نفى رئيس حزب (الامة) السوداني الصادق المهدي ان يكون بحث امس الاول اي مبادرة لحل الازمة السودانية مع امير قطر الشيخ احمد بن خليفة آل ثاني مع المطالبة بدعم الدوحة لجهود حل هذه الازمة فيما اكد خلال مؤتمر صحافي في العاصمة القطرية امس، ان تخلي النظام الحاكم في السودان عن نهج الاستئصال يعد العلمانية لعدم نكثه الوعود الديمقراطية في حين رجح ان تغير الادارة الامريكية موقفها الرافض للمبادرة المصرية ـ الليبية. وقال المهدي ان اهم تطور حدث في السودان مؤخرا هو تخلي النظام الحالي عن نهجه الاستئصالي واجندته الايدولوجية موضحا ان هذا الامر دفع المعارضة للتخلي عن نهج الاستئصال المضاد, وهو ما فتح الباب امام امكانية ايجاد حل سياسي شامل في السودان وهو ما دفعه للمشاركة في لقاء جيبوتي مع النظام الحاكم. ولخص زعيم (الامة) السوداني اسس الحل السياسي الشامل في اتفاقية سلام تنهي الحرب وتقيم الحقوق الدستورية في السودان وتعترف بالتنوع الديني والثقافي في البلاد وتحترم حقوق الانسان التي نصت عليها المواثيق الدولية, اضافة الى توزيع الثروة بشكل عادل والموافقة على مشاركة عادلة في السلطة, واقامة الوحدة في السودان على اساس طوعي, مؤكدا عدم وجود اختلاف بين السودانيين على هذه الاسس. وقال المهدي انه لم يعد هناك خلاف بين الحكومة والمعارضة حول ضرورة التحول الديمقراطي الحقيقي في السودان او ضرورة اقامة حكومة انتقالية يتفق عليها بين الحكومة والمعارضة لتحقيق اربع نقاط اساسية هي: تكوين دولة الوطن بدل دولة الحزب وازالة التجاوزات والمظالم وتطبيق اتفاقية السلام واجراء انتخابات عامة ونزيهة تضمن تسليم السلطة للجهة المنتخبة. وشدد المهدي على عدم وجود اي خلاف حول آلية التفاوض على الحل السياسي الشامل منذ اغسطس 1999 معللا ذلك بتوقيع اتفاق طرابلس الذي تبنته الحكومتان المصرية والليبية وصار اساسا للمبادرة المصرية الليبية المشتركة التي تدعو لعقد ملتقى جامع للقوى السياسية السودانية لمناقشة الامور المختلف عليها, ووضع اجندة وطنية شاملة تشمل اتفاق السلام واساس الحكم وطبيعة العلاقات مع الجوار, بحضور جيران السودان في القرن الافريقي اضافة الى مصر وليبيا. وبين المهدي ان بعض اطراف المعارضة من غير حزب الامة لا يوافقون على هذا الطرح بذريعة وجوب قيام النظام الحاكم في السودان بإجراءات تمهيدية لبناء الثقة مثل دفع الحظر عن الاحزاب السياسية وازالة الاجراءات الاستثنائية وغيرها, مؤكدا ان التزام الحكومة بدفع الحظر عن الاحزاب والغاء العقبات المفروضة امام حرية التنقل, هي امور كافية لبدء اية مفاوضات, ومشددا في ذات الوقت على عدم الحاجة الى تطبيق الشروط التسعة التي وضعها التجمع الوطني الديمقراطي كشرط لبدء الحوار مع الحكومة. وقال ان الذريعة الثانية التي تسوقها بعض فصائل المعارضة لعدم بدء الحوار مع النظام الحاكم حتى الان هي ضرورة التنسيق بين مبادرة الايجاد والمبادرة المصرية ـ الليبية معتبرا انه لم يعد هناك اي داع للكلام عن التنسيق بين المبادرتين, خاصة وان آلية التفاوض باتت واضحة. واوضح ان تململ البعض من الحل السياسي الشامل في السودان يعود الى امتلاكهم لاجندات اخرى منها الحربية التي ترى انها تستطيع قلب نظام الحكم في السودان من خلال العمل العسكري واخذ مكانه, ومنها التدويلية التي تسعى الى اقحام مجلس الامن في جميع مشاكل السودان. اضافة الى الاجندة الشمولية التي يعتقد اصحابها بضرورة اقامة حكم شمولي يمنع الاحزاب والحريات السياسية مكررا دعم حزبه للاجندة الوطنية, من خلال حشد التأييد لهذه الاجندة داخل السودان وخارجه وعزل الاجندات الاخرى. وفيما يتعلق بضمانات الثقة في نظام الحكم السوداني الذي انقلب على ذاته, قال زعيم حزب الامة ان الضمان الاول هو ان الاجندات الاستئصالية سقطت, مما اوجد ضرورة للبحث عن خيار بعيد عن الاستئصال, واضاف ان الشعب السوداني هو الضمان الاكبر لنجاح مثل هذه المبادرات مدللا على ذلك بقيام اكثر من