ربع مساحة لبنان يهدد (بتحذير) العالم, والعودة الى ضخ الحشيشة وسائر انواع المخدرات اليه, فلا يتوانى مزارعو منطقة بعلبك ـ الهرمل في البقاع, وهي تشكل 25% من تلك المساحة البالغة 10452 كيلومترا مربعا, عن تهديد العالم, عبر الامم المتحدة, بالعودة الى زراعة الحشيشة, ونثرها للدول جميعها. هكذا كان عليه الحال قبل مايو 1991, عندما عقد آنذاك في بيروت اجتماع سوري ـ لبناني, على مستوى القيادات الامنية العليا. واتخذ خلاله القرار بالقضاء على زراعة المخدرات في البقاع تجاوبا مع رغبة دولية واقليمية رعتها المنظمة الدولية التي تبنت في الوقت نفسه التعويض على الاهالي والمزارعين بتشجيع ما اصطلح على تسميته بالزراعات (البديلة والشريفة) عبر اطلاق مشروع (برنامج التنمية الريفية) . لكن بعد حوالي عشر سنوات على ذلك اكتشف المزارعون والاهالي انهم قاموا بالواجب, والمطلوب, لكن التعويضات لم تصل اليهم وهي كانت مقررة لتغطية احتياجاتهم المعيشية الاساسية, والتي كانوا يغطونها من قبل بالزراعات الممنوعة. ولم يتمكن ذلك (البرنامج) التابع للامم المتحدة من ان يقدم لهم اكثر من الوعود المعسولة, دون اي دعم مالي, متذرعا بان الدول الواعدة لم تقدم ما سبقت ان وعدت به من مساعدات مالية, وذلك على غرار يكرر معاناة اللاجئين الفلسطينيين مع وكالة الغوث الدولية (الاونروا), الغاطسة في عجز مالي متراكم نتيجة تمنع العديد من الدول المانحة على الوفاء بالتزاماتها. وما يزيد في مخاوف هؤلاء, وبالتالي معاناتهم وشكاويهم, احتمال ان يحظى الجنوب والبقاع الغربي باستئثار الحصول على المساعدات الخارجية بعد الانسحاب الاسرائيلي المرتقب. خاصة وان المرحلة الثالثة من برنامج الامم المتحدة قد تأجلت الى العام المقبل, في ما كان المفترض اطلاقها مطلع ابريل الماضي. التمويل الناقص وحول ما وصل اليه ذلك البرنامج في عمله حتى الآن يبين مدير برنامج التنمية الريفية الدكتور محمد الناصر الفرجاني المرحلتين الاولى والثانية بقوله: انطلق البرنامج عام 1994 وكان دوره المفترض ان يقوم بتنمية شاملة لمنطقة بعلبك ـ الهرمل الشاسعة, وهي منطقة محرومة منذ زمن, سواء من ناحية الاستثمارات الحكومية الاساسية والخدماتية او من ناحية المناخ الجاف, ومنها الصحراوي كالهرمل, كان المفروض ان يحتوي هذا البرنامج الآثار السلبية لاتلاف الزراعات الممنوعة التي كانت عماد اقتصاد المنطقة, واحد اسباب تثببت المزارعين في اراضيهم والحد من النزوح في اتجاه العمل في ضواحي المدن, ولا سيما بيروت. ولكن, ويا للاسف, رغم الجهود التي بذلتها منظمات الامم المتحدة والحكومة, لم تتوافر الاموال الكافية لهذه المهمة, ومع ذلك توافر قدر يسير يمثل في مجموعه في المرحلتين ما يوازي 5% من حاجات المنطقة, اي حوالي 14 مليون دولار على مدى 6 سنوات. وهذه التمويلات كانت بعيدة عن الحاجات, ولكن كانت لها آثار ايجابية على مستويات عدة. وعن ما تحقق من هذه المستويات على الصعيد البشري يقول لقد اهتم البرنامج