات الافريقية اثناء تواجدها واقعيا بين الافارقة, فإن هذه الحرب قد انتهت وحتى الفرانكوفونية المتصارعة مع الانجلوساكسونية قد خفت صوتها وبقيت السيطرة الفردية للدول الغربية ولم تستطع الدول الافريقية الاستغناء عن داعمها الغربي حتى الآن, بل لعلها لم تحرك ساكنا في قممها المتوالية وخاصة في قمة تونس 1994 التي قررت انشاء مجلس امن للقارة الافريقية, والتي حددت اهداف المجلس في الفقرة الثالثة مركزة بشكل واضح ورئيس على آلية فض النزاعات واقترح آنذاك انشاء مقرات عسكرية جاهزة للتدخل السريع.. وتسارعت الخطوات النظرية الى القمة الحادية والثلاثين في العاصمة الاثيوبية عام 1995 ودعي اليها تحت عنوان (امن افريقيا) ولكن هذا الامن تجلى بصورته الضعيفة جدا في محاولة الاغتيال الفاشلة للرئيس المصري حسني مبارك!! وبعد فشل القمة في ايجاد صيغة عملية لآلية فض النزاعات, استعيض عنها بالبحث عن تشكيل قوة حفظ السلام الافريقية التي لم تر النور عمليا بل ان اي قرار بالتدخل العسكري الافريقي لحل النزاعات كان يجابه بالمعارضة الافريقية وهذا ما حصل في قمة (ياوندي) في الكاميرون (يوليو 1996) حينما أكدت القمة على ضرورة التدخل العسكري في بورندي لوقف المواجهات الدموية, ولكن في الواقع لم يحصل ذلك بل ان بورندي هددت وتوعدت اية قوة تتدخل في شئونها؟! ويبدو ان الفشل الافريقي في ايجاد صيغة تدخل عسكري سيبقى قائما ما دامت الدول الافريقية قاصرة اقتصاديا وعسكريا, بل ان زعماء هذه الدول غالبا ما يتغيبون عن حضور القمم الافريقية وان حضروا فلا يحضر اكثر من النصف, مما يشكل صعوبة كبيرة في اتخاذ مثل هذه القرارات. ورغم ان القمة الافريقية الاوروبية التي عقدت بالقاهرة في ابريل 2000 قد قررت بعض القضايا لدراسة جوهرها والقيام بها, الا ان هذه القرارات لا يمكن تنفيذها ايضا لمجموعة من الاسباب نستخلصها من القرارات نفسها. فقد جاء فيها تهيئة اجواء يسودها السلام والامن والاستقرار في بلدانهم والقضاء على اسباب النزاعات لمنع تفاقمها, ولكن اسباب النزاع قائمة ولم تدع الدول الى الحوار فيما بين الاطراف المتنازعة. واذا كانت القمة قد وافقت على تعزيز الآليات القارية والاقليمية لمنع النزاعات وتسويتها وحلها فهل استطاعت خلال هذه الفترة ان تهدىء, ولا نقول (توقف) نزاعا واحدا؟ الواقع ان النزاعات بعد القمة الافريقية الاوروبية قد ازدادات والمجمد منها هب من جديد مشتعلا. ولا ننسى قرار دعم آليات منظمة الوحدة الافريقية وقدرتها وفاعليتها, اضافة الى التعاون لتشكيل نظام الانذار المبكر التاسع للمنظمة الافريقية وتفعيله. ولكن ألا نجد ان هذا الشرط مرهون بتقديم الديمقراطية الافريقية, بل الطاعة لأوروبا كون القارة السمراء تعيش حالة من الغليان التنازعي بين مختلف تياراتها؟ الواقع ان الغرب يسعى باستمرار لايجاد آلية خاصة به تخدم مصالحه في قارة الثروات, وهذه الخدمة تتجلى بإقامة توازنات استراتيجية تسعى اليها الدول المانحة, بل لعل اوروبا وحتى الولايات المتحدة لا تعرف من افريقيا سوى خيراتها, بل وصل الجهل بأن يعتقد معظم طلاب الثانوية في بريطانيا ان افريقيا دولة وليست قارة! فهل ستبقى افريقيا انهار دماء ام ان اصحابها ليس غيرهم سيدركون ان الدماء لا تنضب وبالمقابل قد تنضب المياه والثروات؟! بقلم: محمد احمد يوسف كاتب صحفي فلسطيني مقيم بدمشق