تبدأ اليوم في عموم محافظات اليمن احتفالات رسمية وشعبية بالذكرى العاشرة لتوحيد شطري البلاد بمشاركة 50 وفدا عربيا وأجنبيا في مقدمتهم ولي العهد السعودي الأمير عبدالله بن عبدالعزيز الذي توقعت مصادر ان يبحث مسألة الحدود بين البلدين، وبمقاطعة غير معلنة للاحتفالات من بعض احزاب المعارضة وأهمها الحزب الاشتراكي الذي كان شريكا اساسيا في صيغة الوحدة واتهامها للحكومة بالبذخ في الانفاق على الاحتفالات والتي تكلفت 60 مليون ريال. وتقام الاحتفالات وسط اجراءات امن مشددة بدأت السلطات اليمنية باتخاذها بشكل تدريجي منذ بداية الشهر الجاري اذ اقيمت نقاط التفتيش العسكرية والامنية وانتشر العشرات من عناصر الامن في الشوارع الرئيسية ومداخل المدينة ولأول مرة تبدو عملية التفتيش عن السلاح دقيقة وجادة بل ان نقاط التفتيش امتدت على طول الطرق التي تربط بين العاصمة وباقي المدن اليمنية وأحصى احد المواطنين اكثر من 20 نقطة تفتيش بين صنعاء وعدن, اضافة الى ذلك قطعت خدمتي الهاتف السيار والنداء الآلي وفرضت رقابة على الاتصالات الهاتفية العادية فلا يسمح باجراء مكالمة من أي مركز عام للاتصالات الا بعد ابراز وتسجيل بيانات البطاقة الشخصية كما نشرت بعض الصحف المحلية اخبارا عن اخضاع الاتصالات الدولية للمراقبة وكذا خدمات الفاكس الدولي والبريد الالكتروني وحتى البريد العادي, وشملت الاجراءات الامنية التي يبدي المواطنون صراحة تذمرهم منها بل ويتهكمون عليها اغلاق مطار صنعاء امام الطيران المدني العادي وتخصيصه منذ امس الاول للطيران العسكري ولاستقبال طائرات الضيوف العرب والاجانب واغلاق احياء وشوارع بأكملها في العاصمة خصصت لسكن وتحرك الضيوف والمشرفين على الاحتفالات, كما تشهد بقية احياء وشوارع العاصمة ليلا اجراءات تفتيش وتدقيق في الهويات الى الحد الذي دفع البعض للاعتقاد ان هناك حظرا للتجول. وتستقبل العاصمة اليمنية ضيوفها وهي في ابهى حلة لها ـ على الاقل في نظر اليمنيين ـ فعلى مدى قرابة الشهرين قلبت اوضاع صنعاء المعتادة رأسا على عقب وباشراف مباشر من الرئيس اليمني, واذا كانت الاعلام التي ترفرف في سمائها وعلى مبانيها والاضواء والزينات وصور الرئيس ورقصات (البرع) الشعبية الفرائحية التي يشهدها ميدان التحرير كل ليل والتي تعكس الاجواء الاحتفالية ليست امورا جديدة عليها, فإن النظافة والنظام اللذين قد لا يبدوان امرا لافتا للضيوف وهما حديث الناس الآن جديدان عليها, وتقدر مصادر رسمية تكاليف حملة النظافة الواسعة التي شهدتها احياء وشوارع صنعاء على مدى الاسابيع الثلاثة الماضية بأكثر من 60 مليون ريال ولأول مرة يشاهد المواطنون خلالها المسئولين المباشرين في الميدان كأمين العاصمة ومسئولي مكاتب البلدية ما يعني بالنسبة لهم ان هناك املا في اصلاح الامور اذا وجدت ارادة الاصلاح, حملة النظافة شملت كل ما اعتبر انه يشوه مظهر المدينة اذ تم رفع المتسولين والباعة المتجولين من الشوارع تماما, كما أجبرت المحال التجارية على عدم عرض بضائعها خارج حدودها وحظر ايقاف السيارات على جانبي الشوارع المهمة. وتشمل الاحتفالات بالمناسبة التي اعدتها لجنة حكومية برئاسة نائب رئيس الجمهورية سلسلة من المهرجانات الفنية والخطابية في جميع محافظات البلاد وعروض شبابية ورياضية وطلابية اهمها العرض الذي سيتم اليوم في ميدان السبعين بالعاصمة وتشارك فيه وحدات رمزية من القوات المسلحة وأسلحتها المختلفة اضافة الى اكثر من 20 الف شاب وفتاة, كما سيتم افتتاح قائمة طويلة من المشاريع الخدمية والتنموية