مليون ونصف مواطن سوداني باستقبال اعضاء حزبه لدى عودتهم للخرطوم وهم يرفعون شعارات تؤيد الاجندة الوطنية وشدد المهدي على ان اي انتكاسة لهذه الاجندة ستواجه بغضبة شعبية كبيرة. وبين ان الضمان الثالث هو دعم دول الجوار للحل السياسي الشامل في السودان بعد ان ادركت انه يتماشى مع مصالحها مؤكدا ان جميع الدول الكبرى باتت تربط دعمها المالي والتنموي للدول الاخرى بضرورة احترام حقوق الانسان والحريات الاساسية. وقال انه يوجد الان داخل الاتجاه الاسلامي نفسه بشقيه الشيعي والسني تيار قوي جدا يدعو الى احترام الحريات العامة وحقوق الانسان مؤكدا وجود نظرة جدية جديدة لهذا الامر في المجال الفكري والعربي والاسلامي. ورأى المهدي ان مؤتمر القمة الافريقية الاخير في الجزائر قد قدم ضمانة جديدة للديمقراطية والحريات السياسية من خلال تأكيده على دعم الحوار الديمقراطي وعدم الاعتراف بالانقلابات العسكرية مؤكدا ان الخاسر هو من سيتعامل مع هذه الحقائق بشكل تكتيكي. وبخصوص الرفض الامريكي للمبادرة الليبية المصرية, بين المهدي ان امريكا بدأت الان تراجع موقفها حسبما تشير الكثير من الادلة والمعطيات وقال: نحن نتوقع من امريكا ان ترحب بهذه المبادرة, لان المنطق الامريكي غريب جدا ويخضع الواقع لايديولوجية امريكية تقول ان قضية السودان شأن افريقي ولا علاقة للشمال الافريقي بالسودان لان دول شمال افريقيا مرتبطة جغرافيا وسياسيا بمنطقة حوض البحر الابيض المتوسط مشددا على ان هذا الطرح لا صلة له من قريب او بعيد بواقع السودان الذي يملك وجودا سياسيا وجغرافيا حقيقيا في شمال افريقيا. واشار المهدي الى ان حزبه قد عاب على مبادرة الايجاد عدم اعترافها بجميع اطراف النزاع والاقتصار على طرفين من اطراف النزاع, مؤكدا ان المبادرة المصرية ـ الليبية هي الوحيدة التي تعترف بكل اطراف النزاع والقادرة على تحقيق الآلية المناسبة للحل السياسي. وردا على سؤال حول موعد عودته الى الخرطوم قال رئيس حزب الامة السوداني ان العودة ستكون بموجب ما ستتطلبه الاجندة الوطنية التي يعمل على دعمها على المستويين الداخلي والخارجي مؤكدا انه لو حدث وأقر الحزب العودة بناء على ما تقتضيه الاجندة الوطنية سواء كان ذلك مؤتمرا او تطورات معينة فإنه سيعود الى السودان. وفي معرض رده على سؤال اخر حول رأيه في تصريحات الترابي التي قال فيها ان سبب الخلاف بينه وبين البشير يعود الى التحول الى النظام الديمقراطي بدلا من الوجه العسكري للحكم قال المهدي ان هناك توترا داخل المؤتمر الوطني حول السلطة, قد يؤدي الى التدهور مبينا ان السياسة مليئة بالمفاجآت وان كل ما يستطيع المرء القيام به هو وضع تقديرات تحتمل الخطأ والصواب. وقال: ان تقديرنا الآن هو ان الرهان على التحول الديمقراطي والسلام والاجندة الديمقراطية هو رهان واجب وصحيح, ونحن نقدر ان فرص نجاح هذا الرهان كبيرة لانه يستند على مقومات تعبئة شعبية وسياسية وفكرية ودبلوماسية ونحن نراهن على هذا الجواد ونعتقد ان له السبق. وفيما يتعلق بمحاولة النظام الديمقراطي الذي كان يقوده حزب الامة في السابق ابتلاع الاحزاب الاخرى وهضم حقوقها وما اذا كان ذلك دليلا على عدم امكانية نجاح التجارب الديمقراطية في السودان قال المهدي ان الحكم القائم على مبدأ الحرية غالبا ما يضم خلافات فكرية وقبلية ودينية, مبينا ان الخلافات السودانية ليست اكبر من الخلافات التي توجد في الديمقراطيات الاخرى. وقال: اعتقد ان الديكتاتورية تأتي بضرر اكبر من الخلافات الموجودة, لانها لا تزيل الخلافات بشكل نهائي وانما تجبرها على السير تحت الارض او الخروج الى الخارج. واكد المهدي ان مشاكل السودان الديمقراطية اقل بكثير من مشاكل الدول الاخرى مدللا على ذلك بقيام انظمة حاكمة ذات احزاب سياسية مختلفة كليا بعد كل انقلاب عسكري في باكستان او نيجيريا مثلا وهو الامر الذي لم يحدث في السودان حتى الان, مما يعني ان الاحزاب السياسية في السودان متجذرة وتملك خبرات سياسية متراكمة.