حقائق وأسرار وراء الدعم الأمريكي لسياسة الهند النووية ، واشنطن تقدم المفاعلات والوقود والتدريب لنيودلهي وتتعامى عن المخاطر من كل ما كشف عنه الستار وما يذكره مؤلف كتابنا جورج بيركوفيتش, يتضح انه منذ البداية ذاتها تحدد للمفاعلات والتسهيلات النووية الهندية والخبراء الهنود الذين أنشأوا المؤسسات النووية في الهند, هدفان مزدوجان هما هدف عسكري, وآخر مدني, ولذلك كان هناك نوع من الخداع التقني في إصرار الهند على ان برنامجها النووي مخصص للأغراض السلمية. ويقول بيركوفيتش ان النوايا هي التي تحدد استعمال الوسائل. ومن هنا فإن جواهر لال نهرو ـ على مستوى النوايا ـ لم يستبعد الاستخدام العسكري للبرنامج. وعلى عكس معظم المؤرخين الخارجيين والفهم التقليدي, فإن مؤسسي المؤسسة النووية الهندية, أدركوا خيارات الأبعاد العسكرية لها, ورحبوا بها منذ البداية على الرغم من آمال نهرو في ان تقوم الهند بمهمة سلمية محضة. ومع ذلك, فقد كانت السياسة الأمريكية في أواخر الخمسينيات وأوائل الستينيات وراء زيادة قدرة الهند على امتلاك الأسلحة النووية, وعلى الرغم من ان الخبراء الأمريكيين كانوا يدركون قدرة الهند على تحويل برنامجها النووي الى الاستخدامات العسكرية, فإن عدم الانتشار النووي كان يمثل اعتبارا ثانويا بالنسبة لكسب (أسواق) الصناعة النووية واحتواء النفوذ الشيوعي في جنوب آسيا. والحقيقة ان بعض المسئولين الأمريكيين كان يؤمن بأن على الولايات المتحدة ان تنظر بعين الاعتبار إلى مساعدة الهند على تطوير تفجيراتها النووية من أجل افساد المكاسب السياسية والنفسية التي كانت الصين تتوقع ان تجنيها من تفجيرها المتوقع للقنبلة النووية. ايزنهاور وباكستان لم يكن الرئيس الأمريكي ايزنهاور مقتنعا على الاطلاق بالحكمة من وراء التحالف العسكري الأمريكي مع باكستان, وكان يرى انه أضر بالعلاقات الأمريكية مع الهند, وفي عام 1957 قرر اعادة تقويم السياسة تجاه جنوب آسيا بحيث وقف وراء الهند بشكل سافر, وفي 10 يناير 1957 أصدر مجلس الأمن القومي وثيقته رقم 5701 بشأن السياسة الجديدة, واعتبر المجلس في وثيقته أن الهند في حد ذاتها مهمة جدا بالنسبة للسياسة الأمريكية, وزاد من تلك الأهمية صراع الحرب الباردة مع الصين والاتحاد السوفييتي, وعرضت ادارة ايزنهاور زيادة المعونة العسكرية على أساس مشتريات الهند من المبيعات والخدمات العسكرية منذ عام 1951 والتي بلغت 38 مليون دولار, وكانت هناك أيضا توصية بزيادة حجم التبادل التجاري والتبادل الثقافي. مواقف متناقضة ولعلك عزيزي القارئ تكتشف سريعا انه لا مكان للنوايا الحسنة أو الاعتبارات الأخلاقية أو الانسانية في عالم السياسة ولعبة مصالح القوى الكبرى, ففي الوقت نفسه الذي كانت أمريكا تضغط فيه على غيرها من الدول من أجل منع الانتشار النووي أو وقف التجارب النووية, إلى آخر هذه السلسلة من مسميات الاتفاقيات, كانت واشنطن تدعم دولا معينة في سعيها للحصول على القدرة النووية العسكرية وعلى رأسها بالطبع دولة الكيان الصهيوني. وتأمل عزيزي القارئ ماذكره مؤلف الكتاب في حديثه عن التحول في موقف ايزنهاور من الهند, إذ يقول ان المسئولين الأمريكين في ادارته (كانوا يشجعون الهند بحرارة على الاهتمام بعروض الولايات المتحدة الخاصة بالمساعدات المتبادلة في حقل المفاعلات النووية, بل وكان هؤلاء المسئولين يؤكدون على قرار الولايات المتحدة بالتجاوز عن سرية معلومات مهمة عن مفاعلات الطاقة, كما تعهدوا أيضا بتقديم برامج التدريب للمتخصصين الهنود في الطاقة النووية. ويضيف جورج بيركوفيتش في كتابه تلك العبارة الدالة والكاشفة, إذ يقول بهذه المناسبة: (هذه المقترحات