ووضع حجر الأساس لمشروعات جديدة في عدة مناطق من البلاد ويتواكب ذلك مع برامج احتفالية مكثفة للقناتين التلفزيونيتين الوحيدتين في البلاد, وكذا في سبع اذاعات محلية, كما ان الصحف الرسمية اليومية والاسبوعية بدأت اصدار اعداد خاصة بالمناسبة. ويضاف الى هذه الاستعدادات الباهظة والمكلفة مقارنة بامكانيات بلد كاليمن الذي يعيش اقتصاده منذ سنوات ازمة خانقة حرص الرئيس اليمني على دعوة اكبر عدد من الزعماء والمسئولين العرب والاجانب للمشاركة في هذه الاحتفالات وكلف وزراءه في وقت سابق القيام بجولات شملت كل الدول العربية لتوجيه الدعوات التي عززها باتصالات مباشرة منه, ويفسر المراقبون هذا الاهتمام بالدلالة والمغزى السياسيين للذكرى العاشرة للوحدة, وان هذه الاحتفالات وهذا الحضور العربي والأجنبي سيؤكد ترسخ الوحدة اليمنية التي هددتها حرب أهلية قبل ست سنوات تخللتها محاولة انفصالية, كما سيؤكد ويجدد اعتراف الخارج بها ما يلغي أي آثار قد تكون خلفتها حرب صيف 94 في هذا الجانب. أحزاب المعارضة وتحديدا المنضوية في اطار مجلس التنسيق الأعلى للمعارضة واكبت جهود الحكومة في التحضير للاحتفالات بحملة انتقادات شديدة عبر صحفها ركزت فيها على التكاليف التي كانت خزينة البلد الفقيرة في غنى عن صرفها لمظاهر احتفالية وهي تقدر ما بين 16 و20 مليون ريال, ما يعني مضاعفة عجز الميزانية, كما تطرقت فيها ايضا الى ضعف البنى التحتية والخدماتية الامر الذي جعل الحكومة تهرع الى التجار ورجال الاعمال والمسئولين لاستئجار فللهم وقصورهم ومساكنهم بل وسياراتهم لايواء الضيوف وتأمين مواصلاتهم, كما ان اختفاء ظاهرة حمل السلاح وكذا اكوام القمامة من الاحياء والشوارع اعتبرته مؤشرا على ان الحكومة في بقية الاوقات غائبة بإرادتها وباختيارها وكأن المواطنين اليمينين لا يستحقون عناية مماثلة وحياة آدمية حسب تعبير احدى الصحف, بل ان صحف المعارضة انتقدت ايضا حملات الاعتقالات التي شملت الباعة المتجولين والمتسولين وطالبت بمعاملة انسانية لهم وبحل مشكلاتهم لا بسجنهم لاخفائهم عن الانظار, كما عبرت عن استيائها من الارباك الذي شهده العام الدراسي بسبب الاحتفالات التي تزامنت مع امتحانات نهاية العام واجبار الطلاب على المشاركة وشغلهم بها, صحيفة يمنية ساخرة نقلت ايضا شكوى من يشربون الخمر وكيف ان نقاط التفتيش حول العاصمة وفي مداخلها منعت دون تهريب الخمر الى المدينة فأصيب السوق بنقص شديد كان نكبة على (الموالعة) . أحزاب المعارضة ركزت في خطابها السياسي وبخاصة الحزب الاشتراكي على ضرورة اغتنام مناسبة الذكرى العاشرة لتحقيق الوحدة باعادة الاعتبار للوحدة ذاتها وتصحيح مسارها واجراء مصالحة وطنية شاملة والعفو عن القيادات التي كانت صانعة اساسية للوحدة والمحكوم عليها بالاعدام وتعيش في الخارج منذ العام 94 واعتبرت ذلك اجدى وأهم من المظاهر الاحتفالية التي تركز عليها السلطة والتي يبدو ان هذه الاحزاب لن تتفاعل معها بشكل رسمي وستكتفي باصدار بيانات تعلن فيها مواقفها ومطالبها. في السياق ذاته اتهم معارضون يمنيون في المنفى الحكومة بممارسة التمييز واعاقة تحقيق الوحدة الصحيحة. واكدت الجبهة الوطنية للمعارضة (موج) في بيان تسلمت وكالة (فرانس برس) نسخة منه (ان ممارسات وسياسات الوضع الحالي الخاطئة والمخلة بكل اصول وقواعد وشروط ارساء اسس دولة النظام والقانون تشكل تعطيلا لعملية توليد الشروط الحيوية بما يقضي في محصلته النهائية الى اعاقة امكانية ترسيخ الوحدة اليمنية الصحيحة كاهم واخطر نتائج هذا التعطيل) . ودعت