معركة العدوان الثلاثي عام ,1956 معركة بناء السد العالي, قرارات يوليو الاشتراكية, وغيرها وغيرها, ولأن ما بداخلي كان كثيرا من الذكريات حول ما فعله الاستعمار الانجليزي في مصر, وكذلك فساد حكم الملك, كنت أستدعي هذه الذكريات وأحولها الى أشعار يتغنى بها عبدالحليم الذي كان ابنا مخلصا للثورة ولعبدالناصر في كل المعارك, أذكر مثلا في أغنية ذكريات لعبدالحليم أن جميع مقاطعها كانت تحمل قصة حقيقية شاهدتها بنفسي, يقول هذا المطلع كان يعني عندي عودة الى حكايات وأنا شاب قبل الثورة, كنت أقيم في مصر الجديدة في عمارة من 16 شقة سكنية. كان يسكن فيها ثلاث أو أربع أسر فقط والباقي من الأجانب, وما أقصده بتعبير رجعتني الذكريات كما في الأغنية, كان هو ذكريات هذه العمارة, أما مقطع: (كان زمان بيت في شارع فردناد) وأقصد به شارع فردناد ديليسبس وكان هو آخر حدود مصر الجديدة, ثم يأتي المقطع الثالث: (والجيران من كل جانب كانوا أكثرهم أجانب, انجليز حالهم يغيظ . وكنت حاسس أنا وأهلي الأجانب) . كل هذه المقاطع كانت تصويرا صادقا للوضع الذي كان يهيمن الانجليز فيه على كل شئ, بدءا من السكن, مرورا بأسماء الشوارع الأجنبية, انتهاء بأن القرار السياسي هو قرارهم. انتقلت بعد ذلك في الأغنية الى سرد بعض القصص الواقعية التي أصور من خلالها كيف كان الأمر: (طايرتنا, وطايرتهم فاتت النسمة, كلتهم شبكتهم وقعتهم الولاد الخواجات بالضرب هات فينا ضربناهم, برجلينا وايدينا والتقينا البوليس, جرجرونا ورحنا الخواجة اللي في القسم, والشويش انجليزي احنا في بلدنا بنتحكم بانجليز الانجليزي وشه أحمر, قال لنا: How Dear you تعرفوا دول مين دول حماية كان هذا المقطع تصويرا حقيقيا لمرحلة طفولتنا, حين كنا نلعب لعبة الطائرة الورقية, حيث دخلنا مرة في سباق مع الأطفال الانجليز, وباقي القصة هو بالضبط كما جاء في الأغنية. وانتقل في الأغنية الى القصة الثانية: (أنا شفت العلم البريطاني, بيدنس نسمة أوطاني, منظر حسرني وبكاني, خلاني كرهت أشوف تاني ازي أوطاني الجبارة, محكومة بقصر وصفارة. كنت أصور بهذا ما أراه يوميا في معسكر القوات الانجليزية في منطقة الدوبارة بجاردن سيتي ومكانه الآن السفارة الانجليزية, كنت كلما أشاهد العلم الانجليزي يرفرف في هذا المعسكر, أشعر بغضب شديد لأنه كان رمزا للاستعمار الجاثم الذي يرفض الخروج. كانت كل هذه الصورة الشعرية وما تحمله من تعبيرات غريبة هي في الحقيقة حكايات رأيتها, ولما جاءت الثورة كحدث وطني فريد في تاريخ مصر والمنطقة العربية, استدعيت كل هذه الحكايات لأضعها في قالب شعري سردي قدمه عبدالحليم حافظ, وتغنت به الجماهير لأن كل واحد منها عاش ما عشته ولكن بطريقته الخاصة, الفلاح تحت نار الاقطاعي, والعامل تحت رحمة الرأسمالي, والجندي في الجيش لايستطيع الدفاع عن أي شيء, والكل محكوم بسرايا فاسدة وملك ينتظر أوامر الانجليز, وكلمة السفير البريطاني في القاهرة. كانت هذه الأغنية نموذجا لتفاعلي مع الحدث الوطني, وأذكر