في خطوة يبدو انها الضربة القاضية للاطاحة بالدكتور حسن الترابي نهائيا وابعاده عن القيادة الاسلامية بعد ان ابعده الرئيس السوداني عمر البشير عن المسرح السياسي, اجتمع اكثر من 1200 من قيادات وكوادر الجبهة الاسلامية التي كان يتزعمها الترابي منذ منتصف الثمانينيات، وحلها بنفسه عام 1991 ودمجها في حزب المؤتمر الوطني الحاكم وقد تمخض عن هذا الاجتماع الذي عقد بقاعة الصداقة بغياب الترابي وبعيدا عن اجهزة الاعلام تشكيل لجنة تضم 40 قياديا اسلاميا برئاسة محمد محمد صادق الكاروري مهمتها وضع حد حاسم للصراع الحالي بين البشير والترابي والعمل على قيام حركة اسلامية جديدة مبنية على الشفافية وغير مرتبطة بشخصية الترابي الأمر الذي استنكره أنصار الأخير واعتبروه تجريدا روحيا له بعد ان تم تجريده سياسيا. وبعد مداولات طويلة امتدت حتى صباح السبت الماضي خرج الاجتماع الاسلامي بتشكيل لجنة من 40 قياديا بارزا للعمل على احياء الجبهة الاسلامية باعتبارها الكيان الاكثر اتساعا اذا ما حدثت نكسة بالمؤتمر الوطني الحاكم نتيجة صراع الرأسين. وقد لاحظت (البيان) ان كل اعضاء اللجنة الاربعينية الذين استطلعتهم اصروا على عدم ذكر أي تفاصيل,وان اكثرهم ابدوا استغرابهم من المعلومات التي كانت تطرحها عليهم (البيان) والصادرة عن المؤتمر, مما يؤكد ان اللجنة مقيدة بوقت زمني محدد وقصير للوصول الى قراراتها لتتزامن مع ما ظل يردده الفريق البشير ونائبه الأول علي عثمان محمد طه عن قرب صدور القرارات المكملة لقرارات 4 رمضان التي بدأ بها البشير تحجيم مركز الدكتور الترابي في السلطة والحزب. وتلاحظ (البيان) كذلك ان بعض اعضاء اللجنة الاربعينية حاولوا اضفاء صفة لجنة رأب الصدع عليها ولكن معسكر الدكتور الترابي نسف ذلك تماما, بأنهم لم يشاركوا في المؤتمر لأن الدعوة وصلتهم يوم الاجتماع وان اوراقه تم اعدادها (ليلا) . وقد صرح قيادي اسلامي تاريخي من المؤسسين للحركة الاسلامية لـ (البيان) ان لجنة رأب الصدع طلبت من الاسلاميين داخل المؤتمر الوطني تشكيل اللجنة الاربعينية وان هذه اللجنة ستستقطب معها التأريخ الفكري والثقافي للحركة الاسلامية واطارها الاسلامي العريض وصولا الى رأب الصدع في هذه الحركة, فيما أكد كادر اسلامي شاب متقدم ان الهدف من تشكيل هذه اللجنة هو جمع صف الحركة الاسلامية وذلك من خلال الوصول الى قواسم مشتركة بشأن الخلافات بين طرفي الصراع الحالي في المؤتمر الوطني (الحزب الحاكم), وأضاف انه لم تتبلور حتى الآن رؤية واضحة عما اذا كان هذا العمل يتم تمريره من خلال الحزب الحاكم أو ان تتولاه اللجنة الاربعينية وحدها. وقال ان رؤية اللجنة لحل المشاكل سيتم طرحها على طرفي الصراع واذا رفضها احدهما سيكون رأي اللجنة حاسما. وفي هذا السياق أمّن قيادي سياسي من جنوب السودان ينتمي للحركة الاسلامية منذ نشأتها على ما ذكره القيادي المهني الشاب. وأضاف لـ (البيان) ان اللجنة الاربعينية تضم قيادات اسلامية تعبر عن وجهتي نظر الطرفين المتنازعين, وأشار الى ان اللجنة ستعمل على دراسة كل مسببات الصراع في الحركة الاسلامية مبينا ان كل عضوية اللجنة من اعضاء الحركة فقط. واستنطق (البيان) احد القيادات التاريخية في الحركة الاسلامية واحد المشاركين الفاعلين في التنظيم الجديد, فسلط اضواء كاشفة على فكرة اهداف التنظيم. وقال بعد ان شدد على عدم الاشارة لاسمه, ان الهدف الاساسي لهذا التنظيم جاء لتصحيح الخطأ التاريخي الذي ارتكبته القيادة بحل الحركة الاسلامية في وقت مبكر وقبل ان تتمكن الدولة الاسلامية, مما أدخل التنظيم والدولة في حالة غياب المرجعية التي تكررت بعد ذلك في شخص د. الترابي بصورة كاملة وبدا العمل العام وكأنه مربوط بأسماء وأشخاص محددين وخضع للمزاج الشخصي مما أوصل الناس الى الخلاف الحالي وحالة البلبلة وعدم الاستقرار الحاليين. ومضى القيادي الذي يتمتع بقبول لدى طرفي النزاع, مسلطا مزيدا من الاضواء على التنظيم الجديد بدأت فكرة تنظيم الحركة الاسلامية قبل شهور عديدة وقبل تفجر الصراع بالصورة الحادة التي تشهدها الآن وتبلورت الفكرة بشكل كامل في اعقاب حالة الاستقطاب الحادة التي شهدتها الصفوف