يجمع العديد من فقهاء القانون الدولي على ان محاكمة مجرمي الحرب تتم وفقا لاعتبارات سياسية تأخذ في الاعتبار مصالح الدول الكبرى فمنذ المحاكمات التي اجرتها القوى المنتصرة في الحرب العالمية الثانية لكبار المسئولين في النظام النازي الالماني امام محكمة (نورنبرغ) في مايو 1945 بتهمة الاجرام بحق السلام والانسانية, لم تجر أية محاكمات اخرى لانظمة ديكتاتورية او استعمارية استيطانية, اللهم الا في العام الماضي حينما اصرت الولايات المتحدة الامريكية على محاكمة بعض المجرمين الصرب واليوغسلاف الذين ارتكبوا جرائم ابادة عرقية ضد البوسنيين والكوسوفيين, بهدف كسر شوكة الصرب في اوروبا وتدجين يوغسلافيا ولجم قوتها العسكرية المتصاعدة في وسط القارة. فإسرائيل التي ارتكبت جرائم حرب بشعة لم تجر محاكمة قادتها العسكريين الذين تأكد ارتكابهم للجرائم الدموية ضد شعب فلسطين وضد الوسطاء والمبعوثين الدوليين الى فلسطين منذ نشوب الصراع الحقيقي ايام ثورة 1936 الكبرى. ويفسر المستشار هشام سعيد السراج, وهو خبير في القانون الدولي ورئيس محكمة سابق في ابوظبي, هذا الموقف بأنه يمثل ازدواجية الدول الكبرى في التعامل مع جرائم الحرب ومرتكبيها, فالولايات المتحدة الامريكية ومن حولها جميع الدول العظمى تتعامل مع اسرائيل من منظور المصالح الاقتصادية والمالية مع القوى اليهودية المسيطرة على الرأسمال العالمي ولذلك فإنها لم تتجرأ في اي يوم من الايام على طرح مسألة محاكمة مجرمي الحرب الاسرائيليين على الرغم من توفر كافة الدلائل التي تدين العسكريين الاسرائيليين في جرائمهم ضد الانسانية. ان كل قادة اسرائيل تقريبا ارتكبوا جرائم حرب ضد العرب. فمنذ قيام مناحيم بيجن بتفجير فندق الملك داود في القدس وقيام شامير بقيادة عصابات الهاجاناه التي قتلت ودمرت القرى فوق رؤوس الفلسطينيين في الثلاثينيات والاربعينيات من القرن العشرين توفرت لدى القوى الكبرى عشرات بل مئات الادلة الكافية على تجريم قادة اسرائيل. فمذبحة دير ياسين وتل السلطان ومذبحة المركز والقلعة في خان يونس عام 1956 ومذبحة بحر البقر في السويس (مصر) وغيرها من المذابح الدامية في لبنان منذ عام 1983 وآخرها مذبحة قانا في الجنوب اللبناني عام 1996, لم تجرؤ الامم المتحدة بضغط من الولايات المتحدة الامريكية على محاكمة مرتكبي هذه الجرائم من جنرالات اسرائيل ولم تطالب بتشكيل محاكمات لهم امام محكمة العدل الدولية في لاهاي على غرار محاكمات القتلة الصرب خوفا من اغضاب الولايات المتحدة الامريكية, بل دائما تقيد عمليات القتل ضد مجهول, تواسي الضحايا وعائلاتهم وحكوماتهم بإرسال برقيات العزاء وبيانات المواساة والتعاطف اللامحدود, دون ان تتجرأ على ذكر اسم القاتل. ونذكر على سبيل المثال لا الحصر ان الامين العام السابق للامم المتحدة بطرس غالي تعرض لضغوط امريكية لاقصائه من منصبه لمجرد انه حمل اسرائيل مسئولية ارتكاب مجزرة (قانا) في لبنان والتي راح ضحيتها اكثر من مئة مدني من الابرياء وهذا بحد ذاته دليل صارخ على فظاعة سياسية ازدواجية المواقف التي تتبعها الولايات المتحدة الامريكية ازاء جرائم الحرب, وهذه الازدواجية هي بمثابة ضوء اخضر امام اسرائىل لمواصلة فرض سياستها التوسعية الاستيطانية فوق الارض العربية بقوة البطش والارهاب والسلاح المحرم دوليا. جريمة الاحتلال لقد عرف القانون الدولي الاحتلال والاستعمار بأنه من جرائم الحرب ولذلك فإن خبراء القانون الدولي وضعوا تشريعات تكفل حماية المدنيين في ظروف الحرب او تحت الاحتلال ولا نذكر على مدى الـ 52 عاما الماضية على قيام دولة اسرائيل