ذو الفقار على بوتو وراء برنامج باكستان النووي ، هكذا استقرت الهند في مصيدة المحور الصيني - الباكستاني - الأمريكي في عام 1975 حاولت أمريكا الاستمرار في الحوار الهادئ الذي بدأه هنري كيسنجر أثناء محادثاته مع انديرا غاندي في أكتوبر عام 1974. ومن أجل اختراق الصمت الهندي بشأن سياستها النووية نُصح كيسنجر بأن يناقش الموضوع مع تشافان وزير الشئون الخارجية آنذاك الذي كان مقررا أن يقوم بزيارة واشنطن في بدايات أكتوبر 1975. وكان على كيسنجر أن يشجع الهنود على عدم تصدير المواد التكنولوجية الحساسة إلى دول أخرى, وكان عليه أيضا أن يتناول موضوعا أكثر حساسية وهو احتمال قيام الهند بتفجير نووي ثانٍ, واضعا في الاعتبار السياسة الأمريكية القاضية بعدم الضغط على الحكومة الهندية بشأن برنامجها النووي. وقد عكست هذه السياسة وجهة النظر الأمريكية (الواقعية) التي تقول إن الانتشار النووي حتمي في دول كبرى كالهند, وان على الولايات المتحدة عندئذ أن تقلل إلى الحد الأدنى من النتائج الضارة المحتملة وذلك عن طريق الاحتفاظ بعلاقات ودية مع مثل هذه الدول. ويرى مؤلف الكتاب أن الأمريكيين في عام 1975 لم يكونوا يريدون أن تنتج الهند أسلحة نووية, غير أنهم يعتقدون انهم لن يستطيعوا وقفها. البرنامج النووي الباكستاني في عام 1975 أسرعت باكستان بتصعيد جهودها لاحتلال القدرات النووية العسكرية, وكان ذو الفقار علي بوتو, رئيس الوزراء, هو الذي بدأ هذه الجهود في يناير 1972, وأدارها رئيس مفوضية الطاقة النووية منير أحمد خان, المهندس النووي الباكستاني الذي تلقى تعليمه في أمريكا, واكتسب خبرة واسعة من خلال عمله في فيينا في الوكالة الدولية للطاقة النووية. وقد سعى هذا العالم الباكستاني إلى تنفيذ برنامج نووي كبير وشامل, ليوفر لباكستاني ما تحتاجه بشدة من الكهرباء والمنافع الطبية والزراعية, وفي الوقت نفسه يوفر التدريب والتقنية والتغطية السياسية التي تسمح بانتاج الأسلحة النووية, وسعت باكستان إلى الحصول على مساعدة فرنسا لتحقيق هذه الغاية. ومع تنامي برنامج باكستان النووي ضغط رئيس الوزراء بوتو على الولايات المتحدة لرفع الحظر الذي فرضته واشنطن على مبيعات السلاح منذ الحرب الهندية - الباكستانية عام 1965. وقام بوتو بزيارة للولايات المتحدة حيث أعلنت وزارة الخارجية الأمريكية في 24 فبراير ان باكستان تستطيع شراء أسلحة تقليدية بمبلغ يصل إلى 100 مليون دولار. وكان كيسنجر يعتقد ان ذلك لن يغضب الهند لان تلك المبيعات لن تجردها من تفوقها العسكري, وان واشنطن قد تقدم مبيعات من الأسلحة للهند أيضا على الرغم من ان المسئولين الأمريكيين لم يتوقعوا أن تقبل الهند هذا العرض. وكان رد فعل الهند شديد الغضب ازاء المبيعات العسكرية الأمريكية لباكستان, وأعلنت انديرا غاندي انها تفكأ الجراح القديمة في العلاقات الهندية - الأمريكية. وبنهاية عام 1975 ازداد القلق من المطامح النووية الباكستانية, وذلك في دول الغرب على الأقل. وقامت واشنطن بالضغط على فرنسا لوقف امداداتها للبرنامج النووي الباكتساني, وفي شهر ديسمبر من ذلك العام حدث تطور بالغ الأهمية, فقد كان العالم الدكتور عبدالقادر خان الخبير في علم المعادن يقوم