الآن حيث تمت دعوة كل الاعضاء التأريخيين والبارزين في الحركة الاسلامية في ذلك الاجتماع الذي شهده ما لا يقل عن 1200 من القيادات المعروفة في الحركة ومن ثم انتخب 40 شخصا يشكلون القيادة برئاسة الشيخ محمد محمد صادق الكاروري رئيس هيئة شورى الجبهة الاسلامية السابقة وأبرز اعضاء اللجنة محمد يوسف محمد رئيس الجمعية التأسيسية الاسبق وأحمد عبدالرحمن محمد أمين مجلس الصداقة الشعبية وعثمان خالد مضوي احد القيادات الاسلامية البارزة ود. عبدالرحيم علي رئيس مجلس شورى المؤتمر الوطني الحاكم ود. الطيب زين العابدين أستاذ العلوم السياسية المتواجد حاليا بباكستان ود. حسن مكي الأستاذ بجامعة افريقيا العالمية وأمين حسن عمر وزير الدولة للاعلام السابق وبروفيسور ابراهيم غندور الأمين العام لاتحاد العمال وفتحي خليل نقيب المحامين وعبدالجليل النذير الكاروري احد القيادات الاسلامية وعلي تميم فرتاك وزير الدولة بوزارة الصناعة وأحد القيادات الاسلامية الجنوبية وآخرين كثر من القيادات المشهود لهم بالعطاء في الحركة الاسلامية. وأضاف ان هذه اللجنة ستقوم على تحقيق مجموعة اهداف اولها بناء الحركة الاسلامية من جديد لتعمل على تحقيق اهدافها المعروفة وذلك لا يتعارض مع وجود المؤتمر الوطني كحزب حاكم. ومضى القيادي متحدثا عن أهداف تشكيل الحركة يقول: قطعا لم نهدف من هذا التنظيم الى تقوية جناح على الآخر ولكن سنعمل على جمع وتوحيد الصف الاسلامي دون اي نظر الي موقع لخلاف أو شقاق وسنقوم بالاتصال بطرفي النزاع. وطرح الأمر عليهم, ونتمنى ان يجد القبول منهم. وبدوره قال د. حسن مكي القيادي الاسلامي البارز وأحد اعضاء اللجنة لـ (البيان) ان هناك جهودا منذ حين لقيام حركة اسلامية جديدة تبنى على أساس من الشفافية على ألا يقلل اعادة استئناف بناء الحركة الاسلامية أو يضعف الواجهة السياسية الكبرى (المؤتمر الوطني) لأن قيام الحركة الاسلامية الآن بات ضرورة لأن الازمة الحالية اظهرت الحاجة الى المرجعية. ومضى مكي محللا قيام التنظيم الجديد بقوله: ان حساسية هذا الأمر وخطورته تنبع من ان الرمزية خلال الخمسة وثلاثين عاما الماضية كانت تتمثل في الشيخ الترابي وظهور هذا التنظيم قد يفهم بأنه محاولة لسحب البساط من تحت اقدامه وابعاده عن قيادة الحركة, خاصة ان الترابي هو الذي قام بحل هذه الحركة في العام 1991 ومن ثم ظهور الصراع بينه والفريق البشير سيؤدي الى رفض أي مشروع يهدف الى تجديد بناء ونشاط الحركة لأنه سينهي رمزية د. الترابي كأحد ابناء الحركة الاسلامية وكذلك قد يجعل الحركة اداة في صراع الحزب الحاكم. ومضى مكي قائلا: ادارة السلطة الموجودة في البلد كذلك لا تريد ابراز حركة اسلامية مستقلة عنها لأنه قد يؤدي الى تجدد خوف دول الجوار من ان تصبح الحركة الاسلامية الجديدة غير قابلة للاحتواء لهذا نجد ان طرف الصراع سيكون له محاذيره ولكن مرحليا معسكر السلطة الذي يريد تطبيع ما حدث للشيخ الترابي بتجريده من وظائفه السياسية والدستورية والروحية حتى لا يمانعون حتى لو مرحليا قيام هذه الحركة. وفي أروقة جناح الترابي رفض ابراهيم السنوسي احد مساعدي الترابي فكرة قيام حركة اسلامية جديدة. وقال لـ (البيان) : فكرة قيام حركة اسلامية في هذا الوقت مرفوضة بالنسبة لنا. ومضى السنوسي مبررا رفضه بقوله: اننا منذ ان أنشأنا جماعة الاخوان المسلمين في الاربعينيات تطورت لتصبح جبهة الدستور الاسلامي, ومن ثم جبهة الميثاق الاسلامية والجبهة الاسلامية وأخيرا المؤتمر الوطني لم نرجع الى الوراء أو ننظر الى الخلف وكنا نتوسع ونزيد كلما انتقلنا الى مرحلة جديدة, فكيف نعود الآن الى الوراء؟ ومضى السنوسي قائلا: اذا اريد لهذا الكيان ان يكون العاصم من الانشقاق فلماذا عزل منه قادة لهم تاريخ لا يقل عن الخمسين عاما في هذه الحركة؟ وزاد: هذا الكيان لا يمكن ان يستقيم وان يكون هو العاصم من الفتنة وهم دعوا له ليلا وأعدت الأوراق ليلا وبهذا الشكل ومن قام به تنقصه الحنكة والدراية السياسية, وماذا سيقولون للذين اتوا من خارج الاخوان المسلمين لينضموا للمؤتمر الوطني وبذلوا فيه ما لم يبذله الاخوان المسلمين أنفسهم, ماذا سيقولون لهم؟