فوق ارض فلسطين العربية بالقوة المسلحة, انه تمت مساءلة اسرائيل او محاسبتها على الجرائم البشعة التي ارتكبتها ضد المدنيين, مثل القتل او الطرد بالقوة ونزع الملكية وتغيير المعالم الجغرافية او الديموغرافية للمدن المحتلة او المساس بحرية المواطنين في التنقل والسفر او ضمان حرية اماكن العبادة المقدسة في فلسطين. وهذا الامر بحد ذاته استثناء صارخ لاسرائىل وجرائمها من المحاكمات الدولية. تجاهل القرارات الدولية وجرائم الحرب: يؤكد المستشار السراج بأن تجاهل قرارات الشرعية الدولية هو عمل من اعمال جرائم الحرب, لأن هذه القرارات تصدر عن اعلى هيئة دولية مختصة بصيانة الامن والسلام الدوليين بالإجماع, والخروج عليها او تجاهل عدم تطبيقها يفرض على الامم المتحدة التدخل لمحاكمة المجرمين مهما علا شأنهم السياسي او العسكري لضمان سيادة القانون الدولي. هذا الامر لم ينطبق البتة على اسرائىل وكأنها دولة فوق القانون مع انها كيان غير شرعي قام بقوة القتل والاغتصاب للارض وطرد وتشريد السكان بواسطة العنيف والارهاب والدماء. فمنذ العام 1947 اصدرت الجمعية العامة للامم المتحدة ومجلس الامن الدولي 23 قرارا يتعلق بقضية الشعب الفلسطيني, الا ان ايا من هذه القرارات لم ينفذ حتى الآن بسبب الدعم السياسي والعسكري والمالي اللامحدود من الولايات المتحدة الامريكية وانصار اسرائيل في اوروبا. ومن هذه القرارات الدولية: ـ القرار 181 (قرار التقسيم) الصادر عن الجمعية العامة للامم المتحدة عام 1947 والداعي الى قيام دولتين: يهودية وعربية ووضع مدينة القدس تحت نظام دولي خاص تتولى ادارته الامم المتحدة. ـ قرار الجمعية العامة للامم المتحدة 194 الصادر بتاريخ 11/12/1948 وينص على السماح بعودة اللاجئين وان القدس تحت مراقبة الامم المتحدة. ـ قرار مجلس الامن الدولي 114 الصادر عام 1949 والذي ينص على ابطال نقل الوزارات والدوائر الحكومية الاسرائيلية وغيرها الى القدس المحتلة. ـ قرار الجمعية العامة للامم المتحدة رقم 302 الصادر بتاريخ 8/12/1949 والقاضي بتأسيس وكالة (الاونروا). ـ قرار الجمعية العامة للامم المتحدة رقم 2253 الصادر بتاريخ 4/7/1967 والقاضي بالغاء كافة الاجراءات المتعلقة بتغيير وضع مدينة القدس. ـ قرار الجمعية العامة للامم المتحدة رقم 2254 الصادر عام 1967 والقاضي بالامتناع عن اي عمل من شأنه تغيير مدينة القدس. ـ قرار مجلس الامن الدولي رقم 242 الصادر عام 1967 والذي ينص على تحقيق تسوية عادلة لمشكلة اللاجئين وانهاء حالة الحرب واحترام والاعتراف بسيادة ووحدة اراضي كل دولة واستقلالها السياسي وحقها في العيش بسلام ضمن حدود آمنة معترف بها. ـ قرار مجلس الامن الدولي رقم 250 الصادر بتاريخ 27/4/1967 والذي ينص على عدم اقامة عرض عسكري في مدينة القدس. ـ قرار مجلس الامن الدولي رقم 251 الصادر عام 1968 والذي ابدى مجلس الامن الدولي خلاله اسفه لقيام اسرائيل بعرض عسكري في القدس. ـ قرار مجلس الامن الدولي رقم 252 الصادر بتاريخ 21/5/1968 والذي ينص على الغاء كافة الاجراءات الهادفة الى تغيير طبيعة القدس ووصفها بأنها باطلة. ـ قرار مجلس الامن الدولي رقم 271 الصادر في سبتمبر 1969 والذي يطالب بعدم قبول الاستيلاء على الاراضي بالقوة. ـ قرار مجلس الامن رقم 298 الصادر عام 1971 والذي يدعو اسرائيل الى احترام قرارات مجلس الامن الدولي السابقة والمتعلقة بالقدس. ـ قرارا مجلس الامن الدولي 446 و452 الصادران عام 1979 ويتضمنان دعوة اسرائيل الى الكف وبصورة مستعجلة عن اقامة او انشاء او التخطيط لبناء مستوطنات في الاراضي العربية المحتلة