لزيادة البرنامج النووي الهندي كانت متزامنة فعليا مع الجدل القائم حول نظم الرقابة في الوكالة الدولية للطاقة النووية, والذي شهد الولايات المتحدة وهي تقبل مطالب الهند بتخفيف الرقابة عليها) . وفي عام 1957 زادت الولايات المتحدة مساعداتها للهند إلى 225 مليون دولار ثم أضيف إليها مبلغ 350 مليون دولار من البنك الدولي, وتزايدت المعونات حتى ارتفعت من نحو 400 مليون دولار عام 1957 إلى 822 مليون دولار عام 1960 مما جعل الولايات المتحدة أكبر المساهمين الخارجيين في تقديم المعونة للهند. وعلى الرغم من التوترات التي نشأت بسبب قضايا مثل الرقابة على الأسلحة النووية, أعلنت الهند في بدايات عام 1961 عن اهتمامها بالحصول على عقود أجنبية لبناء منشآتها الأولى للطاقة النووية (وكانت مفاعلاتها للبحوث تعمل بالفعل), وقام فريق أمريكي بزيارة الهند في المدة من 29 فبراير إلى 18 مارس 1960 لتقويم الرغبة الهندية وجدوى امداد البرنامج النووي الهندي بالتكنولوجيا الأمريكية وخلال التوجه نحو انجاز عقد في في عام 1963 تقوم أمريكا بمقتضاه ببناء مفاعلين للطاقة في تارابور يعملان بالماء الخفيف, كان المسئولون الأمريكيون يعرفون بشكل عام ان البرنامج النووي الهندي يملك القدرة على انتاج الأسلحة النووية, وكان مصنع معالجة البلوتونيوم في ترومبي ـ الذي بدأ انشاؤه في ابريل 1961 ـ يمثل المنشأة الاساسية المطلوبة للقنبلة الهندية, ومرة أخرى كانت قضية الانتشار النووي تحتل مكانا ثانويا في السياسة الأمريكية, بهذا الشأن خلال أواسط الخمسينيات وحتى أوائل الستينيات. وثيقة سرية ومن خلال الوثائق التي يشير إليها الكتاب الذي نناقشه يبرز دليل وصفه الكاتب بأنه (دراماتيكي) على ان الولايات المتحدة أغمضت عينيها عن مسألة الانتشار النووي في تعاملها مع القدرات النووية الهندية العسكرية. وقد أفرجت الحكومة الامريكية عن وثيقة سرية للغاية وهي عبارة عن مذكرة موجهة من جورج ماكجي المسئول الأمريكي في وزارة الخارجية إلى دين راسك وزير الخارجية آنذاك. وتشير المذكرة إلى ان المسئولين في الوزارة يفكرون بجدية في مساعدة الهند على اقتناء (متفجرة نووية) وبدأت المذكرة في سرد تقديرات المخابرات التي تفيد ان الصين تستطيع تفجير قنبلة نووية في وقت مبكر من عام 1962 ومثل هذا العرض لقوة الصين النووية يساهم في اذكاء الشعور بأن (الشيوعية هي موجة المستقبل وان الصين الشيوعية أصبحت ـ أو ستصبح قريبا ـ قوة لا تقاوم) . ولتجنب هذا المكسب الصيني أشارت المذكرة الى انه قد يكون (من المرغوب فيه قيام قوة آسيوية صديقة بتوجيه لطمة للصين بأن تسبقها إلى اجراء تفجير قنبلة نووية أولا, وليس هناك مرشح أكثر احتمالا من الهند) وقدرت المذكرة ان الهند تستطيع خلال شهور ليست بالكثيرة امتلاك المادة الانشطارية اللازمة لتفجير نووي, واقترحت المذكرة ان تقوم الولايات المتحدة باستكشاف امكانية نجاح المساعدة التقنية الأمريكية في حث الهند على القيام به قبل الصين. وعلى الرغم مما انتاب العلاقات الهندية ـ الأمريكية من توترات أواخر عام 1962 وأوائل عام 1963 وخاصة بعد قيام الهند بالاستيلاء على جوا التي كان البرتغاليون يستعمرونها, وبعد ان وافق نهرو على شراء صفقة مقاتلات ميج 21 من الاتحاد السوفييتي, رغم تلك التقلبات في العلاقات, كان الأمريكيون والهنود في سبيلهم إلى ختام مفاوضاتهم التي كانت قد بدأت عام 61 بشأن امداد امريكا للهند بأول مفاعلات للطاقة النووية في تارابور بالقرب من بومباي. وقد جرى تقسيم تلك المفاوضات إلى مراحل لاعطاء الانطباع بأنه لا الولايات المتحدة ولا الهند تسعى إلى بناء مفاعلات بقوة 200 ميجاوات لأسباب أبعد