اصبح شعار محاربة الفساد عنواناً لكل المنابر البرلمانية والاعلامية والثقافية في سوريا, واحتلت قضية ملاحقة الفاسدين وفضح المفسدين موقع الصدارة في كل الندوات السياسية, وتحولت أخبار ملاحقة رؤوس الفساد الى غذاء يومي لرجل الشارع في سوريا, الذي بات يؤمن بأن قائمة الفساد التي بدأت برئيس الوزراء المنتحر الزعبي لا نهاية لها, على أمل بانفراط عقد الفاسدين والمفسدين وبدء رحلة جديدة من النزاهة وانتقال اصحاب الايادي النظيفة الى الصدارة ودخل ساحة الحرب ضد الفساد مفكرون بارزون منهم الدكتور طيب تيزيني والذي يتابع منذ أسابيع نشر سلسلة من المقالات حملت عنوان (ثلاثية الفساد: أسبابه وآلياته ونتائجه) . وتوالي صحيفة (تشرين) الحكومية نشر مقالات تيزيني وفي مقال امس يؤكد الدكتور تيزيني على تكريس الفساد وتصميمه من قبل ما يسميه بالدولة (الأمنية العربية) بشعارها التدمري: (ان يفسد من لم يفسد بعد) بحيث يصبح الجميع مداناً تحت الطلب وعلى هذا الطريق يقول الكاتب عمقنا رؤيتنا لذلك الشعار فوصلنا الى انه يتلخص بالعمل على تخليف الوطن العربي والانتقال من التخلف التاريخي الى تخليف يفتح نفسه ويعيد انتاج نفسه وبالانتقال من الفساد الى الافساد والتفسيد ضمن خطة شاملة تقف في طليعتها اولوية تدمير الرهان التاريخي العربي في شخص القاع العربي وجموع الأمة خصوصاً ان معظم الحكام العرب اصبحوا محاطين ومحاصرين من حاشيات فاسدة ومفسدة. ويرى الدكتور تيزيني ان اخطر ادوات الفساد والافساد في المجتمع العربي هي جعل افراده يلهثون وراء اللقمة ويتحولون شيئاً فشيئاً عبر الافقار والاذلال والرعب والتهميش الى كيانات مريضة هزيلة تفقد الكرامة والاحترام الذاتي والشرف الاخلاقي. ويقول: اذا حاولنا البحث في النتائج التي ترتبت على ذلك فالأمر معقد نظراً لظهور عاملين على هذا الصعيد, العامل الأول يقوم على ان المجتمع العربي دخل حالة من الحطام الشامل وان كنا نلاحظ ان هذا الحطام ليس مطلقاً ويفصح عنه العامل الثاني وعن نفسه بملاحظة ان النظام الاعلامي العربي باجماله ينطلق من استراتيجية تقوم على التخلف الاعلامي المعرفي اولاً وعلى المراوغة الايديولوجية النفسية ثانياً بحيث يستنتج انه صار من المناسب التوافق مع ضرورات العصر وتغيراته بأن يتخلى العرب عن مشروعهم النهضوي وفي التوحيد ليدخلوا عصر المشروع الامريكي الصهيوني والدخول في هذا العصر ينطوي على المطالبة من قبل النخب بالتنمية الاقتصادية المحضة بديلاً عن التنمية الاقتصادية والاجتماعية في طريقها الى التقدم الاقتصادي والعدالة الاجتماعية لان التنمية المحضة هي تنمية ثرواتهم وممتلكاتهم. ويحدد تيزيني خيارين امام الوطن العربي لا ثالث لهما: اما الانصياع لاملاءات النظام الاخطبوطي واملاءات المشروع الصهيوني المتواشج معه واما الخيار الوطني القومي الديمقراطي ومعه الاجابة عن كل مشكلات العرب وانه ـ اي المشروع القومي النهضوي ـ هو الخيار الوحيد الذي يعيد للوطن وللجماهير دورها البناء. ويخلص الدكتور تيزيني في ختام الحلقة الاخيرة من مقالته المطولة الى ان وقت اللعب على مصائر الامة والشعب انتهى او انهي لأن المرحلة الراهنة بمعطياتها العالمية والمحلية لم تعد تحتمل ذلك فإما الدخول في التاريخ بقوة حضارية واما الخروج منه عبر التشظي والتفتت شذر مذر ولا ريب ان من يدرك هذه القانونية الراهنة ويعمل بمقتضاها باتجاه التغيير الشامل الذي يطول الجميع دون اعتبار للاسماء والسلالات والمواقع والولاءات وضمن استراتيجية الواحد في سياق المئة هو وحده من يبقى في ضمير الامة والشعب والتاريخ العربي. وفي مقال الدكتور عيد ابو سكة يتساءل عن الاسباب التي كانت تقف حائلاً امام الحديث الصريح عن محاربة الفساد وكان يعتبر الحديث بهذا الموضوع ضرباً من العيب في حين ان العيب الحقيقي يكمن في عدم الحديث عنه. ويعتبر مصطلح مكافحة الفساد هذه الايام جديداً وجريئاً بعض الشيء اذا ما قورن بالمصطلحات التي كانت سائدة قبل ذلك والتي كشفت بعبارات مثل القضاء على البيروقراطية ومحاربة الروتين ومحاسبة الموظف السيء وهي جميعها عبارات خجولة. دمشق ـ يوسف البجيرمي