تتجه الانظار الى الخرطوم منذ ما اصطلح على تسميته انقلاب (القصر) على (المنشية) الذي اطاح فيه الرئيس السوداني عمر البشير بحليفه الدكتور حسن الترابي. ينتظر الناس نتائج ما يمكن ان يسفر عنه هذا الصراع في قمة الحزب الحاكم في السودان (المؤتمر الوطني) . (البيان) التقت الرجل الذي يقال عنه انه (عقل النظام) في السودان د. غازي صلاح الدين عتباني وكان الحوار معه حول ما تشهده الساحة السودانية من تطورات. * هل سيشجع الخلاف بين الترابي والبشير المعارضة على المصالحة مع الحكومة؟ وهل ستدفع قرارات الرئيس البشير الاخيرة باتجاه الوفاق؟ ـ نحن نتمسك بالمؤتمر الوطني, باعتبار انه يمثل تراثاً لما جاءت به الانقاذ قبل عشر سنوات ولا يمكن ان نتخلى عن هذا التراث, ولكن القرارات التي صدرت اخيراً كانت مصوبة نحو معالجة العلاقات القيادية داخل الحركة السياسية الحاكمة, من خلال منع الازدواجية التي كانت قائمة, والتي كانت تؤثر كثيراً على قرارات التنظيم السياسي, كما تؤثر على قرارات الحكومة.. نحن ملتزمون بكل العهود والاتفاقات السابقة مع القوى التي جاءت من الخارج, والتي كانت في المعارضة والآن اصبحت تشارك في مسيرة الحوار الوطني, وسنقوي من اجراءات الحوار السياسي وصولاً الى صيغة مشتركة. * الملاحظ, ان الذي يتحكم بالسودان سياسة الفعل ورد الفعل, ولا سيما قال الدكتور الترابي, في ظل غياب الوضوح والشفافية من قبلكم كحكومة, اي اجراءات واضحة ترون لحل هذا الموضوع؟ ـ كان هناك اجراء في قرارات الرابع من رمضان, قبل حوالي ستة اشهر, هدف الى تحرير الحكومة في قرارها وادائها, وكان هذا قراراً ناجحاً وصائباً ودفع بالحكومة اشواطاً الى الامام في سبيل تعزيز علاقاتها الخارجية, وخصوصاً مع الدول العربية وآخرها الشقيقة تونس. اما القرار الذي صدر اخيراً نحن نتوقع ان يهيئ المناخ لأداء افضل على الساحة السياسية ولمقدرة اكبر من طرف الحكومة للوفاء بالتزاماتها ايضاً, اذاً ليس صحيح انه لم تحدث تطورات مهمة, فهذه التطورات بحد ذاتها مهمة جداً وهي تطورات تحضيرية ضرورية جداً لتقوية المسار السياسي في السودان. * صورة التمزق الداخلي, التي تظهر يومياً عبر الصحف السودانية, وعبر الاجراءات, الا تنعكس سلباً على جهود المصالحة سواء مع الداخلية او مع المعارضة؟ ـ ابداً, اولاً مناخ الحريات لم يمس مطلقاً والدليل هو ان كل الاطراف تتحدث كما اتحدث معك الآن, ويمكنك ان تتصل وتقابل بأي طرف آخر معارض, أو داخل المؤتمر الوطني, معارض لهذه القرارات تحديداً, ويمكن ان يتحدثوا, فهناك اكثر من ثلاث عشرة صحيفة كلها تصدر, وما حصل اخيراً انه تم سحب اعداد ثلاث صحف موالية للدكتور الترابي, في اليوم نفسه وليوم واحد, ولكن لم يصادر حق الصحف بالصدور, وكانت هذه اول مرة نتخذ فيها هكذا اجراء منذ اعلان حالة الطوارئ. كما تعلم في كل الدساتير, انه في حالة الطوارئ تعلق بعض الحريات المحدودة, التي يمكن ان تمس السلام العام والأمن العام, ونحن بقينا على مدى ستة اشهر نقاوم اي محاولة للمساس بهذه الحريات لكن الآن لدينا وضع متوتر الى حد كبير, لذلك نحن تحدثنا مع رؤساء تحرير الصحف وقلنا لهم ينبغي ان نتجنب اثارة الشائعات. هذه الصحف تحدثت عن عنف ومحاولات لاعتقال الترابي, وهذا ليس صحيحاً, وكادت ان تؤدي هذه الكتابات الى شكل من أشكال العنف لذلك سحبت الاعداد, من دون مصادرة اي رأي او تحليل سياسي لا ايقاف للصحف, ونحن ماضون في الحوار مع المعارضة وسترون في الايام المقبلة تطورات في هذا الاتجاه. * ماذا تخشون, هل تخشون بياناً نشرته او ستنشره الصحف؟ ـ (مقاطعاً) لا, لا نخشى من بيان او من رأي لا نخشى من حقيقة مطلقاً. كما ذكرت لك ان هذه المسائل تضخم خارج السودان, وفي الاعلام الغربي هناك يوميات تصدر وجميعها تتحدث عن هذه القضية ارجو ألا يتحول هذا الموضوع الى موضوع اثارة تحدثت الصحف بغير حق, عن ان هناك نية لاعتقال الترابي وهذا لم يكن صحيحاً هذا النوع من الكتابات يمكن ان يستثير قطاعات من الشارع السوداني ويقوده الى أعمال عنف, لذلك عندما خرجت هذه الصحف على هذه الناحية, المشروعة جداً في الاحوال الطبيعية سحبت الاعداد ولم نوقف اي صحيفة وجميعها لا تزال تصدر. * اتهمتم الدكتور الترابي, بتدبير انقلاب وتم فصل تسعين ضابطاً من القوات المسلحة السودانية, هل يمكن ان تصلوا الى حد اعتقال الدكتور الترابي؟ ـ هذا ليس صحيحاً, لم يفصل اي ضابط من القوات المسلحة ولم يتهم الترابي مباشرة بأنه يحاول ان يقوم بانقلاب, ولا توجد اي نية لاعتقال الترابي, وليس عندنا اي نية لمنعه من الممارسة السياسية وهو الآن ويومياً يتحدث الى الصحف المحلية والاجنبية ويهاجم الحكومة, ويتحدث الى القنوات الفضائية العربية وغير العربية والاذاعات ويعبر عن رأيه بكامل الحرية, لا يوجد اي نية لاعتقاله. * كيف تزاوج بين قانون الطوارئ والحريات التي تدعو الى صيانتها وهل برأيك في ظل هكذا قانون تكون الحريات مؤمنة؟ ـ باب الطوارئ في اي دستور موجود, في الولايات المتحدة الامريكية, في اليابان, يتم اللجوء اليه في ظل ظروف معينة, تعلق فيها بعض الحريات المنصوص عليها في الدستور. نحن لا نريد ان نخلق من هذا موضوع جدلاً, اكرر لم نستخدم قانون الطوارئ الا مرة واحدة في الستة اشهر, ولأسباب واضحة. * ولكن لماذا لا يتم اخذ الدستور من النواحي الايجابية, ودوماً نتطلع الى السيء, على كل برأيكم هل الشعب قادر على التعبير عن رأيه في ظل هذه الاجراءات. ـ نعم, بالتأكيد, لقد قلت لك الآن ونحن نجري هذا الحديث, الدكتور الترابي يتحدث عبر الفضائيات ومجرد ان تقرأ الصحافة السودانية تستطيع ان تلمس ان حرية الرأي مكفولة وموجودة, المعيار الذي كتبت فيه الصحف كان معياراً للمحافظة على الاستقرار وليس بنية مصادرة الرأي. * ألا ترى ان صورة التأزم الداخلي في السودان قد تنعكس على صورة التطبيع مع الدول العربية والصديقة وقد يطيح المبادرات لحل الأزمة في السودان؟ ـ نحن نعتقد ان هذه الاجراءات ستهيئ مناخاً افضل مع القوى السياسية ونحن سنعبر عن ذلك في الايام المقبلة بصورة قوية, بمعنى انه يمكن ان تتكرر حالة حزب الامة. * على مستوى مجموعة العمل المحيطة بالرئيس البشير هناك محوران, محور الوزير غازي صلاح الدين العتباني الذي يدعو الى المصالحة مع المعارضة وتحديداً حزب الامة والمحور الآخر, هو محور الوزير علي عثمان الذي يدعو الى ترتيب البيت الداخلي اولاً ومن ثم الانصراف الى الامور الاخرى هل يمكن ان نرى انشقاقاً في المستقبل؟ ـ (ضاحكاً) : هذا التصنيف تصنيف صحافي, وبوادر الانشقاق ليست موجودة, الارادة نحو التصالح مع الآخرين ونحو الوفاق ارادة متحدة وأؤكد لك ان هذا ليس وارداً. * ماذا عن امكان انعكاس الوضع الداخلي على سير العمليات الحزبية في جنوب وشرق السودان؟ ـ نتصور ان يؤدي هذا الى تقليل الاحتكاكات العسكرية لأن مؤداها في النهاية الحد من قدرة الحكومة على التحرك خارجياً ولكن نحن نرى ان الاحتكاكات ستتراجع, وبالتالي هذا سينعكس ايجابياً على الساحة السياسية. سؤال أخير: جئتم كثورة انقاذ هل هذا الشعار لا يزال قائماً, ومن ستنقذون؟ ـ طبعاً التعبير لا يزال موجوداً وشائعاً ولكن اقول لك اننا تطورنا, اي تجربة سياسية تتطور من مرحلة الى مرحلة, ولا نستخدم هذا التعبير الآن لتذكير الناس بجملة المبادئ التي جاءت من اجلها الانقاذ.. ولكن بالطبع الآن السودان ليس في حاجة الى انقاذ اي لا نحتفظ ببعض التعابير الساذجة يمكن ان تتفرع من هذا المعنى الذي اشرت اليه, نحن انتقلنا بالسودان عبر عشر سنوات مع مشروع تنمية اجتماعية واقتصادية كبرى والآن نستقبل مرحلة جديدة ندخلها في مفردات خاصة بها ومصطلحات تابعة لها. باريس ـ حوار طوني شامية