أن أول نشيد قدمته في هذا السياق, كان نشيدا جماعيا اشترك في غنائه عدد من المطربين كان اسمه) قولو لمصر تغني معايا في عيد تحريرها, وغنى فيه عبدالوهاب وعبدالعزيز محمود ومحمد عبدالمطلب وشادية, وفايدة كامل. وكان هذا النشيد نقلة نوعية جديدة لأنه كان غير القالب الغنائي القديم, حيث بدأ في الامساك بالأحداث الوطنية . من باندونج صارحنا الدنيا بصوت جبار مش للشرق ومش للغرب لكن أحرار جهادنا جهاد عرب وحياد من مراكش الى بغداد قولوا لمصر وغنوا معايا كان هذا النوع من الغناء الذي يعتمد على الامساك بالحدث وسرد القصص. هو نوع جديد يمكن اعتباره تيارا جديدا, نقل الأغنية الى اتجاه جديد تماما, فعلت هذا في ذكريات وفعلته في (وطني الأكبر) .. وأذكر أن (وطني الأكبر) كما كان يتم تقديمه كلما كان يحمل حدثا جديدا, الى درجة أن هذا النشيد في كل مرات تقديمه على مدار سنوات الثورة حمل أكثر من 500 حدث سياسي, واذا قدر لأحد أن يستمع اليه مرتين في التسجيلات, فسوف يجد أن هناك مقاطع مختلفة في كل تسجيل, وكان هذا يتم طبقا لميلاد الحدث, بمعنى اضافة هذا الحدث في أبيات شعرية للنشيد قبل تقديمه في الحفلة المقررة وأذكر مثلا أن مقطع (من باندونج) الذي تحدثت عنه من قبل قدمناه ذات مرة في (وطني الأكبر) وحين استمع عبدالناصر لهذا المقطع قال لأحمد سعيد: المستمعون لما يسمعوا دي هيقولوا الكلام ده مؤامرة من مؤامرات صوت العرب. قدمنا وطني الأكبر كما قلت في كثير من الحفلات في سوريا ومصر, وكما قلت كان الحدث السياسي الجديد يجعلني أكتبه شعريا وأدخله الى النشيد وقت غنائه, وأذكر أنني وفي دمشق في إحدى الحفلات في أعياد الوحدة, وكان معي المذيع الراحل جلال معوض وتزامن هذا مع هجوم شديد من نوري السعيد في العراق ضد مصر, وصل الى حد التهديد بأنه سيفعل كذا وكذا في مصر, كنا جميعا في المسرح استعدادا للاحتفال وننتظر قدوم عبدالناصر, وبينما كان هو في الطريق أعطته أجهزة المخابرات برقية تنقل هجوم نوري السعيد عبر الاذاعة والذي وصل الى حد التطاول على عبدالناصر شخصيا, وفور دخول عبدالناصر الى الاحتفال لم يذهب الى المقصورة المخصصة له ولكبار الضيوف, وإنما صعد الى المسرح مباشرة, وأمسك بالميكروفون ليلقي كلمة على الهواء مباشرة في مقابل الكلمة التي ألقاها نوري السعيد, قال عبدالناصر: وأنا في الطريق الآن اليكم أعطوني تلخيص خطبة نوري السعيد التي ألقاها في الاذاعة وهاجم فيها الوحدة بين مصر وسوريا, وأقول لاتعليق عندي على هذا, ولكن سأترك نوري السعيد لشعب العراق هو الذي يؤدبه ويحاكمه على ما قاله وبعد عشرة أو خمسة عشر يوما على ما أذكر سجل الشعب العراقي نوري السعيد في شوارع بغداد, أما الكلمات التي قالها عبدالناصر, فعلى الفور كتبتها. وأخذها عبدالحليم مني قبل صعوده على المسرح, وغناها في وطني الأكبر, وكانت مفاجأة كبيرة لكل الجماهير, فالكلمات التي قالها عبدالناصر منذ دقائق تحولت الى كلمات مباشرة في أغنية. يرويها: الشاعر الغنائي أحمد شفيق كامل