على صعيد المستوى الاول, بتكوين الرأسمال البشري وتنظيم المجتمع المحلي, ففي هذا المجال تحققت مشاريع عدة تهم التكوين البشري, سواء للشباب او الفتيات, ومشاريع للقطاع الصحي تهم تنمية المرأة الريفية وحماية البيئة, وكذلك تأهيل وتدريب المتسربين مدرسيا واستيعابهم ضمن دورات ترقية لتحسين امكاناتهم بالتعاون مع المعاهد المهنية في بعلبك والهرمل, وكذلك مكتب الاستخدام ومنظمة العمل الدولية بتوفير ورش متنقلة للتدريب وتنظيم دورات تدريب مكثفة في مجالات الكهرباء, الميكانيك, كهرباء سيارات والتمريض. المستويات الاخرى والمرحلة الثالثة وحول المستويات الاخرى التي عمل على تأمينها برنامج الامم المتحدة خاصة في مجال الخدمات الحياتية والبنى التحتية ذكر ان المجال الثاني الذي عملنا من اجله يتعلق بالمياه, اذ تم انجاز مشاريع عدة تتعلق بالري ومياه الشفة. وقد كان لهذا اثر ايجابي كبير لدى المزارعين, ولاسيما من هم من القرى النائية, والمجال الثالث هو مجال التسويق اذ تمكن البرنامج من تقديم تسليفات الى اكثر من 300 مزارع, كما ساعد في حل بعض الاختناقات التسويقية عن طريق بعض المنتوجات الزراعية عبر التسليف. المجال الرابع هو مجال الارشاد الزراعي والبحوث التطبيقية بالتعاون مع مركز البحوث الزراعية في تل عمارة والمعاهد البحثية الدولية المختصة منها (ريكاردا) و (الاكساد) . والخامس مجال تحضير الدراسات الفنية والجدوى الاقتصادية اللازمة لعدد كبير من المشاريع, سواء مشاريع ري او البحيرات الجبلية والسدود, او تنمية السياحة او التصنيع الزراعي واستصلاح الاراضي وغير ذلك. ورغم ذلك كله, فان ما قمنا به غير كاف, ولا يتعدى 10 في المئة من حاجات المنطقة ومما هو مطلوب لتنميتها, وخصوصا ان السنوات الاخيرة كانت جافة نسبيا, مما انعكس تضاؤلا في مداخيل المزارعين بصورة خاصة وزاد في تفاقم الازمة. ـ بالنسبة الى المرحلة الثالثة ركز البرنامج وهيئات الامم المتحدة على ضرورة ضمان توفير التمويل بقدر اعلى مما كان في المرحلتين السابقتين, وبالفعل فان مساهمة هيئة الامم المتحدة لمكافحة المخدرات تم رفعها الى 4 ملايين دولار بعد زيارة نائب الامين العام للامم المتحدة فينو ارلاكي, كما ان مساهمة برنامج الامم المتحدة الانمائي من المنتظر ان ترفع وخاصة بعد زيارة نائب الامين العام للامم المتحدة السيدة فريشان, وستتحدد قيمتها خلال الاشهر القليلة المقبلة, العنصر المهم الجديد هو اهتمام الحكومة اللبنانية بالانماء المناطقي, وخصوصا ما تجسد عبر تأليف لجنة توجيهية عليا للبرنامج للمرحلة الثالثة 2000 ـ 2004 بموجب قرار مجلس الوزراء الرقم 99/212 تاريخ 20 ديسمبر 1999, واعطاء الدولة اللبنانية اهمية كبرى لانماء منطقة بعلبك, الهرمل, في الخطة الخمسية وفي موازنة السنة 2000, حيث تم رصد التمويل المهم لمساهمة الدولة في البرنامج بالتعاون مع هيئات الامم المتحدة. ويقول المنسق بين الحكومة والبرنامج الدولي الدكتور غسان السبلاني مجيبا على ذلك: ترى