بما فيها القدس. ـ قرار مجلس الامن الدولي رقم 476 الصادر عام 1980 والذي يتضمن دعوة اسرائيل الى انهاء الاحتلال للاراضي العربية المحتلة عام 1967 بما فيها القدس. ـ قرار مجلس الامن الدولي رقم 478 الصادر عام 1980 والذي جاء احتجاجا على قرار الحكومة الاسرائيلية بضم القدس الشرقية واعلانها مدينة موحدة واعتبر هذه الاجراءات لاغية. ـ قرار مجلس الامن الدولي رقم 480 الصادر عام 1980 ويدعو جميع الدول الى سحب سفاراتها من القدس. ـ قرار الجمعية العامة للام المتحدة رقم 36/120 الصادر عام 1981 والذي صدر احتجاجا على القانون الصادر عن الحكومة الاسرائيلية حول ضم القدس ووصفها بأنها عاصمة اسرائيل واعتبر القانون لاغيا وباطلا. ـ قرار مجلس الامن الدولي رقم 338 الصادر عام 1973 والذي دعا لوقف اطلاق النار وتنفيذ قرار مجلس الامن الدولي رقم 242 واجراء مفاوضات لاقامة سلام عادل ودائم. ـ قرار الجمعية العامة للامم المتحدة رقم 36/32 الصادر بتاريخ 22/11/1974 والذي يؤكد على حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره دون تدخل خارجي والحق في الاستقلال والسيادة الوطنيين والحق في العودة. ـ قرار مجلس الامن الدولي رقم 465 الصادر عام 1980 والذي يتضمن دعوة اسرائيل الى تفكيك المستوطنات وعدم البناء او اجراء اي تغييرات مادية ليس لها مستند قانوني. ـ قرار مجلس الامن الدولي رقم 672 الصادر عام 1990 وينص على ادانة اسرائيل لارتكابها اعمال عنف ضد الفلسطينيين في ساحة المسجد الاقصى بتاريخ 8/10/1990. ـ قرار مجلس الامن الدولي رقم 673 الصادر عام 1990 والذي تضمن اصرار المجلس على ان تمتثل اسرائيل لقرارات المجلس السابقة وان يسمح لبعثة الامم المتحدة بأداء عملها. أين العدالة؟ لم تطبق اسرائيل اي قرار من هذه القرارات الدولية وهذا يعني حسب فقهاء القانون الدولي بأنها دولة خارجة على القانون ورغم توفر الادوات العسكرية والسياسية والدبلوماسية لدى مجلس الامن الدولي والامم المتحدة لضمان تنفيذ قراراتها مثلما حدث في مناطق كثيرة في العالم الا ان هذه الادوات يتم تجميدها حينما يتعلق الامر بإسرائيل مما يكرس نهج ازدواجية المعايير في التعامل مع جرائم الحرب. وهذا يقودنا للاستنتاج بأن محكمة العدل الدولية لا تتمتع بالحيادية الكاملة في عملها بل تقع تحت تزأثير الدول الكبرى مباشرة وبالأخص الولايات المتحدة الامريكية. ان وجود عتاة القانون الدولي كأعضاء في محكمة العدل الدولية في لاهاي لا يكفي للقول بأنها تؤدي دورها الذي حددته مواثيق الامم المتحدة, لأن كل المحاكمات التي شهدتها اروقة محكمة العدل الدولية حتى الآن اقتصرت على مجرمين رغبت الولايات المتحدة في محاكمتهم دون ان تمتنع الاطراف الاخرى المؤثرة في مجلس الامن والامم المتحدة كما ان المحاكمات لم تمس افرادا ينتمون الى دول ذات تأثير ملموس اولها علاقات مصالح قوية مع الولايات المتحدة. فلم يشاهد العالم او يسمع عن محاكمة مجرم اسرائيلي قدم الى محكمة لاهاي على الرغم من وجود اطنان من ملفات الادانة ضد الاسرائيليين الذين قتلوا اجيالا من الشهداء العرب وشردوا ملايين البشر الى اصقاع الكرة الارضية على مدى 52 عاما مسفوحة بالدماء والبغضاء والجرائم. خلاصة القول تبدو المحكمة الدولية مجرد اداة سياسية لتحقيق نزعة الهيمنة والسيطرة الدولية للولايات المتحدة التي نصبت نفسها شرطي العالم, فكل من يخالف مصيره المحاكمة في لاهاي, والحيثيات دائما جاهزة. اما المجرمون الحقيقيون فإنهم دائما مطلقو السراح, يكبرون ويحملون بوطن حدوده من الفرات الى النيل. بقلم: د. جمال المجايدة