إن رأيت رجلا (اشعث) يتخبط في الشارع دون ملابس, عاريا كما خلقه ربنا .. فلا تستغرب فانه بلغة العقلاء مريض عقليا .. ولا داعي للدهشة ان شاهدت شخصا غير طبيعي مفتول العضلات (اغبر ادبر) , وهو يجوب الطرقات مقيدا بالسلاسل الحديدية, فانه بالكلمة الشائعة مجنون .. لا تستغرب ولا تندهش فانت في الشارع اليمني وفي واقع مؤلم ووضع معقد جدا وصعب, لم تقدر الدولة على معالجة العقلاء فما بالك بالمجانين وسنت القوانين والتشريعات لكافة الفئات والشرائح الاجتماعية ونسيت المرضى النفسيين. واحسرتاه على المجانين .. فلا يوجد قانون يحدد حقوق وواجبات مريض العقل ولا رعاية في حدودها الدنيا, فقد رفعت الدولة والمجتمع والاسرة, ـ المعظم ـ عنهم مظلة الرعاية والحماية .. فما هي الحكاية؟ تدخل القضاء يتذكر الناس الذين عايشوا سلطة الاحتلال البريطاني لعدن في العقدين الخامس والسادس القرن الفائت الـ (20) ان حكومة الاحتلال سنت في عام 1954م بعد عامين من انشاء (مصحة السلام) قانونا اطلق عليه (قانون تشريع الجنون) وهو يعنى بتنظيم عملية حجز مريض العقل (المجنون) وعلاجه ومتابعته ووقايته وحمايته واعادته (معافى) اذا امكن الى المجتمع. ويحكي الناس القدماء الذين مازالوا على قيد الحياة انه عند طلب حجز مريض العقل فيتم عبر (رئيس القضاء) في محكمة عدن الذي يحيل الطلب الى الطبيب المختص, ليقوم الاخير بفحص الحالة ورفع تقرير بشأنها, فان بينت نتائج الفحص ان الحالة مصابة بمرض عقلي, حينها يصدر رئيس القضاء حكمه بادخال المريض مصحة السلام اقدم المصحات في اليمن لتلقي العلاج ومتابعة حالته اولا باول من قبل الطبيب المختص ..اما بالنسبة للمرضى الذين على ذمة قضايا جنائية فيتم احالتهم لسجن عدن المركزي الواقع بمنطقة المنصورة, وحجزهم في اقسام خاصة تقع تحت مسئولية واشراف مدير وطبيب السجن. ويتلقى مريض العقل في المصحة العلاج اللازم والرعاية المطلوبة, فان هرب فيتم اشعار اقرب مركز للشرطة الذي يقوم افراده بالبحث عن الهارب والقبض عليه وارجاعه الى المصحة بموجب قانون تشريع الجنون الذي جرى ايقاف العمل به عقب استقلال الجنوب اواخر 67م. توزيع النصوص هذه العناية والرعاية القانونية والعلاجية لمرضى العقل (المجانين) والتي كانت مقتصرة على مدينة عدن, يمكن ان تكون حاليا في حكم (المشمش) . قال المستشار القانوني احمد علي الصلاحي لـ (البيان) ان الوضعية القانونية للمرضى التي كانت سائدة سابقا في عدن ـ قد اصيبت في السنوات الاخيرة, بالتدهور التام, فلم يعد هناك في الوقت الحالي قانون مستقل بشأن قبول المصابين بالامراض العقلية والتحفظ عليهم وعلاجهم وحفظ حقوقهم وغير ذلك من الجوانب اليوية. واضاف: وعلى عكس ماهو متبع في معظم بلدان العالم الغنية والفقيرة بسنها قانونا موحدا للمرضى, فان المشرع اليمني قد جزأ ووزع بعض النصوص الخاصة بالمرضى النفسيين والعقليين (المجانين) على قوانين عديدة اهمها القانون الجنائي والمدني, كما ان الغاء القانون الموحد الشطري واستبداله بنصوص موزعة في اكثر من قانون قد اربك العلاقة القانونية بين الدولة, والمريض واضر بحقوق المريض وواجبات الدولة والمجتمع والاسرة نحوه, اي ان هذا الالغاء والاستبدال قد حرم المريض من جوانب مهمة جدا كآلية ادخاله المصحات النفسية وعلاجه ورعايته وتأهيله وضمان حقوقه القانونية والتشريعية وايضا ضمان حقوقه الانسانية والمجتمعية والاسرية. سحب المرضى وبطبيعة الحال ان هذه الوضعية القانونية المتردية, تنم عن عدم الاهتمام الرسمي والأهلي للصحة النفسية .. يقول الدكتور نوشد رشاد اخصائي بمستشفى الامراض النفسية بعدن لـ (البيان) ان واقع خدمات الصحة النفسية في اليمن مؤلم وصعب جدا, فهي تأتي في ادنى سلم اهتمامات الدولة من حيث الاعتمادات المالية والتخطيط والرعاية والمباني والتأهيل والتدريب فالخدمات ان جاز التعبير المقدمة في مستشفى الامراض النفسية والعصبية بعدن (مصحة السلام سابقا) متدنية جدا جدا بالمقارنة بما هو واجب وضروري تقديمه للمرضى .. فلا توجد خطط وبرامج وزارية مباشرة وواضحة فيما يتعلق بتطوير وتحديث المستشفى, وايضا فيما يتصل بالكادر المتخصص والمؤهل, علاوة على انعدام الاجهزة والمعدات المناسبة ان لم نقل المتطورة والحديثة ... جميع هذه النواقص الهامة قد ادت بصورة مباشرة وعكسية الى تعثر العملية العلاجية المطلوبة وتردي اوضاع النزلاء النفسية والصحية, كما ادت الى فقدان اسر المرضى النزلاء الثقة بالمستشفى وهو ما اضطر اسرا عديدة الى سحب مرضاها من المستشفى وتفضيل بقائهم في المنزل او الشارع معظم الاوقات مع اشرافها المحدود وغير المباشر عليهم. احصائيات عدن ان هذه النقاط السلبية الرئيسية كما جاءت على لسان المعنيين يرافقها بالمقابل نقاط سلبية اخرى, ابرزها غياب خارطة انواع الامراض النفسية والعقلية الموجودة وعدد الحالات المصابة على مستوى القطر اليمني عموما باستثناء محافظة عدن, التي يبدو ان مكتب الصحة العامة والدوائر المعنية فيها مهتمة بالجانب الاحصائي .. وفي هذا الصدد فقد اوضحت الجداول الاحصائية شبه الدقيقة الصادرة بعدن مؤخرا ان مرض الفصام يأتي في المرتبة الاولى في قائمة الامراض النفسية والعقلية المنتشرة في المحافظة, حيث ان عدد حالات الفصام المسجلة رسميا بلغ في الآونة الاخيرة 1697 حالة, الذكور 1277 والاناث 420 حالة, فيما يأتي الاكتئاب في المرتبة الثانية 943, نصيب الاناث 521 حالة والذكور 413, يلي ذلك حالات الهيستيريا والقلق والصرع والتخلف العقلي والذهان والوجداني والذهان العضوي.