هل تتغير النظرة لأموال التأمينات والمعاشات في ظل التغير الجذري الذي يشهده القطاع الاقتصادي في مصر وهل تتنازل الحكومة عن هذه الأموال المملوكة للأفراد لآخرين لكي يديرونها بصورة تعود بنفع أكثر على المستفيدين منها؟ وكيف تدار هذه الأموال في المستقبل في حالة انتقالها من أيدي الحكومة التي تستخدمها حاليا في تمويل مشروعات اقتصادية واجتماعية تعود على الجميع إلى أيدي القطاع الخاص وهل يمكن استثمار جزء من هذه الأموال خارج الوطن كما فعلت العديد من الدول التي طبقت سياسات إصلاحية مشابهة لما تطبقه مصر الآن وما هي استثمار هذه الأموال بالبورصة؟ . التحقيق التالي يجيب عن هذه الأسئلة التي تهم كل المستفيدين من نظام المعاشات في مصر حيث يرى خبراء التنمية في جامعة هارفارد الأمريكية أن النظام المعمول حاليا في مصر بات غير مناسب وأنه قد آن الأوان للانتقال الى نظام آخر يناسب العصر الذي نعيشه . ففي المؤتمر السابع لجامعة هارفارد الأمريكية والذي شهدته القاهرة مؤخرا طالب الخبراء باستثمار جزء من أموال التأمينات خارج مصر برغم تحقيق مزايا أكبر للمستفيدين من هذه الأموال وأن تبحث الحكومة عن وسيلة مناسبة لانتقال تبعية هذه الأموال إلى القطاع الخاص حتى يمكن استثماراتها بصورة أفضل بحيث تحقق عائدا مناسبا يعود بالنفع على كبار السن المستفيدين من نظام التأمينات والمعاشات . ويقول خبراء هارفارد أن دولا كثيرة متقدمة ونامية تتشابه ظروفها الاقتصادية والتنموية مع مصر بدأت في تطبيق هذا النظام ـ وأنها ـ أي الدول النامية والمتقدمة حققت مزايا كثيرة من هذا النظام وجاء طرح هذا التصور لمستقبل أموال التأمينات والمعاشات في توقيت أعلنت فيه الحكومة المصرية عن رغبتها في فصل ميزانية الهيئات الاقتصادية في الموازنة العامة للدولة بعد تحويلها إلى شركات وهو ما يعني تخفيف ميزانية الدولة من خسائر تقدر بـ 66 مليار جنيه سنويا فنتيجة دعم هذه الهيئات كما يؤكد د . عاطف عبيد رئيس الوزراء التي بدأت بالفعل بتمويل هيئة كهرباء مصر إلى شركة قابضة وتأخير محطات السكة الحديد لمستثمرين من أجل تخفيف حدة الخسائر التي تعانيها الهيئة والتي بلغت خلال العام الماضي 1400 مليون جنيه . وباختصار فإن ما طالب به خبراء هارفارد في مؤتمرهم السابع في القاهرة كان بناء على موافقة الحكومة على تمويل العديد من الهيئات الاقتصادية إلى شركات قابضة وفصل ميزانيتها عن الموازنة العامة للدولة . ويؤكد تقرير لمشروع السياسات الفنية ناقشه المؤتمر أن جملة أصول أموال التأمينات بلغت في نهاية العام الماضي 114 مليار جنيه أي ما يعادل 40% من إجمالي الناتج المحلي الإجمالي, وان 100 مليار جنية من هذه الأصول مستثمرة لدي بنك الاستثمار القومي والبنك يستخدم هذه الأموال لتمويل مشروعات حكومية بمعدل فائدة نظري . ويتوقع التقرير أن يعاني نظام التأمين في مصر مستقبلا من ضغوط لأن الأفراد المستفيدين من نظام التأمينات يعيشون أكثر وينجبون عددا من الأطفال أقل, مما يعني زيادة معاشات التقاعد كما أن النظام الحالي يعاني من مشاكل كثيرة وأهمها أنه يشجع على المعاش المبكر . يتوقع خبراء هارفارد أن تتعرض مكاسب مصر من الاستقرار والنمو لخطر نتيجة تزايد مدفوعات المعاشات بمعدل أسرع من معدل نمو الناتج القومي الإجمالي حيث أن ديون بنك الاستثمار القومي 92 مليار جنيه وتبلغ مدفوعات المزايا التأمينية 12% من إجمالي المصروفات الحكومية في حين تبلغ مدخلات القطاع مطروحا منها المزايا التأمينية أكثر من ملياري جنيه وبحلول عام 2010 فإن صافي مدخلات القطاع سوف تبلغ من 40 مليار إلى 50 مليار جنيه اعتمادا على معدل نمو المزايا التأمينية والاشتراكات . ويفترض التقرير استمرار معدل نمو الناتج المحلي الإجمالي 9% سنويا, بما في ذلك التضخم خلال السنوات العشر المقبلة وعليه فإن مصروفات المعاش كنسبة من المصروفات الحكومية سوف تزيد إلى 35 % أو 40 %. والتحليل الذي قدمه خبراء هارفارد منطقي ويستدعي إعادة النظر في استثمار أموال التأمينات في ظل المتغيرات الاقتصادية التي يشهدها الاقتصاد المصري بالنظام المعمول به حاليا الذي لم يعد مناسبا في ظل اقتصاد حر تسعي كل هيئاته ومؤسساته إلى تعظيم الربح لكن ما هي الأساليب التي يطرحها خبراء هارفارد لتنظيم الفائدة من أموال التأمينات الاجتماعية؟ الإجابة حددها الخبراء بالشرح والتفصيل والاستشهاد بتجارب دول نامية مثل شيلي ودول آخذة في النمو مثل الأرجنتين وكذلك بولندا وتتلخص في استثمار جزء من أموال التأمينات خارج الوطن من باب تنويع الاستثمارات وتخفيف حدة المخاطر وكأن استثمار أموال التأمينات خارج مصر يكون بعيدا عن الخطر والخبراء هنا يتناسون عن عمد ما شهدته البورصات العالمية قبل ثلاثة أسابيع والتي بلغت خسائر العرب فيها قرابة العشرة مليارات دولار طبقا لتقارير خليجية . وقبلها ما شهدته بورصات جنوب شرق آسيا في صيف عام ,1997 باختصار فإن المخاطر التي تتعرض لها الأموال المستثمرة خارج الوطن كثيرة ويمكن أن تؤدي إلى كوارث لا تستطيع الحكومة مواجهتها ويتحملها الأفراد وحدهم . استثمار بالبورصة تعتبر البورصة المصرية مناسبة لاستثمار جزء من أموال المعاشات بشرط أن تستثمر سياسات الإصلاح الاقتصادي مع استمرار إطار البنية الأساسية للبورصة باعتبار أن البورصة بها تمويل وبها تحويل أي رأس مال سوقي يتجاوز مليار جنية ويتم التعامل في 70 شركة بينها 20 شركة تمتلك سيولة جيدة لكن ذلك لا يعني أهمية استثمار الجزء الأكبر من هذه التأمينات بالبورصة نظرا للمخاطر التي تهددها حال انهيار أسعار الأسهم فهناك العديد من المخاطر . واقترح المشاركون انتقال مصر من المستوى الأول إلى المستويين الثاني والثالث أي الكف عن استثمار هذه الأموال ببنك الاستثمار القومي بكامل معدل فائدة نظري, والانتقال إلى المستوى الثاني الذي يسمح باستثمار هذه الأموال بمعرفة القطاع الخاص لتخقيق عائد أكبر وتنعكس في صورة مزايا افضل لكبار السن . وطالما انتقلت تبعية أموال التأمينات من القطاع العام إلى القطاع الخاص فلا مناص من استثمار جزء من هذه التأمينات خارج البلاد لتنويع وتخفيف المخاطر . إيف جيزار, وجلين جنكيز رصدا مزايا صناديق المعاشات في نظام السوق من خلال مؤلف ضخم يحمل عنوان بناء أنظمة المعاشات الخاصة أكدا فيه أن طريقة تصميم نظام المعاشات الخاصة له تأثير واسع النطاق على تطور ونمو اقتصاد السوق خاصة فيما يتعلق بالبورصة ففي الدول المتقدمة تلعب المعاشات التي عليها القطاع الخاص دورا رئيسيا في سوق رأس المال على عكس برامج التأمينات الاجتماعية التي تمول من نظام الحصيلة الجارية . وتستطيع أموال المعاشات الكبيرة هذه والتي تدار بطريقة مهنية متقدمة أن توفر مساهمة كبيرة في سوق رأس المال يتسم بالتنافس والتميز ولها أثار عديدة على النشاط الاقتصادي بالبلد حيث تعتبر مصدرا لرؤوس الأموال ودعم سوق الأسهم حيث يستطيع توفير رؤوس الأموال في المصري المتوسط والبعيد كما أن زيادة الموارد الرأسمالية لها أهمية خاصة لمشاريع البنية الأساسية وبناء المساكن وهي المشاريع التي تحتاج إلى تمويل مضمون في الأجل الطويل ويقول إيف جيراز أن هيكل التزامات صناديق المعاشات يؤثر تأثيرا إيجابيا على إجمالي هيكل حيازة الأصول بما يحقق ميزة ملموسة للاقتصاد برمته . ويساعد نظام المعاشات الممولة في سوق رأس المال في نمو وتنوع أجهزة الوساطة المالية, وزيادة المدخرات الوطنية ويضرب المؤلفان مثلا بتجربة شيلي حيث تمثل أموال المعاشات الخاصة ما يقرب من 50% من إجمالي الودائع لأجل ويؤكد المسئولون هناك أن تمويل المعاشات أدى إلى زيادة كبيرة في المدخرات القومية وأن هذه الزيادة قد أدت بدورها إلى المزيد من الاستثمارات والتنمية الاقتصادية . ويؤدي النظام الجديد أيضا إلى تحسين العلاقات بين العمل ورأس المال حيث يسهم ذلك في ملكية العاملين لرأس المال عن طريق وجود حصة لصندوق في رأس مال الشركة وقد وضعت شيلي هذا النحو في انتشار ملكية المؤسسات الخاصة بأنه عامل مهم يسهم في تأييد العمال للسياسات العامة التي تعمل على فتح الأسواق الحرة واستمرارها نظرا لأن موقف العمال من نظام السوق يعتمد على مصلحتهم في الأداء الاستثماري لصناديق المعاشات . ومن مزايا النظام الجديد الذي يؤيده خبراء هارفارد أنه يسهم في خفض تكاليف العمالة, وكما أن صناديق المعاشات حسنة التنظيم تساهم في تنويع المخاطر والناتجة عن الحفاظ على الدخل طوال مدة الحياة فالعمال ومن يعولهم الذين تشملهم نظم المعاشات الممولة يكونون على ثقة من الحصول على المميزات بعد التقاعد بما يتفق مع مدة شغلهم للوظائف ومستوى رواتبهم وحجم اشتراكهم ومن شأن هذا الانخفاض في المخاطر أن يقلل من تكاليف الدعم الحكومي الممول وتوليد كسب صاف للسكان كما أن ذلك من شأنه أن يسهم في انخفاض تكاليف الأيدي العاملة في المدى الطويل مما يؤدي بدوره إلى زيادة فرص العمل والناتج القومي . القاهرة ـ صبحي بحيري