مدى تتعلق بالأمن والسياسة الخارجية, وكانت أكثر النقاط اثارة للجدل مسألة اجراءات الوقاية, وكان العالم النووي بهابا يصر دائما على ان تلك الاجراءات تعتبر انتهاكا للسيادة الهندية بينما كان المفاوضون الأمريكيون يريدون انجاز الصفقة لكنهم كانوا مقيدين بالالتزام الأمريكي بنظام الوكالة الدولية للطاقة النووية بشأن تطبيق اجراءات الوكالة الحمائية على أول اتفاقية مع دولة تتلقى معونة تقنية نووية. الحل الوسط الذكي ومع ذلك يكشف الكتاب عن صفقة الحل الوسط الذي توصل إليه المتفاوضون الأمريكيون والهنود, وهو حل ذكي لم يكن له أثر يذكر على مستقبل البرنامج النووي الهندي, وتبدو الخدعة واضحة من نصوص الاتفاق الذي تم التوصل إليه, وبموجبه وافقت الهند على ان تستخدم وقود اليورانيوم المخصب الذي تقدمه لها الولايات المتحدة في المفاعلين فقط, وعلى ان تسمح للوكالة الدولية للطاقة النووية ـ للمرة الأولى في العالم ـ بالتحقق من ان هذا الوقود يستخدم فقط لأغراض سلمية. وقضت الاتفاقية أيضا بضرورة الحصول على موافقة أمريكا على أي عملية لاعادة معالجة الوقود المستخدم من أجل الحصول على البلوتونيوم, ونظرة سريعة على ما تحقق من مكاسب للطرفين تؤكد رأينا الذي خرجنا به من كتاب بيركوفيتش بشأن ذلك الاتفاق وقد تمثل أكبر المكاسب الأمريكية في قبول اجراءات الوقاية الخاصة بالوكالة الدولية للطاقة النووية بينما فازت الهند باقتصار تلك الاجراءات على منشآت تارابو وحدها مقابل الوقود المقدم لها من الولايات المتحدة, لا مقابل الوقود الذي ينتجه المفاعل, وقد سمح هذا للهند ان تتصرف كما تريد بالنسبة للوقود الناتج من المفاعل والذي لا يعتبر من الامدادات الأمريكية. وقد نالت (صفقة تارابور) كثيرا من الانتقادات داخل كل من الهند والولايات المتحدة, وتفيد النظرة العامة على العلاقات الأمريكية ـ الهندية خلال عام 1963 ان صناع السياسة الأمريكية آنذاك كانوا واقعين تحت ضغط التناقض بين موجبات الحرب الباردة والنزاع المحلي بين الهند وباكستان, وقد ركزت أمريكا جهودها على التحركات الصينية والسوفييتية, واعتبرت ان الهند وباكستان بيدقان في تلك اللعبة الأكبر. والمثير للاهتمام ان المعونة النووية الأمريكية للهند اتخذت مسارا مستقلا بثبات نحو التقدم للأمام إذ ان اعتبارات الحرب الباردة والرغبة في ترويج نصيب أمريكا في صناعة نووية متنامية, تغلبت على التحفظات التي أحاطت بأشكال المعونات الأخرى, وعندما أصبح منع الانتشار النووي هدفا ثابتا للسياسة الأمريكية في أواخر السبعينيات وما بعدها, أخذ المعلقون يحطون من قدر المساعدة النووية المبكرة للهند التي ثبت انها كانت حيوية في التطوير الشامل للمؤسسة النووية الهندية, وكان مجتمع المخابرات وغيرها يدركون القدرة على انتاج الأسلحة النووية التي طورتها الهند, ولكنهم فضلوا ان يعربوا عن أملهم فيما هو أفضل بدلا من اتخاذ اجراءات حاسمة لاعاقة تلك القدرة. وبشكل عام أظهرت العلاقات الهندية الخارجية في الفترة الممتدة من عام 1948 حتى عام 1963 ان الدكتور بهابا كان يعمل عامدا على تطوير قدرات انتاج الأسلحة النووية قبل نشوء التهديد النووي الصيني, وان اعتبارات الأمن الدولي لعبت دوراً ضئيلا في تشكيل السياسة النووية الهندية, وكانت الدوافع وراء خطط الهند الأولية لامتلاك وسائل انتاج المتفجرات النووية, ذات صلة وثيقة بما يعتقده نهرو وبهابا من ان التقنية النووية توفر للهند طريقا مختصرا نحو الحداثة ومكانة القوة العظمى, وان الهند تستطيع تجاوز ماضيها الاستعماري بامتلاك ناصية العلوم والتقنية النووية, وامتلاك القدرة ـ من الناحية العملية ـ على صناعة أسلحة نووية.