اعطى اجتماع القيادات الاسلامية والذي عقد بقاعة الصداقة في الخرطوم مساء الجمعة الماضي مؤشرات قوية لتولي الفريق عمر البشير رئيس الجمهورية قيادة الجبهة القومية الاسلامية يعد اعادة بنائها واستبعاد خصمه وغريمه د. حسن الترابي نهائياً وهو ما اكدته دلائل قوية ومؤشرات لا تخفى للمتابع لاحداث الساحة السودانية. ومهما كانت المسميات فإن التاريخ سيذكر ان اجتماع الجمعة الذي عقد بقاعة الصداقة بالخرطوم, هو المؤتمر العام للجبهة القومية الاسلامية المؤجل منذ ان جاءت الحكومة الحالية للسلطة على مركب الاسلاميين عام 1989, وقد سجل تاريخ الحركة السياسية السودانية ان الاحزاب المحظورة كانت تعقد مؤتمراتها سرا في اماكن طرفية من الخرطوم وبخاصة المزارع وذلك بعيداً عن عيون الانظمة الشمولية (عبود, نميري, البشير) ولهذا فإن الجديد ان ينعقد مؤتمر الجبهة في القاعة التي بناها نميري وحيث للفريق البشير مكتب بها رئاسة الجمهورية, كما انها تطل على شارع النيل المزدحم بالحركة 24 ساعة في اليوم, مما يؤكد ان المجتمعين وعددهم الف ومئتان من قيادات وكوادر الجبهة الاسلامية التي يتزعمها الدكتور الترابي منذ عام 1985 كانوا مطمئنين للتحوطات السرية التي ضربوها على الاجتماع ولا بد انه كان هناك تحكم دقيق في التثبت من المدعوين او اعطاء فرصة للمتطفلين, والأهم من هذا وذاك عدم اتاحة الوقت للدكتور الترابي لحشد انصاره وذلك بارسال الدعوة له قبل ساعات من انعقاد الاجتماع ـ المؤتمر ـ مما دعاه للاعتذار. المثير للدهشة والذي يشبه تماماً اسلوب عقد مثل هذه المؤتمرات في العهود الشمولية ان هذا العدد الكبير من المشاركين تكتموا طوال ثلاثة ايام ما دار فيه ونتائجه, وحتى اللجنة الاربعينية التي تم تكوينها وانيط بها وضع اللمسات الاخيرة لانهاء زعامة الدكتور الترابي للجبهة الاسلامية لم يتسرب من خلالها رغم ضخامة اعضائها أي شيء عن الاجتماع ومهامها, ومن الواضح ان الذين اعدوا للمؤتمر عزلوا عنه القيادات الصحفية الاسلامية, وكان هناك عهد بعدم الكشف عن نتائجه ومع هذا عندما امسكت (البيان) برأس خيط الاجتماع الخطير وبدأنا خدمة صحفية حوله لم ينكر علينا عشرة مصادر من المشاركين أيا من المعلومات الاولية التي سقناها ولكنهم جميعاً اشترطوا عدم ذكر اسمائهم وهم يتوسعون في التفاصيل او الآراء, كما ان معسكر الدكتور الترابي وصف عقد الاجتماع بأنه (تدبير ليل) وقال عن نتائجه بأنها (عودة للوراء) بعد ان تركنا الجبهة الاسلامية خلفنا واتسعت الحركة الاسلامية في المؤتمر الوطني الحاكم. ولكن من الواضح ان الطرفين لا يرغبان في التصعيد لمجموعة اسباب, منها وصول دعاة اسلاميون لهم مكانتهم في الساحة الاسلامية بالسودان (الزنداني, القرضاوي, عربيات) الى الخرطوم لانهاء الصراع بين الفريق البشير والدكتور الترابي لمصلحة الدولة الاسلامية, وذلك بعد ان فشلت وساطة قطرية سياسية وأدها الدكتور الترابي في مهدها مع بداية الصراع عندما كان يعتقد ان الشارع السياسي سيخرج لمناصرته, وهو حالياً في امس الحاجة لقشة يتعلق بها حتى يستعيد انفاسه أو هدنة تمكنه من شحذ اسلحته في المعركة, اما جانب الفريق البشير فإنه لا يرغب في التصعيد حتى لا يضع نفسه في مواجهة مع الحركة الاسلامية العربية والعالمية التي يحتفظ معها بشعرة معاوية رغم وصول سفن القمح الامريكي ـ الشيطان الاكبر ـ الى ميناء بورتسودان هذا الاسبوع, كما ان الطرفين لا يرغبان في تحريك مشاعر قيادات الجبهة القومية الاسلامية ضدهما وهو الخطأ الذي وقع فيه الدكتور الترابي عندما وصف كل المعارضين له بأنهم اختاروا طريق (السلطان) على حساب المبادئ. ولكن مما لا شك فيه ان قصر الرئاسة الذي يضم كوكبة من القيادات الاسلامية الى جانب الفريق البشير, في صراعه مع حي (المنشية) حيث يدير الترابي وانصاره المعركة من منزله هناك, يرغب في نتائج سريعة لاجتماع قاعة الصداقة لازاحة الترابي نهائياً عن الساحة الدينية بعد ان نجح الفريق البشير في تحجيمه سياسياً, ومن هنا فإن الوساطة التي بادر بها علماء الاسلام ستكون نتائجها ضعيفة وتنتهي في خانة تطييب الخواطر او جهد المقل, وستعود المعركة بين القصر والمنشية اكثر شراسة بعد ان ترتفع طائرة العلماء في سماء الخرطوم, خاصة وان اجتماع قاعة الصداقة اعد دعوة آخر لاستيعاب الاسلاميين المؤتمرين للفريق البشير وهو اعادة بناء الجبهة القومية الاسلامية التي احتج الكثيرون عام 92 عندما قام الدكتور الترابي بحلها من خلال اجتماع صغير وليس مؤتمراً عاماً كما تنص القواعد مستنداً في ذلك الى ان البيان الاول لانقلاب الفريق البشير حظر الاحزاب والتنظيمات السياسية, ومن هنا فإذا اصر الدكتور الترابي على مقارعة خصمه من خلال المؤتمر الوطني الحاكم كما يفعل منذ بداية المعركة, فإن الفريق البشير الذي كشف عن انتمائه للحركة الاسلامية منذ ان كان طالبا في الثانوي سيكون مقبولاً في قيادة الجبهة القومية الاسلامية الجديدة التي لم تتحقق لها هذه القومية في ظل قيادة الترابي كما ان ترحيل كيانات وشخصيات استوعبها المؤتمر الوطني من غير الاسلاميين الى الجبهة القومية سيكسبها الى حد كبير صفة القومية التي اصبحت مطلب فريق المعارضة لمساندته للفوز في دورة رئاسية جديدة للجمهورية, وليس مستغرباً ان يتولى البشير قيادة الجبهة القومية الاسلامية فقد وصفه الدكتور الترابي في احدى خطبه بأنه هدية السماء للأرض وذلك عندما كانا (عسل على سمن) كما قال الفريق البشير في لقاء صحفي.