بزيارة لوطنه باكستان في اجازة من عمله في شركة هولندية كبيرة, هي شركة (اف. دي. أو) وكانت هذه الشركة المقاول الرئيسي من الباطن للشركة الأوروبية لاخصاب اليورانيوم في مشروع بناء مصنع متقدم فائق السرعة لاخصاب اليورانيوم بالطرد المركزي لتوفير خدمات الاخصاب للبرامج الأوروبية للطاقة النووية. وكان عبدالقادر خان قد بعث في وقت سابق من عام 1974 رسالة إلى رئيس الوزراء بوتو يعرض عليه خدماته من أجل البرنامج النووي الباكستاني وبشكل خاص في حقل اخصاب اليورانيوم. ورد عليه ذو الفقار علي بوتو طالبا منه أن يتصل به في زيارته التالية لباكستان. وبالمناسبة لا توجد علاقة قرابة بين هذا العالم وبين المهندس منير أحمد خان الذي رأس مفوضية الطاقة النووية الباكستانية. ولما عاد هذا العالم إلى وطنه ضغط عليه بوتو بشدة للبقاء, فوافق على عدم العودة إلى هولندا, وعلى أن يتولى الاشراف على جهود اخصاب اليورانيوم, ثم توجه رئيس الوزراء الباكستاني بعد ذلك إلى الصين سعيا إلى مساعدتها لتقديم المواد النووية اللازمة. الصراعات الداخلية يستعرض جورج بركوفيتش على امتداد صفحات كثيرة التطورات السياسية الداخلية في الهند بدءا من خسارة إنديرا غاندي لمنصبها في الانتخابات, وما أعقب ذلك من فوز مورارجي ديساي برئاسة الوزراء, ثم تصاعد الصدام بين الجناح اليميني والجناح اليساري في حزب جاناتا, وتهاوي الحكومة الائتلافية التي شكلها. ويصل المؤلف بعد ذلك السرد المفصل للصراعات السياسية الداخلية في الهند, إلى 25 ديسمبر 1979 عندما دخلت القوات السوفييتية أفغانستان ووصلت إلى كابول في 27 ديسمبر. وكان هذا الغزو ذروة صراع سياسي ضارٍ بين الشيوعيين والفصائل الأخرى وأشاع الاضطراب في تلك الدولة منذ ابريل 1978. وأدت الحرب التي تلت ذلك إلى فرض أعباء ثقيلة على أفغانستان, والاتحاد السوفييتي, وباكستان, والولايات المتحدة. وأدى كل ذلك إلى تعقيدات كبيرة بالنسبة للهند ودور واشنطن في التعامل مع قضية الانتشار النووي في جنوب آسيا. وكان اعتماد الهند في وقت البرنامج النووي الباكستاني على الولايات المتحدة التي كانت المورّد الأكبر للسلاح لباكستان, ولكن أصبح من الممكن التغاضي عن مصلحة واشنطن في الضغط على باكستان لوقف برنامجها النووي, وذلك بسبب التصميم الأمريكي على طرد السوفييتي من أفغانستان. وكانت باكستان هي القاعدة المرشحة لكي تنطلق منها واشنطن في التعبئة ضد السوفييت, وبدلا من التعامل بصرامة مع الباكتسانيين بشأن برنامجهم النووي, فضلت الولايات المتحدة دعم قوة باكستان العسكرية التقليدية. وأسرعت في الاعلان عن أولوياتها الجديدة. وفي الثالث من يناير - بعد أقل من شهرين من قيام متظاهرين باكستانيين بحرق السفارة الأمريكية في اسلام أباد - ألغت إدارة الرئيس الأمريكي جيمي كارتر العقوبات المفروضة على باكستان منذ عام 1979. وطوال السنوات العشر التالية امتنعت الولايات المتحدة عن توجيه الضغط السياسي باستثناء نوع من الضغط الدبلوماسي المتوسط على الجهود النووية الباكتسانية مع تجنب العقوبات التي كان مؤيدو منع الانتشار النووي في الهند وأمريكا يفضلون فرضها على اسلام أباد, وبدلا من ذلك سعت واشنطن إلى اغراء باكستان