الجبهة الحكومة الى (وضع حد للسياسات والممارسات المنتجة للفتن والفرقة والتمييز في المعاملة والحساسيات والاحقاد سواء على المستوى الشطري اوالقبلي او المناطقي او المذهبي او الحزبي) . كما دعت الى (تضميد جراح الصراعات الماضية بتصفية آثارها ووضع ضمانات وآليات وقواعد تحكيمية لمنع تكرارها) ملمحة الى محاولة الانفصال الجنوبي التي تغلب عليها الرئيس علي عبد الله صالح عام 1994. الصحف الرسمية بدورها انتقدت بشدة خطاب المعارضة واعتبرت صحيفة (26 سبتمبر) المقربة من دوائر الحكم انه (من الطبيعي ان يشعر أولئك النفر من الانفصاليين المهزومين الذين ناصبوا الوحدة العداء بالحسرة والكمد وهم يرون الابتهاج الكبير الذي يبديه ابناء الشعب. وقالت أيضا ان أية معارض في العالم مهما بلغت به درجة الفذلكة السياسية وأساليب قولبتها وإلصاق العثرات والخطايا بالآخرين فإنه أمام ما هو منطقي وعقلاني وواجب ظل ينادي بعمله الى الأمس القريب لابد انه سيبارك ذلك العمل أو يصمت اذا كان حقده يجعله عاجزا عن قول كلمة حق. وكانت الوفود الأجنبية تقاطرت على اليمن امس لمشاركتها الاحتفال بعيد الوحدة حيث اوضح مصدر جزائري ان الرئيس عبدالعزيز بوتفليقة سيشارك في الاحتفالات بالعيد العاشر لاعادة توحيد اليمن في الثاني والعشرين من الجاري. وانه توجه اليها بالفعل أمس. من جانب آخر صرحت مصادر مطلعة في الرياض بأنه من المتوقع أن تكون مسألة الخلاف الحدودي بين السعودية واليمن على رأس جدول محادثات ولي العهد السعودي الامير عبد الله بن عبد العزيز في اليمن, الذي توجه الى صنعاء بعد ظهر أمس في أول زيارة لولي عهد سعودي لصنعاء منذ أكثر من عشر سنوات. وتوقعت المصادر أن (تكون مسألة الحدود بين البلدين في صلب المحادثات السعودية اليمنية) , مشيرة إلى أن الجانبين سيحاولان (الدفع بمفاوضات الحدود .. إلى الامام والوصول بها إلى النهاية وجعلها جسور أمن وأمان وتواصل ومصالح مشتركة بين البلدين) . وسيرافق ولي العهد السعودي في زيارته لليمن وفد كبير يضم عددا من الامراء والوزراء من بينهم وزير الداخلية الامير نايف بن عبد العزيز وأمير منطقة الرياض الامير سلمان بن عبد العزيز. وكان الرئيس المصري حسني مبارك بعث برسالة تهنئة الى نظيره اليمني علي عبدالله صالح بمناسبة الاحتفالات, كما بعث السلطان قابوس بن سعيد سلطان عمان ببرقية تهنئة مماثلة. وأوفد فهد بن محمود آل سعيد نائب رئيس الوزراء لشئون مجلس الوزراء الى صنعاء للمشاركة في الاحتفالات. وأكد النائب الاول لرئيس مجلس الوزراء وزير الخارجية الكويتى الشيخ صباح الاحمد ان بلاده كانت ولاتزال بجانب اليمن. وقال ان العلاقات التى تقوم على مرتكزات ثابتة وقوية لا تؤثر عليها بعض السحب العارضة لاسيما مع وجود حرص من الجميع على الحفاظ عليها. وأضاف فى تصريح أدلى به أمس قبل مغادرته على رأس وفد رفيع المستوى الى اليمن للمشاركة ممثلا لأمير الكويت فى احتفالات الذكرى العاشرة للوحدة اليمنية ان هذه المشاركة تعتبر مرحلة جديدة من التعاون بين الكويت واليمن. من جانب آخر صرح طه ياسين رمضان نائب الرئيس العراقي بانه سيجرى خلال الزيارة محادثات مع المسئولين اليمنيين تهدف الى ايجاد سبل جديدة لتطوير العلاقات بين البلدين. وأضاف انه سيجرى لقاءات مع عدد من الوفود التى تشارك فى هذه الاحتفالات حول تطورات الموقف بين العراق ومجلس الامن الدولى ومطالبة بلاده برفع الحصار ووقف عمليات القصف الامريكى البريطانى. ويرافق رمضان فى هذه الزيارة وزير الخارجية محمد سعيد الصحاف.