الدولة اللبنانية ان النتائج السلبية الناجمة عن زراعة المخدرات هي مسئولية عامة تقع على كاهل الدولة اللبنانية والمجتمع الدولي باسره, وقد رفعت الدولة اللبنانية صوتها داعية المجتمع الدولي للقيام بواجباته, فعقدت اجتماعات عدة في الداخل والخارج تم خلالها بالصوت والصورة عرض نتائج حملات مكافحة المخدرات وبينت للمجتمع الدولي بواسطة الخرائط والصور المأخوذة من الجو انه تم القضاء التام على زراعة الممنوعات, وابدى كل المشاركين ارتياحهم للنتائج الباهرة التي حققتها الدولة اللبنانية في هذا المجال. ولا بد لنا هنا من تأكيد تجاوب المجتمع المحلي مع ارادة الدولة اللبنانية على امل التعويض عن الخسائر الاقتصادية الناتجة من حملة مكافحة الممنوعات. ولكن رغم ذلك فان منطقة بعلبك ـ الهرمل , لم تتلق من المجتمع الدولي مساعدة تذكر رغم الوعود المعسولة والمتكررة التي سمعناها وتلقيناها في كل اجتماع وعند كل نداء منذ انطلاقة برنامج التنمية الريفية ولولا بعض المساعدات الخجولة التي تلقيناها من خلال مكتب مكافحة المخدرات في الامم المتحدة وبرنامج الامم المتحدة الانمائي لصح القول ان الدولة اللبنانية والشعب اللبناني وحدهما تحملا العبء, اذ قدمت الدولة مساعدات مالية متواضعة نظرا الى امكاناتها المالية في حين تحمل الشعب المتاعب الاجتماعية والاقتصادية التي نجمت عن التردي الاقتصادي الناتج عن مكافحة المخدرات والقضاء عليها, وتجدر الاشارة الى ان تقارير الامم المتحدة الاولية اشارت الى ان دخل مزارعي منطقة بعلبك ـ الهرمل السنوي من عائدات الزراعات الممنوعة كان يناهز 80 مليون دولار سنويا, والعائد الوطني العام من جراء الزراعة والمتاجرة 500 مليون دولار سنويا. ويختتم السبلاني قائلا: ومن الملاحظ ان مشاركة الدولة اللبنانية في تمويل البرنامج بلغت 53.3% من التمويل العام لتاريخه, مع الاشارة الى ان مساهمة الدولة اللبنانية تضاعفت في السنوات الاخيرة نظرا الى اهمية البرنامج من جهة ولشح المساعدات الخارجية, ففي المرحلة الثانية ساهمت الدولة اللبنانية بمبلغ 5.000.000 دولار امريكي في حين بلغت مساهمتها في المرحلة الاولى 2000.000 دولار امريكي وهذا يبين بوضوح عزم الدولة على الاستمرار في دعم انماء المنطقة بمعزل عن المعوقات الخارجية والاقتصادية. وبالاضافة الى ماورد اعلاه, ورغم الاتصالات والمساعي التي نقوم بها حاليا مع المجتمع الدولي وجميع المنظمات الدولية وسواها فاننا لم نحظ حتى تاريخه الا بمبلغ 4 ملايين دولار امريكي من مكتب الامم المتحدة لمكافحة المخدرات والتي ستوضع في المرحلة الثالثة من برنامج التنمية الريفية, في حين تم تخصيص مبلغ 2.25 مليون دولار سنويا من قبل الدولة لدعم البرنامج وانجاحه. ان القيمين على البرنامج والدولة اللبنانية يعلمون يقينا بان ما خصص ويخصص لمنطقة بعلبك الهرمل للتعويض عن الاضرار التي لحقت بالمنطقة واهلها من جراء تلف المخدرات ومكافحتها لا يشكل سوى جزء لا يتعدى 7 في المئة من حاجاتها.