بالابتعاد عن الأسلحة النووية, وذلك عن طريق امدادها بما قيمته مليارات الدولارات من الأسلحة التقليدية. مأزق الهند وأبدت الهندي - من وجهة النظر الجيوبوليتيكية - رد فعل مبدئيا ازاء الغزو السوفييتي. وكانت انديرا غاندي قد اكتسحت انتخابات يناير 1980 واستردت رئاسة الوزراء وسمحت بتعليق فاتر على ذلك الغزو, وأعلن مندوب الهند في الأمم المتحدة ان القوات السوفييتية دخلت أفغانستان بدعوة من الحكومة الأفغانية, وان الهند (ليس لديها ما يدعو للشك في التأكيدات التي أبداها السوفييت بأنهم سيسحبون تلك القوات إذا طلبت الحكومة الأفغانية ذلك) . وكانت انديرا غاندي تفضل الميل إلى الثقة في الاتحاد السوفييتي كوسيلة للتوازن مع النفوذ الأمريكي والصيني, مما أثار غضب المسئولين الأمريكيين. وفي مواجهة الاحتجاجا الأمريكية والاستياء بين دول عدم الانحياز أدركت رئيسة الوزراء الهندية ان عليها أن تتخذ موقفا أكثر تشددا. وفي 18 يناير وبعد اجتماعها مع وزير الخارجية البريطاني اللورد كارينجتون أعلنت انه (لا يوجد مبرر لأية دولة لادخال قواتها إلى بلد آخر) . وكان من الواضح ان الهند قد وقعت في مأزق, فلم تكن الحكومة تريد أن تخسر القوة الدولية الرئيسية التي تدعمها, وهي الاتحاد السوفييتي, ولا تحتمل أن تغضب الولايات المتحدة الأمريكية. كذلك لم تكن نيودلهي تريد التخلي عن احتمالات تحسين العلاقات مع باكستان, أو الأسوأ من ذلك أن تسمح لباكستان باستخدام الأزمة الأفغانية كوسيلة لتوجيه تهديدات متزايدة لها. وكانت الحكومة الهندية تخشى أن تكون الولايات المتحدة أو الصين, أو كلتاهما معا, قد اقتنعت بزيادة تسليح باكستان زيادة جوهرية. والواقع ان مواجهة النفوذ السوفييتي في وسط وجنوب آسيا كانت سبب مساعدة الصين لباكستان في برامجها النووية والصاروخية, وهذا السبب لم يلق تقديرا. وكان على الهند أن تلتفت الى احتمال قيام محور صيني - باكستاني - أمريكي وذلك بأن تحافظ على وجود أكبر قدر من النوايا الحسنة في واشنطن, وألا تسمح - في نفس الوقت - بازدياد الخصومة مع الصين التي نشأت بسبب تدخل بكين في فييتنام. وقد شهدت السياسة النووية الهندية تغيرا مهما من عام 1980 إلى عام 1981 بعد أن عادت انديرا غاندي إلى السلطة مرة أخرى كرئيسة للوزراء. ويقول مؤلف الكتاب انها أعلنت في بداية فترة حكمها الثانية انها لن تمنع اجراء المزيد من التفجيرات النووية السلمية, ومع انها تركت الخيار النووي مفتوحا, إلا انها أيضا رددت رفض والدها والهند للأسلحة النووية. وفي رسالة منشورة لها إلى أحد الناجين من قنبلة هيروشيما أعادت إلى الأذهان انه (في اليوم الذي ألقيت فيه القنبلة على هيروشيما وصفها أبي جواهر لال نهرو بأنها (تاجر الموت) ومنذ ذلك الوقت أيدنا نزع السلاح الشامل) . وأصرت على أن التفجير النووي السلمي في عام 1974 كان لأغراض سلمية وان الهند لن تمتلك أسلحة نووية ولا نية لديها لتطويرها أو انتاجها. ويقول المؤلف انه ربما يفهم قولها على انه مجرد دعاية بحتة غير ان أفعالها منذ عام 1974 تشير إلى انها كانت تعكس رغبتها الحقيقية. وعلى الرغم من رأي المؤلف إلا انه يورد بعد ذلك سباق التسلح الكبير بين الهند وباكستان في الأسلحة التقليدية, والذي لعبت فيه كل من أمريكا والاتحاد السوفييتي دورا كبيرا. ففي مايو 1980 أنجزت انديرا غاندي صفقة أسلحة قيمتها 1.63 بليون دولار مع الاتحاد السوفييتي لشراء دبابات من طراز تي-72 وطائرات ميج-25 فوكس بات. وفي ابريل 1981 ظهرت تقارير تقول ان الولايات المتحدة وباكستان في سبيلهما لعقد اتفاقية بينهما لامداد اسلام أباد بما قيمته 2.5 مليار دولار من الأسلحة والمساعدات الاقتصادية لمدة خمس سنوات. وتمت زيادة القيمة إلى 3.2 مليار دولار وتوقيع الاتفاقية في شهر يوليو. وقد تضمنت الاتفاقية امداد باكستان بأربعين طائرة مقاتلة من طراز إف-16 التي كانت آنذاك أكثر الطائرات الأمريكية تطورا. ولم تهدأ الهند عندما أعلن المسئولون الأمريكيون ان امدادات الأسلحة التقليدية, قد تؤدي إلى خفض دوافع باكستان لامتلاك الأسلحة النووية. وفي مؤتمر صحفي في شهر أغسطس أشارت انديرا غاندي إلى وجود خطط حكومية لبدء برنامج انفاق دفاعي جوهري. وكذلك تحركت الهند في بدايات عام 1981 لدعم قدرتها على انتاج الأسلحة النووية. ووفقا لمصادر المخابرات الأمريكية بدأت الحفريات في شهر فبراير للاعداد لاجراء تفجير نووي محتمل في موقع بوخران. وأصبحت تلك الاستعدادات معروفة علنا في ابريل عندما أعلن السيناتور الأمريكي ألان كرانستون ان مصادر تنفيذية اكتشفت عملية حفر من أجل اختبار نووي في كل من باكستان والهند. وقال كرانستون ان باكستان كانت تبني نفقا أفقيا في أحد الجبال في بلوشستان على بعد 40 ميلا من الحدود الأفغانية. وتأكدت أنباء الاستعدادات الهندية في صحراء راجستان على يد صحفي هندي زار المنطقة وكتب تقريرا في عدد مايو 1981 من صحيفة (إنديان إكسبريس) . وعندما سئل هومي سثنا رئيس مفوضية الطاقة النووية عن هذا التقرير رفض التعليق عليه. ومع ذلك قال سثنا ان التفجير النووي الباكستاني قد يقع (في أي وقت من شهر يونيو فصاعدا, وربما هذا العام أو العام المقبل) . ويعتبر هذا مبالغة في تقدير الاستعدادات الباكتسانية ذلك لانه كان من الواضح انه ما زال على المؤسسة النووية الباكستانية أن تكمل التسهيلات التي قد تستخدم لصناعة المكونات التقليدية ذات القدرة التفجيرية العالية الخاصة بالقنبلة النووية, كما كان على مصنع كاهوتا الباكستاني لاخصاب اليورانيوم أن ينتج كميات كافية من اليورانيوم عالي الاخصاب. ويبدي مؤلف الكتاب دهشته من ان تصدر هذه المبالغة في تقويم قدرة باكستان النووية عن سثنا ذلك لانه كان في جلساته الخاصة ينفي باستخفاف تلك القدرة على تطوير الأسلحة النووية. ويبدو ان رئيس المؤسسة النووية الهندية كان ينتهز الفرصة ليوحي بأن مفوضية الطاقة النووية في الهند لابد أن تستعد للرد بنفس الطريقة إذا أجرت باكستان اختبارا نوويا. في الوقت نفسه استمر الدبلوماسيون الهنود في محاولة العمل على استقرار العلاقات مع باكستان, وفي ابريل 1980 أرسلت انديرا غاندي مبعوثا خاصا إلى اسلام أباد لتقدير نوايا الرئيس ضياء الحق تجاه الهند ولينقل إليه رغبتها في تحسين العلاقات بين بلديهما. ثم قامت هي نفسها بلقاء الرئيس الباكتساني في هراري - زيمبابوي. ورد ضياء الحق بارسال أكبر مستشاريه للشئون الخارجية أغا شاهي إلى الهندي.